عندما كان القطار يعبر قنطرة نهر أبي رقراق تهادت إلى مسامعي النوتات المنسابة لمقطوعات نصير الشمة المشبعة بجريان دجلة والفرات، وكل هذا العبق التاريخي الذي يصبّون عليه نار حقدهم، وحنّت مسامعي إلى شعر شاعر لا أحد يجادل في عمق وأصالة ما يبدع، فالليلة حفل تتويج الشاعر العربي الكبير "سعدي يوسف" بالأركانة.
بيت يبحث عن عالميته، ويغبن قاطني هذا البيت. مهووسون دائما نحن بالسبق واعتراف الآخر بنا، ومن ينصف ويعترف بشعرائنا ؟ من يدفئ أوصالهم وشرايينهم بقطرة زيت أصيلة من الشجرة إيّاها ؟
النسيم العليل نفسه ظل يحنو علينا والقطار يشق حقول الغرب ليودعنا المدينة (مشرع بلقصيري) التي أصبحت مهجع القصة القصيرة ومكانها الظليل، أكثر من أي مكان آخر. الأجمل في هذا الوطن أنه يفرد أحضانه لنا جميعا، لنحتفل في اللحظة نفسها، كلّ وهوسه وديدنه. وجمعية النجم الأحمر، تزامنَ حفل توزيعها لجائزة أحمد بوزفور للقصة القصيرة مع حفل توزيع جائزة الأركانة للشعر، وهذا فيه ما فيه من تأصيل وحب ووفاء بوعد، كل ذلك بإمكانيات شخصية، يعضضها هذا العشق الكبير. فمقر الجمعية رغم انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة كلها، ظل نوره متوهجا حتى الصباح ودافئا بالحضور الباذخ لأسر أعضاء الجمعية الذين طوقونا بكرمهم الحاتمي.
الأرقى هو هذه الحميمية التي تنسج خيوط مودتها بين كل أعضاء المكتب المسير وأسرهم والضيوف، فشكرا لهذا الدفء الأخوي، شكرا لهذا الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات بالدقة المطلوبة، للذين اقتطعوا من وقتهم ومن حميميتهم الشيء الكثير، شكرا للذين أفردوا لنا مساحة للحلم والفرح بجنس كتابي نعشقه بصدق، وهاهم يزكون ويشجعون فينا هذا العشق.
للمكان قدرة خفية وقوية على الجذب، هناك دائما أمكنة تمارس عليك سطوتها لاستدراجك كلما عنّ لها ذلك، ويمكن القول أن بلقصيري يدخل في هذه التجويفة العميقة من أمكنة الجذب، لشيء بسيط، هو تمكينه لنا من تحقيق توازن مفترض، وللُحمته الرحمية بأشخاص نأنس بهم ونسعد بالجلوس إليهم. لا يمكن تخيّل بلقصيري بدون جمعية النجم الأحمر على الأقل بالنسبة إليّ.
أحترم كثيرا حامل اسم هذه الجائزة فمن جرّب الجلوس والاستمتاع بعمق كاتب كونيّ في حجم أحمد بوزفور لا محالة يعشقه ويعشق كتبه، ويترصّد كل فرصة للجلوس إليه.
أمر هذه الجائزة إذن متشابك مابين مكانٍ واسمٍ حامل؛ زواج ثقافي باذخ سيثمر شجرة أحلام كبيرة تحتاج إلى رعاية، وأنا متأكد أن هذه الألفة من الوجوه والقلوب لن تبخل عليها.
Chikre.ahmed@yahoo.fr









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية