المظلة

إبداع ونقد

معارك خلفية في اجراس عبدالغني فوزي البهية.

 

                                  معارك خلفية

       عبد الغني فوزي  

 

     تمنع كتب إبداعية اليوم في أقطار من الأمة العربية من التلقي الذي يتحول إلى متابعات قضائية لكتاب عزل ليس لهم إلا الكتابة ، بدعوى أن كتبهم تحمل أخطارا كبيرة وإساءات للإسلام. وهو ما يطرح السؤال المركب : ألم يترسخ بعد مفهوم الكتابة كخصوصية قولية في بنية ثقافية واجتماعية بمسالكها المتعددة ؟ هل الكاتب إنسان يثري الحياة في الخيال والتمثل أم يقولبها على مقاسات ، ويدعو إلى النموذج بقوة الإيديولوجيا ؟ .

   أثارني هذا الأسبوع سؤال المجموعة القصصية " شجرة الحكاية " التي أضرمت النار في هشيم المنطقة التي يشتغل بها القاص عبد الهادي الفحيلي ـ  ويقطن ـ ضمن أسرة التعليم ، بسبب تأويل الفئة المتعلمة هناك الذي تقول بأن هذه المجموعة احتوت على كلمات نابية وغير أخلاقية ، هذا إضافة إلى السب والتشهير بالكثير من سكان المنطقة . والغريب أن هذه الفئة الجمعوية بالأحرى ، جرت الناس في حملة أخرى ضد كاتب أعزل ، لتستفرده استفراد بعير القبيلة ، وتتعقب خطوه وأنفاسه كأنه سن سنة ، ودعا إليها هناك . كل ما في الأمر، أن الكاتب عبد الهادي الفحيلي كما عهدناه يكتب القصة ، ويمشي على دربها الطويل إلى أن تخلقت شجرة الحكي ذات الأصول والفروع الضاربة في سلالات السرد والأصوات ، أصول كامنة في تلك الرغبة الدائمة في إعادة سوق وصوغ الأشياء بمنطق آخر، ينهض على المتخيل الذي يقتضي الحذف والإضافة وفق التجربة ولمساتها الخاصة . وعليه، فالمبدع غير متصالح مع النمط والمكان في جغرافيته العادية، بل مع ذاته. لذا فالمكان يمر عبر مشاعر وأحلام ،  فيتلون ويتخذ عدة مظاهر وأبعاد . لكن للأسف، الناس يأتون لهذا الأدب من اليومي وحشوه، فيتم البحث عن مطابقة بين الواقع والكتابة. وهنا تضرب هذه الأخيرة في صميمها، وتفقد هويتها الحقيقية.

   وأنا أعود للكتاب قيد النظر،  ليس هناك ما يسيء لأحد ، لكن أسلوب الكاتب الطموح في التوغل في متون الواقع وتكسير المسكوت عنه ، بإمكانه إثارة حفيظة البعض لكن دون أن يصل ذلك إلى تجريم الكاتب والكتابة ووضعهما في قفص الاتهام  ،كأنه يكتب ضمن المنطقة ومن أجلها فقط . وأن يتم إلصاق جلد الكاتب بهذه المنطقة بهذه الطريقة ، لا أساس منطقي أدبيا له ؛ فالعالم سجن على الكتابة وبالأحرى مأوى الجسد . فهناك جمعيات لا صحة ثقافية لها ، فعوض أن تعلم الناس كيف يقرأون ، تدفعهم في اتجاه آخر ، يجعل الحياة خالية من الأدب الذي يهذب النفوس ويشحذ الملكات ، وليس الأدب كوصفة أخلاقية .

    يؤكد هذا أن الكتابة الأدبية ما زالت تتعرض لنكبات ووعكات في التلقي الأعمى الذي لا يمتلك ولو حد أدنى من الثقافة الأدبية التي تمكن من التواصل المرغوب فيه ، التواصل الذي يعدد القراءة ويعيد كتابة الأثر بمعنى آخر، ليخلق للإبداع امتدادات . الكاتب هو إنسان وعلاقات ويومي...لكنه في الكتابة شأن آخر، أي اشتغال وسبك، وبالتالي فحين نطارد الكاتب باليومي وتبادل التهم، قد تضيع الكتابة والكاتب كمفهومين تكون معهما الأجساد المهووسة بالحرف كجسور، لذاك العبور نحو الأعمق الذي يوخز الحياة الرتيبة والنمطية بإرتعاشات تجدد الداخل في مسيرة الشأن الإنساني .

   من جانب آخر ، كلما تعرض كاتب لمثل هذه المطاردات التي تتغذى من أشكال الرقابة السارية في المجتمع والحياة المتهيكلة ، إلا وطرح سؤال الجمعيات الثقافية في الواجهة : ما هو دورها هنا للدفاع عن الكتابة وتقريب صورة الكاتب للمجتمع بأريافه البعيدة التي لا تعرف للقصة قصة ولا للشعر شعرا..وبالتالي فتقاليد الكتابة والثقافة مفتقدة . كما أن المبدعين مطالبون بمعرفة هذه الأخطار المحدقة ، ليس فقط بالكتابة بل بكتابها، قصد الثكل والبحث عن أشكال تنظيمية، لحماية نسلهم وحرثه من عبث العابثين وجهالة العصر.

 

                                          عبد الغني فوزي  

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورقة عمود " أجراس " في المنعطف الثقافي .

 



أضف تعليقا