المظلة

إبداع ونقد

ملامح القصة القصيرة جداً في قطوف قلم جريء

ملامح القصة القصيرة جداً في قطوف قلم جريء

بقلم / أحمد حسن الخميسي

كلّما ولد جنس أدبي جديد لاقى قبولاً من فريق وصدوداً من فريق آخر، ويبقى الخلاف سجالاً بين الفريقين إلى أن يستوي الجنس الأدبي الجديد على سوقه مثبتاً وجوده من خلال مكوناته الفنية التي تؤهله للبقاء والاستمرار.‏

هذا ما حدث للقصة القصيرة جداً (ق ق ج) التي كثرت في الربع الأخير من القرن العشرين، ولاقت اهتماماً في التسعينات منه، ولاسيما في الآونة الأخيرة وعلى عدّة مستويات، فقد كتب عنها في الصحف والمجلات وألّف عنها الكتب، وأقيمت حولها الندوات في المراكز الثقافية والنوادي الأدبية في دمشق وحلب.‏

ومن الكتب التي اهتمت بهذا الجنس الأدبي كتاب صدر حديثاً بعنوان "قطوف قلم جريء"، الذي أعدّه وقدّم له الأديب أحمد دوغان، وصدر عن دار الثريا بحلب عام 2004، وبلغت صفحاته /115/ صفحة.‏

توّج هذا الكتاب بكلمة للأستاذ محمد كامل قطّان مدير المركز الثقافي بحلب، تحدّث فيها عن دور الأدب في حياة الإنسان، وما تقدمه مديرية الثقافة من خدمات للثقافة والمثقفين، ثمَّ تحدث عن القصة القصيرة جداً، وما تلقاه من دعم من المراكز الثقافية.‏

وكتب أحمد دوغان مقدمة للكتاب ذكر فيها اهتمام الأدباء بالقصة القصيرة جداً إبداعاً ودراسة، وتساءل هل ثبتت شرعية القصة القصيرة جداً بعد أن رأى عدد من الدارسين والنقاد هلال هذا الجنس الأدبي في سماوات الدوريات والصحف والمنابر؟.‏

وكان منهجه في إعداد الكتاب: أنه يثبت ترجمة للأديب، ويعقبها ببضع قصص قصيرة جداً له، ليطلع القارئ والدارس على إبداع الأديب في هذا المجال، وجاء ترتيب الأدباء ألف بائياً على الشكل التالي: د. أحمد جاسم الحسين، أحمد دوغان، د. أحمد زياد محبك، بشار خليلي، جورج شويط، خليل رحمو العجيلي، سائر جهاد قاسم، سامر أنور الشمالي، سهى جودت، سوزان إبراهيم، ضياء قصبجي، عبد الهادي قاشيط، مايا عبارة، د. محمد جمال طحان، محمد الخلف، محمد قرانيا، محمود علي السعيد، محمود محمد أسد، نجيب كيالي، هيمى المفتي، وصفية محبك، يوسف حطيني.‏

ذكر في آخر الكتاب توصيات الملتقى الأول للقصة القصيرة جداً الذي عقد في حلب عام 2003، وأهم ما جاء في هذه التوصيات: التحضير للملتقيات التي تعقد حول القصة القصيرة جداً سواء على المستوى التنظيمي أو على مستوى الأدباء الذين سيشاركون في نتاجهم، والاطلاع على النصوص التي ستشارك، وكتابة دراسة نقدية عنها، وتغطية الملتقى إعلامياً، ونشر ما يقدم في الملتقى، وتوسيع دائرة الملتقى ليشمل الريف بالإضافة إلى المدن.‏

وبعد أن قرأنا القصص القصيرة جداً التي ضمّها كتاب "قطوف قلم جريء" لمسنا فيها الملامح التالية:‏

1 ـ إن القصص القصيرة جداً تتراوح بين السطر والسطرين والصفحة الكاملة، فقصة "من صبر ظفر" للقاص أحمد جاسم الحسين، تتألف من /18/ كلمة وقصة "مدخل" للقاص محمد الخلف تتألف من /12/ كلمة، وقصة "البيت الأبيض" للقاص سامر أنور الشمالي تتألف من /18/ كلمة.‏

ومن القصص القصيرة جداً التي بلغت الصفحة أو أقل قصص بشار خليلي.‏

إن أقصر هذه القصص تحتوي على شخصية وحدث على أقل تقدير وهما متلازمان مع المكان والزمان، وبتقديري إن خلو (ق ق ج) من هذين الأمرين (الحدث والشخصية) يفقدانها الانتماء لهذا الجنس، وتصبح خاطرة أو نصاً نثرياً جميلاً.‏

وإن استطالة القصة عن الصفحة، واحتواءها على العديد من الشخصيات والأحداث قد يخرجها أيضاً عن الانتماء للقصة القصيرة جداً.‏

وقد لاحظت أن قصر القصة يُسهل علينا نقلها شفاهياً إلى الآخرين وبالتالي تكون متداولة بين الناس، ولقد أعجبتني بعض القصص فقصصتها على معارفي مبرزاً إعجابي بها، وهذه ميزة واضحة للقصة القصيرة جداً!!‏

