المظلة

إبداع ونقد

عبد الغني فوزي في قلب المعارك

 

                      في قلب المعارك

 

   عبد الغني فوزي

 

    كثيرة هي الأشكال من سلوك وخلجات ووجدان وخدوش ذاكرة التي تبنى على كتب مخصوصة ، أستحضر هنا سلسلة " اقرأ " لأحمد بوكماخ التي غرزت الحروف رفقة الصور بالمسمار في الوعي ، لنفر يلتقي في العديد من الصفات والأفعال التي تندغم فيها المدرسة بالمحيط . قدمت هذا المثال الأوحد البارز في معناه المفتقد الآن  ، لأستحضر وضعية الكتاب اليوم . فتطور البشرية بشكل كبير ومخيف، خلق استهلاكا عاما، امتد لكل الأشياء والعلائق، بل للعمق والقرار، فافتقد العمق في كل شيء: في السياسة، في الفن، في الثقافة نفسها. وأصبحت في المقابل ، الكتب نفسها سريعة الإنتاج ، بل تلك البسيطة في الفكرة والمبنى تسوق بكيفية لافتة للنظر . فهناك كتب تباع  في العالم بالملايين ، وخاصة منها تلك الروايات الشهيرة التي يحتوي بعضها على حكايات بسيطة . ولكن هذا لا ينفي طبعا العديد من الكتب الممتعة لأنها استثنائية ، تحكي أو تكتب بفرادة وجدة في الفكرة .

     إن الاستهلاك العام، خلق كتابة سريعة تخلت عن الأصول، الشيء الذي خلق نصا متشابها واجترارا قاتلا. وفي القابل ، امتد ذلك للقراءة نفسها التي غدت سريعة وانتقائية مثل الوجبات السريعة . وهو ما أدى بالكثير من الوسائط الإيصالية إلى تمرير هذا المكتوب الثقافي عبر حلل وإطارات خفيفة كاختصار شديد متنوع الفقرات أو قل الوجبات السريعة والخفيفة . ولست أدري: هل الذائقة العامة هي التي تخلق المقاسات ؟ أم الوسائط كتوجهات وخطوط تحرير من خلال تصورات تلتقي في الحفاظ على جوهر هذا الثقافي ( كقيم وإبداع ) ، والذي إذا تم تقضيمه ، سقط كله ، وشوه جزأه الذي لا يقول شيئا .

    الكتاب يمكن أن يحمل، وقد يقرأ عليك دون مجهود ك البصري والذهني، يمكن أن تحمله كمكتبة ـ دون رفوف وأدراج ـ في الهواء الذي تتنفسه..لكن هل يمكن للكتاب أن يفقد كتابه ؟ . أعني فالفكرة ستبقى قائمة، تعلن عن نفسها عبر أي وسيط. وأي تفاعل معها يقتضي قراءة / هذا الرهان المؤجل. فكلما كانت الثقافة والأدب في خطر ، يطرح السؤال في ثقافات ومجتمعات أخرى : كيف نقرأ ؟ . وحده هذا السؤال يجعلنا " تغربل " أي شيء ولا نبلعه كما السيول اليومية التي تجرف ولا تعيد . وبالتالي، فحين يمارس المجتمع الثقافة ، سنغذي ثقافة السؤال والنقد ضمن مساحات الاختلاف العميق الذي يرفع من السقف عاليا .

   أعود لفكرة هذا العمود ، فالاستهلاك متعدد ومتنوع ، وهو كأي منتوج أو فعل يدعوك بإفحام إلى البلع . ويغلب ظني، أن المناعة الفكرية، تأتي من فعل قرائي وثقافي والذي ينبغي وضعه في قلب كل المعارك.

    لن نرفع شعارا آنيا بالتساؤل :أية قراءة ؟ لأي مغرب ؟ . لأن القراءة التي أتحدث عنها هنا هي تلك الممتدة في الزمان وغير المنتهية في المكان. الشيء الذي يقتضي الإيمان بالقراءة باعتبارها لصيقة بالإنسان ، ومتى كانت ضرورة وأولوية ، سنضع كأفراد ومؤسسات القراءة والثقافة كفعل موازي للأولويات الأخرى . آنذاك يمكن رفع شعار هادئ دون مناسبات أو نوازل: القراءة أولا ؟ . وبعد تحقق تجليات فعل قرائي ، ينمو كأحواض يمكن أن تزهر بسرعة لأن حقل الإنسان يكون دائما طريا ، وكلما تهيأت الظروف لذلك ، كان العطاء أحسن وأجمل أيضا . وبعد ذلك يمكن أن يطرح التساؤل بصيغة مختلفة: كيف نقرأ ؟ . وهو التساؤل الذي طرحته جهات في بلدان لها صلة قوية بالكتاب والثقافة ، بعد أن استشعرت الخطر المحدق بالأدب والقراءة . الخطر المحدق بالعمق والمعنى ؛ مقابل طغيان التسطيح والعبث ذوي النفوذ ! .

 

                                                             

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورقة عمود " أجراس " لهذا الأسبوع في المنعطف الثقافي .



أضف تعليقا