الـشُّعـراء أكثر فتنة بالماء
رســالــة إلى الشاعر رشـيـد الخديري
صديقي الشاعر رشيد
تحية مائية من عمق الصحراء وبعد:
قبل فتح بريدي الإلكتروني كنت رفقة المبدع صديقنا أحمد هربولي الذي كان في ضيافتي طيلة هذا المساء، تقاسمنا أحاديث عدة: متاعب مهنة التدريس، الرغبة في تغيير مناخ طاطا بعد ثلاث سنوات من المنفى السحيق، مغامراتنا الجنسية، التطلع إلى بيت الزوجية واحتمالات الفشل، الرغبة في تغيير الإطار بداية السنة القادمة... وأشياء أخرى.
توادعنا، وبينما أعبر زقاقا طاطاويا تراءى لي مقهى للأنترنيت، قلت لنفسي لأذهب إليه بغية تصفح بريدي الإلكتروني لعله قد أتي لي – كعادته- برسائل ما، فتحته، مررت بسرعة البرق على رسائل لا أفتحها، لأنها من أشخاص مجهولين يمارسون فوضاهم على بريدي، استوقفتني رسالتك، من عنوانها – رسالة عاجلة إلى صديق – انتابتني أحاسيس متضاربة أقرب إلى الخوف والتوجس.
رشيد ، بلا شك، تدرك مقدار الحب الروحي الذي أكنه لك، دوما تحملك أحاديثي لأشخاص لا يعرفونك، فيأخذهم التعاطف بلا جوازات معك، ديوانك الأخير* خارج التعاليم ملهاة الكائن* هو دليل نفاذك إلى ذاكرتهم، بل وذاكرتنا مهما باعدت بيننا جغرافية الوطن، ودليل على ميزتك وفرادة تجربتك الشعرية، يقينا لن يستطع القدر إطفاء شعاع ضيائك الآتي من حجم المعاناة، أعرف أن لا ذنب لك فيما يحدث، ذنبك أنك شفاف كالماء مثلي، لا تهادن، ولا تبحث عن تلميع اسمك عبر صداقات غير حقيقية، ذنبك أنك اخترت نهر الأعماق مهنة، وشغفت بعطر هيلين، وآمنت بعزلة الهامش، ذنبك الأوحد هو قدرك الذي نتقاسمه معك، لكنني أقف عند هذا الحد.
أعرف أن الحياة ابنة زنى، وآمراة تجيد الرقص على أوتار ساذجة ، لذلك أدارت لك ظهرها، ولم تسلمك ماء أحلامك، وحيدا تركتك تسابق ريح السراب والاحتمال، لكن ما عسانا نفعل؟ القدر أكبر منا جميعا، وحينما نتمسك بالقصيدة فلأنها ملاذنا الآمن لما تستبد بنا عتمة الزمان،
وعبثية المكان،هي وحدها التي تمنحنا دفء الحياة، مهما بدت هذه الأخيرة حريصة على ارتداء برقع تنكرها، ميالة إلى روتينيتها الصماء.
ومع ذلك يجب أن نستشعر ضررورة الإصرار على البقاء، وأن لا نستسلم لجيوش الحياة المتنكرين، تحقيقا لوجودنا الفعلي والرمزي، فالشعراء أكثر الناس فتنة بالماء، الماء الذي منه نستمد فعل انكتابنا، ومقاومتنا، ووجودنا، وتميزنا.
صدقني أنا في لحظة أكاد أختنق فيها من شدة وقع ما وصلني من سطورك، التي تثبت لي أنك شاعر حقيقي في تربة الشعر المغربي بعيدا عن أي تزكية مفتعلة لأنك أكبر منها، وتثبت لي أيضا أنك من طينة قدرها أن تعاني صدود الحياة، وتنكر أصداء الشعر في صمت ، بينما نقف نحن عاجزين عن صنع خيارتها، فقط لأن القدر أقوى من أحلامنا وتطلعاتنا.
أتمنى أن تواصل الحفر في ذاتك، ممتطيا صهوة ديوانيك الجميلين*حدائق زارا* و* خارج التعاليم ملهاة الكائن*، وليكن الآتي سراجا يبدد أفقك المعتم أمطار، لا أشك، في أنها تشق طريقها نحو عوالمك الشاسعة.
في انتظار أن ألتقيك بالدار البيضاء، لنتقاسم الفناجين ذاتها التي لطالما وحدتنا، دامت لك صداقة القصيدة، ولتذهب الحياة إلى الجحيم، لا تنس الشعر قنديل يضيء وجودنا، ومشكاة اختراق تواطؤات العالم، وإذانة شروذ الحواس، وتنكر الأوصياء على الكتابة في هذا البلد.
محبة لا تشيخ
صديقك عبد الهادي روضي
طاطا: 03 نونبر 2009
11h30 ليلا









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية