المظلة

إبداع ونقد

قليل من الملائكة..هل هو موت العالم..؟أم دعوة إلى الحب.. ؟

قليل من الملائكة..هل هو موت العالم..؟أم دعوة إلى

الحب.. ؟

 

بقلم : كريمة الإبراهيمي

ناقدة ومبدعة من الجزائر

 

     هل بقي للكتابة دور في عالم الذي فقد الكثير من جماله؟.هذا السؤال يلح أكثر على الكاتب في زمننا الحاضر..زمن الموت والتشوه.. 

   وبين تأكيد الأهمية أو نفيها تأتي مجموعة الكاتب عبد الله المتقي الصادرة عن- دار التنوخي-2009 تحت عنوان:قليل من الملائكة.

    هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا، جاءت لتؤكد فعل الكتابة كفن له من الأهمية ما له.ولتؤكد أكثر موقف الكاتب من عالمنا الراهن.انه يحاول  ومن خلال الفن أيا كانت صيغته ،أن يعيد تشكيل العالم بصورة أكثر جمالا دون أن ينتقد السلبيات التي تصادف أنها تشكل جزءا من عالمه.فهو كما الشاعر-صامويل كولردج-:"الأدب نقد للحياة"1.

    المجموعة مكونة من 60 قصة قصيرة جدا، بعناوين ورموز مختلفة، بعضها عناوين مقاهي وبعضها أمكنة وبعضها الآخر عناوين لأعمال أدبية أو أسماء فنانين.أغلب القصص جاءت بصيغة الغائب، إذ يروي فيها الكاتب على لسان الآخرين. 

          استهل الكاتب مجموعته بقولين لكاتبين مميزين،بداية بقول صاحب رائعة-زوربا-                     الروائي–كازانتزاكيس-"بقليل من الجنون نغير العالم".والقول الثاني للكاتب -هنري ميلر-           " كلما رأيتم رجلا ذا ميول كلاسيكية،رجلا لا يصاب بالجنون ولا يمارس الانتهاك،اقبضوا           عليه وزجره في السجن: إنه يشكّل خطرا على الإنسانية! .

       من هنا يشرع الكاتب في رواية قصصه، ربما بجنون بسيط أو بمحاولة انتهاك لهذا العالم            البارد الذي فقد طعم أشيائه الجميلة ولم يعد يفرز إلا الموت والدمار،لتظل الكتابة تلك                  المحاولة المجنونة التي لا يمتلك الكاتب غيرها ساعيا من خلالها إلى فعل التغيير.

   تحتل الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة، الإطار العام للمجموعة إذ تتنوع الموضوعات المتناولة.فمن الحب إلى الموت ومن الانصهار إلى الخيانة، ومن الجمال إلى التشوه ومن الذكورة المزيفة إلى الانسحاق تحت وطأة الخوف، ومن الذاكرة الباحثة عن الخلود إلى الوطن الذي مات وجوده بدواخلنا..هي باختصار رحلة في عوالم جافة ،فقدت كل معانيها ولم يعد لها إلا اسم واحد:موت العالم الجميل.

    يكتب-عبد الله المتقي-لا كما الكاتب، بل كما الجراح الذي يأخذ المشرط بحثا عن الورم غير مكتف بإيجاده بل بمحاولة استئصاله.انه يعلن عن الخطر وينبه له من خلال هذه القصص القصيرة جدا.إنها قصص الومضة الخاطفة التي تقول كل شيء ببضع كلمات.

  الموت أولا..

    في المشاهد الأولى من قصص المجموعة يطالعنا الموت حين يباغتنا فجأة فنموت دون أن يعرف الآخرون بموتنا يقول في قصة-غاز-:"امرأة ورجل مهملان في الدش منذ ثلاث ساعات،ينتظران سيارة إسعاف وثلاجة موتى.."2.انه عبث الحياة أن تنتهي حياتك في دش فقط برائحة غاز قد تمنحك دفئا في لحظة أخرى.يتواصل الموت ليختم حياة الكاتب.الكاتب حين تنتهي أحلامه فجأة وفي صمت ،وقد يمضي الوقت طويلا دون أن يعرف الآخرون بموته ..فقط هو كاتب..هو المحترق دون ضجيج والحالم دون ضجيج والميت دون ضجيج.يقول في قصته"قصة غير منسية-:"قبعة بالمشجب تذرف دمعا ناشفا،معطف أسود يرتعش من البرد،..بضعة مسودات قصصية وجثة غارقة في الموت"3.

    هو الموت إذن وان تغيرت الأسباب..هو الحلم المنكسر في أعيننا ..هو الصوت الذي قد ندفنه في صدورنا ،أو ندفع من أجله أعمارنا .يقول في قصته-ذاكرة موت-:"الليلة الماضية نزع صورته عن الحائط...وقال لزوجته مودعا:اقرئي كل سبت صفحة الوفيات"4.فمن الرحيل الذي ينهيه الموت، إلى موت اختياري لترك هذا العالم.يقول في قصته-مجرد انتحار-:"غرفة مثلجة..يمكن التفكير ببساطة في أن ما وجدته الشرطة في هذه الغرفة الباردة مجرد انتحار"5.فهل بقي للإنسان إلا أن يغادر عالما باردا وحزينا؟.عالم تحكمه الحرب والموت.وهنا يقول الكاتب في قصته-حرب-:"..جثث مجهولة الهوية..لا وقت الآن لدفن الموتى، إنهم كثر."6

 

 

  البرد ثانيا..

