المظلة

إبداع ونقد

عبد الرحيم الخصار.. شاعر في البرلمان

عبد الرحيم الخصار.. شاعر في البرلمان

 

فقط لا غير*

عبد الرحيم الخصار

khassar@gmail.com

* عمود الصفحة الثقافية للجريدة الأولى، يصدر كل ثلاثاء

شاعر في البرلمان؟

     يبدو هذا الأمر غريبا، هل هناك فعلا شعراء البرلمان؟ و إذا كانوا فما وظيفتهم؟ قبل ثمان سنوات استحدث هذا المنصب في كندا، و قد تناوب عليه أربعة شعراء، آخرهم هو بيار دي رويسو البالغ من العمر ستة و ثمانين عاما، و وظيفة هذا الشاعر الكيبكي الذي درس الفلسفة و اشتغل بالصحافة و الترجمة ستكون هي تنبيه الناس إلى أهمية الشعر و تعميق إيمانهم بجمال اللغة.

    و طبعا في بلد مثل كندا لن تكون هذه الوظيفة مجانية، فالشاعر سيتقاضى عن هذه المهمة راتبا سنويا يقدّر بعشرين ألف دولار، إضافة إلى تغطية مالية لكل سفرياته و تحركاته تصل إلى 13 ألف دولار في العام، و ستكون من بين مهامه العناية بمكتبة البرلمان و إعداد نصوص شعرية في الأعياد و المناسبات العامة بكندا.

    في المغرب، أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى شاعر برلمان، فمعظم البرلمانيين عندنا شعراء، و نحن نسمع مباشرة قصائدهم المنظومة على البحر الطويل جدا قبل وصولهم للبرلمان منمّقة و مدبّجة و مقفّاة، ثم نسمع فضائحهم  و كوارثهم اللغوية على الأثير و عبر التلفزيون "الوطني" بعد  دخولهم تحت القبة.

   و بالنسبة لي لا تختلف قبة البرلمان المغربي كثيرا عن قبة الضريح، فقط موتى الأضرحة هادئون و ودعاء، بينما الجثت في البرلمان تتحرك و ترعد و تزبد و تصرخ في الميكروفون و تضرب بأطرافها على الكراسي و الطاولات.

   و لنتخيل أن البرلمان المغربي اختار أحد الأدباء شاعرا رسميا له، فكيف سيكون؟ و ما مواصفاته؟ طبعا لن يكون من شعراء قصيدة النثر، و لا حتى من أهل الشعر الحر، فهؤلاء غالبا ما يقلبون الطاولات على المدعوين، و قد يأتي أحدهم مخمورا و يقرأ قصيدة  ماجنة في عيد وطني.

    سيكون شاعر البرلمان بالضرورة "عموديا" فالدولة ترتاح لكل ما هو عمودي، و سيكون مكروها و منبوذا من طرف البرلمانيين لأن مداخلته الشعرية ستكون تافهة و بدون فائدة، أما الوزراء فسيسمونه بأسماء عدة، و سينعتونه بنعوت لا حصر لها، سيسمونه الحطيئة، أو الشمقمق، و الوزراء الذين لا يعرفون شيئا عن اللغة العربية و الأدب العربي و الذين يخلطون بين الشعر و الطرائف سيسمونه جحا.

   فقط الأطفال هم الذين سيجلسون أمام التلفزيون لمشاهدته، و سيستمتعون كثيرا بحركاته و بطريقة إلقائه لأشيائه، و سيفرحون بذلك لأنهم يحبون الكراكيز.

    أما في كندا حيث عيّن رئيس مجلس الشيوخ شاعرا جديدا للبرلمان فسيتم التعامل مع الأمر بجدية، فقط لأن الشاعر في مثل هذه البلدان يحظى بالاحترام و بالمحبة، و لا ينظر إليه بالتفكّه و الاستهزاء و الازدراء كما في بلادنا، أحيانا حين تقدم نفسك لرئيس برلمان أو رئيس مقاطعة أو رئيس غرفة فلاحية على أنك شاعر، ينظر إليك بتمعن و يتأكد – في قرارة نفسه- أنك فعلا غبي.

    لماذا لسنا في حاجة إلى شاعر رسمي للبرلمان؟ لأن أهل السياسة في المغرب يعتقدون أيما اعتقاد أنهم جميعا شعراء و أدباء و مثقفون و عباقرة، و يكفي أن تجلس مع أغبى برلماني لتكتشف أنك في حضرة كونفوشيوس، فالحِكم تتشتت في الهواء و المنطق يجري على لسانه، و يمكن لأي رئيس جماعة أمي أو نائب نائم أو عمدة فاشل في مغربنا أن يقدم دروسا في التاريخ و الفكر و الأدب و علم الفلك، و قد تابعنا كيف تحوّل مؤخرا بعض المغمورين في السياسة إلى فلاسفة و مفكّرين، أما الذين لا تاريخ لهم فقد صاروا مؤرخين، بل إن أي جاهل في هذا البلد الأمين يتحول فجأة و بقدرة قادر إلى أبيقور.



أضف تعليقا