المظلة

إبداع ونقد

ضربة شمس

ضربة شمس
أحمد شكر

كان لموجة الحرارة التي تفتت ما ظل صلبا فينا حتى اللحظة آثار وخيمة على المشتغلين في محالات تؤثر فيها ضربات الشمس مباشرة، وبدأت من الآن الانعكاسات السلبية على أثمان الخضر وغيرها.

ماشد انتباهي في أيام الحرارة هذه هو تواري قابلية التحمل لدى غالبية الناس، ليس لبحثهم عن الظل وهذا سلوك محمود وغريزي ولكن بطفو ظاهرة عجيبة استثارت انتباهي لأول مرة هو لجوء معظم الناس إلى حمل قنينات الماء المعدني والمعالج في الشوارع والحافلات، قصد التزود بهذه المادة الفاصلة ما بين عالمين والمانحة سر استمراريتها لكل كائنات الكون.

هذه القنينات المفعمة بالحياة والتي أضحت رفيق أساسي لمجموعة كبيرة من الناس في هذه الحمى الحرارية، ولدت لدي الكثير من الأسئلة والمتمنيات.

ترى لو مسخت هذه القنينات كتبا في أيدي حامليها.

  ماذا لو أقبلنا على القراءة كإقبالنا على الماء وأشياء أخرى؟

وماذا أيضا لو ارتفعنا بحاجتنا وجعلنا من القراءة ضرورة كما هي الضروريات الأخرى؟

عندما اشتغلنا رفقة مجموعة من المطوح بهم في ذلك العرق الصحراوي الهاجع في صمته. اكتشفنا مبكرا أهمية ومعنى أن تحمل حافظة ماء في كل خرجاتنا، لأن الماء هناك يساوي الحياة ولا مجال لتصنع البلادة والغفلة والتحرك في طرق الصحراء دون الرفيق الخالد كما مجده إبراهيم الكوني في روائعه الروائية.

هل يمكن أن نقارن الماء بالحبر ونعتبرهما ضرورة أبدية ويومية لاستمرار عطائنا ؟

كل منهما يأخذ من الجريان سر أبديته وتألقه، إلا أن الإشكال يكمن في أن الماء فرض سلطته  الضرورية  على حياة المخلوقات جميعا، فهل باستطاعة الحبر اجتراح مكان له في خرائطية هؤلاء الناس؟

في المجتمعات المتحضرة أصبح حمل الكتب وقراءتها في الأماكن العامة سلوكا اعتياديا، وعندنا للأسف أضحت القراءة هي الفعل الغير المتوقع وهنا أستحضر واقعة حكاها لنا أستاذ الفكر في الكلية حيث ذهب إلى القباضة لاستخلاص الضريبة السنوية على سيارته، ووجد الصف طويلا، وقف كما الآخرين وفي انتظار أن يصل دوره أخرج كتابا وبدأ يقرأ، الكل أخذ ينظر إليه بطريقته لكن الأكيد أنه شكل نشازا فطلب منه الجميع أن يتقدم إلى الشباك ويحصل ضريبته ويؤدي ما بذمته.

لحظتها عندما حكى لنا الواقعة وأدلى بتفسيره للحدث برعنا في التحليل والتخريجات التي أجمعت أننا لازلنا نتخبط في تخلفنا وأن القراءة سلوك غير مستصاغ اجتماعيا لأنه يذكرنا بأميتنا وجهلنا المريع.

والآن وبعد انصرام عقدين من الزمن لا زال الحال على ما هو عليه إن لم يكن قد تفاقم أكثر.

فهل لضربة الشمس هذه أن تفيقنا من سباتنا.

 عندما اشتغلت في أماكن يحكمها الاستواء الشمسي لمدد طويلة، عانينا من الركود ومن تخثر الهواء، وأن ذواتنا كانت تعزف عن الأكل كما تعزف عن القراءة وأشياء أخرى.

وظل اشتداد الحرارة مرتبطا عندي بهذا الخمول والفتور الذي يصيب الذات والأعضاء بكسل كاسح.  

الآن تغيرت أشياء كثيرة وأصبح للبحر وجاذبيته أكثر من عون كما أضحت للتقنية تسهيلات ومعين في تحمل الحرارة لكن ما لا يتحمل هو هذه النظرة الدونية إلى الكتاب، فهل من طريق سيار يأخذنا إليه.

 

 

للنشر في المظلة


أضف تعليقا