    عوالم قصص-عبد الله المتقي- ثلجية المذاق، وتصل حد الرعب أحيانا..عوالم تحكمها الخيانة وذكورة لم تعد تصلح لشيء..عوالم فقدت فيها الأشياء براءتها وصدقها..كل شيء مهشم..الوجوه..والمرايا..والحكايات..فهل هي القطيعة مع عوالم أكثر نقاءً وأكثر طهرا؟.

    في قصته التي جاءت تحت عنوان -الحذاء الأمريكي-يشير الكاتب إلى تشوه أجمل ما يمكن أن يشبه به الشاعر امرأة..كانت قمره..لكن الجمال القمر غاب في التكنولوجيا التي دنست القمر ودنست معه كلمات الشاعر..أخيرا لم يعد القمر ما كانت ترجوه –ليلى- من –قيسها-، يقول الكاتب:"التقى قيس بليلى العامرية في ليل حالك،وقريبا من واحة زرقاء،قيس:قمر أنتِ.غضبت ليلى...قمرك دنسه أرمسترونغ.."-7.وفي قصته-خيانة- يسرد لنا الكاتب قصة الخيانة التي تحكم العلاقات بين الزوجين،فكليهما خائن ولكن لا أحدهما يتجرأ على أن يبوح للآخر..يمارسان الخيانة في صمت وكليهما يعتقد أن الآخر فقط هو الخائن وتأخذ كليهما الدهشة حين اكتشاف الحقيقة..يقول الكاتب:"..وكاد نبضها يتوقف في جيب المعطف عثرت على قبلة حمراء بمنديله الأصفر...وكادت تفقئ عينيه رسائل محمولها التالية:أحبك..مجنونان نحن..نلتقي بعد الإجهاض.."8.هو النفاق الذي يعيشه اثنين لايجمعهما إلا ما يفرقهما.

    ومن نفاق إلى نفاق آخر يجسده الذكر.هي الرجولة حين تتحول إلى مجرد كلمة، فما ضر لو تخلى الرجل عن ذكورته في لحظة صدق؟يقول الكاتب في قصته-مشهد سريالي-:"اعتلى طاولة أمام الزبناء ،أنزل سرواله واجتث عضوه الذكري.التقطته المرأة...ثم انسحبت من هدوء المطعم ويدها في يد الرجل"9.هذه القصة التي يمكن قراءتها على أكثر من وجه ، لكنها تؤكد قمة التعبير عن الحالة تشبه حالة الرسام-فان غوغ- الذي قطع أذنيه في لحظة جنون أو عشق وقدمهما إلى غانية عشقها.وقد جاءت إحدى قصص المجموعة تحت عنوان-فان غوغ-لتؤكد لحظة الجنون الجميلة وربما النادرة التي قد يرتكبها الإنسان والفنان تحديدا.

      في قصته-طباق الحلم - يحملنا الكاتب إلى عالم أكثر إيلاما..عالم القيم الموؤودة في أوطان قد نعتقد في لحظة أنها كل ما نملك..نهبها أحلامنا وتضحياتنا ولا تمنحنا إلا أجسادا مشوهة.. في هذه القصة صورة على قدر جمالها وتعبيريتها على قدر ما تؤلم.يقول الكاتب:" كلما أغلق عينيه ونام، رأى فيما يراه جندي متقاعد...ساق نصفها من حديد فرنسي وعين واحدة.."10.هو الحلم العابث إذن وهي تناقضات الزمن الجميل الذي لم يعد جميلا.

     ومن هذا الانكسار، ينتقل الكاتب إلى ألم آخر يجسده مرة أخرى الوطن.إذ تحضر كل مفاهيم الوطن دون أن يحضر الوطن..كل التعريفات صارت صالحة لوطن لم يعد موجودا إلا في ذاكرة أولئك الذين يدفعون أعمارهم ثمنا له في لحظة عشق كبير..يقول الكاتب في قصته-مجرد درس-:"مشى المعلم...سأل بصوت وديع: ما الوطن؟....الوطن غائب."11.

     هو الوطن الذي يحتضن كل الحكايات..وهو أيضا الذي قد يمضي العمر ونحن ننتظر أن تشرق أحلامنا فيه..لكننا نظل نرقب كأصحاب –صامويل بيكيت- ننتظر أن يأتي-غودو- ليشنقنا،أو ليمنحنا غدا جديدا..لكن –غودو- لا يأتي ويمضي العمر هباءً..يقول الكاتب في قصته-في انتظار غودو-:"السادسة والنصف صباحا...السابعة إلا ربع...الحادية عشرة شتاء...وفي الصيف القادم:شوهدت الصراصير تنخر التمثال الذي لم يسافر"12.