2 ـ في هذه القصص تفاوت في الشكل والمضمون، وإن الذي أعجبني منها وشدني إليها الإدهاش في الحدث، والتمايز في الفكرة مثل قصص: بشار خليلي، وجورج شويط، وثمة غرائبية وأمور مدهشة في قصص نجيب كيالي.‏

3 ـ قرأنا في بعض أحداث ومواقف خلف الكلمات والسطور، شكّلت في داخلها مجموعة من الصور والمشاهد الرائعة، ممَّا يدل على براعة لدى الكاتب، ومدى تطور موهبته القصصية.‏

4 ـ بعض هذه القصص انتهى نهاية عادية، وبعضها انتهى نهاية مدهشة، ومنها ما انتهى نهاية مغلقة وبعضها بقيت النهاية مفتوحة يستطيع القارئ إكمالها، وقد تميزت بعض قصص أحمد جاسم الحسين بأنها جاءت مفتوحة النهاية بنقاط إذا ما وضعنا مكانها العنوان تكمل القصة مثل قصص "على موعد معها" و"لا أزال على وعدي" و"أقدم قصة قصيرة جداً".‏

يقول في آخر القصة الأولى (اعذرني..... في يوم تشييعك لم أستطع الحضور لأنني كنت.......) ولو وضعنا العنوان لاكتملت القصة!!‏

5 ـ جاءت عناوين القصص شفافة ومعبّرة، ولكن بعض القصص جاءت مثل قصص الأديب أحمد دوغان والقاصة ضياء قصبجي، فقد أورد دوغان خمس عشرة قصة بلا عنوان، وكذلك القاصة ضياء أوردت ثماني قصص، ومن الملاحظ أن هذه القصص المرقمة يجمعها خيط واحد، حيث وجدنا المرأة حاضرة في جميع قصص الدوغان، وهذه الطريقة برأيي ستربك القارئ إذا ما أراد أن يتحدث عن القصة أو يدرسها أو أن يوثقها.‏

6 ـ كُتبت القصص باللغة الفصحى المبسطة، ولم ترد فيها ألفاظ عامية إلا لماماً، ولعل السبب قلّة الحوار فيها.‏

7 ـ شخصيات القصة من البشر ما عدا بعضها جاءت طيوراً وحيوانات وجماداً، ولجوء الكاتب إلى الحيوانات والجمادات يكون أحياناً هروباً من المسؤولية فهو يرمز بهذه الأشياء إلى واقع سياسي أو اجتماعي، أو تلامس شخصيات مهمّة لا يريد أن يصرّح باسمها ومن القصص التي لجأت إلى الرمز قصة "مدخل" لمحمد الخلف الذي استخدم الطيور، وقصة "دهشة" لجمال طحان الذي استخدم العصفور والنملة وقصة "الديك الذي ربح مرتين" لعبد الهادي قاشيط الذي استخدم الديوك والدجاج...! واستخدم يوسف حطيني الرمال في قصة "الرمال".‏

8 ـ وفي بعض القصص أجواء تراثية تربط الماضي بالحاضر، حيث يدل الحدث على فكرة تصلح لكل زمان ومكان كما في قصة "رائحة" للكاتبة سوزان إبراهيم.‏

حيث شم الملك في القصر رائحة كريهة، وبدأ يبحث عن مصدرها، ويتّخذ الإجراءات لإزالتها لكنه لم يفلح، وجاء الجواب من الحكيم الذي رفع سبابته بهدوء مشيراً إلى رواء المالك ثمَّ قال: إنها البطانة يا مولاي!!‏

9 ـ معظم القصص تغرف من الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني، فهي على الأغلب قصص واقعية مبنية على السرد بأسلوب سهل وبسيط، ولعلّه من الطرافة بمكان أن تكون القصة القصيرة جداً مادة لكتابة هذا الجنس الأدبي، فقد وردت قصص في هذا الكتاب تدور حول كتابة هذه القصة كما في قصة "على هامش عرس القصة القصيرة جداً، وقصة "أحلام" للدكتور جمال الطحان، وكما في قصة "أقدام قصة قصيرة جداً" للدكتور أحمد جاسم الحسين، وكما في قصة "أمسية قصصية" للقاص محمود محمد أسد.‏

هذه ملامح عامة للقصة القصيرة جداً، يمكن أن تساهم في وضع معالم فنية لكتابة هذا الجنس، لأنها مستخلصة من أكثر من مئة قصة لأدباء من مختلف التوجهات والمستويات الأدبية والثقافية.‏

ولعل هذا الكتاب يكون مرجعاً لكل من يريد أن يقدّم دراسة نقدية للقصة القصيرة جداً لما فيه من عدد وفير من هذا الفن القصصي الجديد، ولو أراد الدارس أو الناقد أن يجمعها مع ترجمة لكتابها لصعب عليه ذلك لذا يعد عمل الأديب أحمد دوغان عملاً هاماً فقد قدّم فيه مجموعة كبيرة طيبة من هذا الفن يستفيد منها كل طالب للقصة القصيرة جداً، سواء كان قارئاً أو ناقداً أو مطلعاً عليها أو على كُتابها، فله جزيل الشكر من القراء عامة ومن الأدباء خاصة....‏

-------
نقلاً عن جريدة الأسبوع الأدبي



 



أضف تعليقا