    كل شيء يحدث في هذا الوطن..هذا العالم الكبير..وكل الأشياء إما ماتت أو تنتظر موتها..كل الوجوه مشوهة رغم محاولتها الابتسام لتصنع ملا مح أكثر جمالا..الشعراء يركضون في قصائدهم،وموتهم ،يحاولون رسم العالم بشكل أفضل..يرثون حبيباتهم وفيهن يرثون كل ما هو جميل قتله العالم أو هم قتلوه..يستحضر الكاتب الشاعر-ديك الجن- راثيا من خلاله موت الحب في رثائه-ورد-التي قتلها وراح يبكيها.يقول الكاتب:"يحدث أن تصادف ديك الجن...كالعادة كان يعوي بقصائد موجعة في رثاء ورد"13.فديك الجن يغيب ذاكرته في بارات الوطن..لعله ينسى –ورد-.

   

      وفي قصته-مرآة-تسخر المرآة من محاولة الإنسان في أن يبتسم..أن يرى وجهه بلا تشوهات..فيفقد سيطرته على سخرية المرآة..لكن وكما يقول الروائي-ستاندال-:" ليس ذنب المرآة أن يمر أمامها أشخاص يثيرون الاشمئزاز ،فهي لا تدافع عن أحد" .يقول الكاتب:"وقف الرجل أمام المرآة...وكان المشهد الخير من القصة هكذا:أصابع دامية..."14.

    الحب..كل ما تبقى..

   هل كان الكاتب يقصد بترتيب قصصه كما جاءت؟..

     الحب والذاكرة الباحثة عن وجود أدخلها الكاتب وسط عوالمه المرعبة.لكن الحب لم يغب..هو كل ما تبقى لتغيير العالم، أو فقط الحلم بتغييره.ولذلك جاءت بعض القصص لتضفي القليل من الجمال على المجموعة .ففي قصته-play- تأكيد على الذاكرة التي تحاول التكنولوجيا أن تسلبنا إياها..هي الجدة بعوالمها القصصية ودفء حكاياتها التي لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الإنسان أو الفنان. هي الجدة التي تحاول الصمود في وجهPlayStation- لتحافظ على بعض البقايا من ذاكرة هرمت وتكاد تمحي.يقول الكاتب:"ثمة أحفاد في فسحة مضيئة،يتابعون بعشق شريطا للرسوم المتحركة.ثمة جدة في زاوية معتمة، تفرك حكاياتها بالتايد والصابون حتى لا تتعفن."15.

      هي المحاولة المتبقية لنسج الحكاية من جديد ولإبقاء العصافير مغردة أيضا..هو التحايل على العالم الجاف للحفاظ على دفء اللحظة ..هو التحايل على الموت أيضا لأجل غد جديد بلا جثث وبلا وجوه مشوهة..يقول الكاتب في قصته-مكيدة-:"...فقط رجل متقاعد يتأمل خريف الحديقة ويتحايل على الموت بعصافير شاحبة وبأطفال يتقافزون فوق العشب كما السناجب.."16.فلا أجمل من عصافير وأطفال أو بالأحرى قليل من الملائكة  لإعادة تشكيل العالم بصورة أكثر إشراقا.

     وقبل الختام لا يمكنني إلا القول بأني استمتعت جدا بمجموعة –قليل من الملائكة- لعبد الله المتقي وأعتبرها تجربة مميزة في مجال القصة المغاربية عموما والمغربية خصوصا.كما لا أدري لم قرأت المجموعة قراءة عبثية بهذا الشكل..هل لأنني رأيتها تقترب من أدب العبث؟أقول إن المجموعة قد تقرأ على وجه أكثر جمالا وإشراقا. لكنها فعلا مجموعة على قدر كبير من الجمالية والتمكن، استطاع فيها صاحبها أن يأخذنا لفي ومضة قصيرة إلى عوالم أكثر اتساعا.     

 

هوامش:

1-عزيز الماضي، شكري.محاضرات في نظرية الأدب .دار البعث للطباعة والنشر.ط1. 1984.ص98.

2-قليل من الملائكة.ص15.

3-قليل من الملائكة.ص18.

4-قليل من الملائكة.ص44.

5-قليل من الملائكة.ص30.

6-قليل من الملائكة.ص42.

7-قليل من الملائكة.ص19.

8-قليل من الملائكة.ص58.

9-قليل من الملائكة.ص34.

10-قليل من الملائكة.ص50.

11-قليل من الملائكة.ص59.

12-قليل من الملائكة.ص66.

13-قليل من الملائكة.ص46.

14-قليل من الملائكة.ص81.

15-قليل من الملائكة.ص45.

16-قليل من الملائكة.ص37
للنشر في المظلة


أضف تعليقا

ناصح منذر
09 اغسطس, 2009 03:11 م
عنوان يثير التساؤل.. !!!