المظلة

إبداع ونقد

نصان قصصيان للمصطفى الدقاري

ثقب...
 المصطفى الدقاري
 
واحة بني... تبينت اللوحة المعدنية جيدا، عرفت ان رحلتي قد انتهت. لا يمكن القول إن معاناتي قد انتهت، لأني صراحة ورغم صعوبة المسلك المؤدي إلى الواحة كنت اشعر بفرحة طفل وأنا مقبل على زيارة منطقة تحدثت عنها كل أمهات الكتب. وبكثرة ما قرأت في تلك الكتب عن الواحة تشكلت في خيالي صورة لها. عرفت أهلها، كل أهلها، حتى الذين رحلوا، فشكلت لكل واحد منهم صورة. أما المسجد، أقدم معالمها، فأكاد أجزم أني أعرفه إلى درجة تجعلني أرسم تصميمه. أما نخيلها فلا أستطيع معرفة عدده، لكني أعرف أي تمور هي غلاله، حدثتني تلك تلك الكتب والناس عن صيت تلك التمور، وكيف يتهافت عليها التجار الذين يتحملون مشاق قطع المسافات من أجلها. الباساتين، أجزم أني أعرف أنواع أشجارها المثمرة، من كروم وأشجار الرمان والزيتون والتين والبرتقال وغيرها، وأذكر جيدا العداء التاريخي بين سكان الواحة وشجرة الصبار، وكيف اقتلعوا كل أشجارها لا لشيء سوى لأنها أشجار بخيلة، تعطب أشواكها الراغب في التقاط فاكهتها، وهو ما رآه أحد شيوخ الواحة قضية تتعارض مع كرم الواحة... عرفتني الكتب بعيونها التي جعلت الماء العذب يصل كل بيت وكل شجرة في الواحة، كانت المياه ملكا للجميع، للبشر والحيوان والشجر، وكانت على مر التاريخ محط أطماع الآخرين الذين كانوا يغيرون على الواحة، لكنها بفضل رجالها الأسود تمكنت من الصمود والحياة الكريمة...
ها أنا وصلت هذه الواحة الهادئة والهادرة حسب الزمن. لي رغبة شديدة في شم نفح التاريخ، لحسن حظي أن الليل لم يرخ ستائره بعد، بإمكاني استغلال ما تبقى من ضوء النهار والتجول واكتشاف الواحة حقيقة، أو ربما لقاء فقيهها الذي وصلني صيته وخاصة صيت خزانته، أقصد خزانة الواحة، الحافلة بعدد كبير من المخطوطات. من يدري قد أعثر على أحد الكنوز التاريخية ضمن تلك المخطوطات. بدأت أحضر في ذهني كيف سيكون اللقاء مع الفقيه، ماذا سأقول له؟ كيف أكسب وده وثقته؟ عمني شيء من الأسف والأسى عندما تبين لي أنني لم أحمل له معي أية هدية، خاصة وأني أعرف ولع ووله الفقهاء القيمين على المساجد في المناطق النائية بالهدايا. لكن ماذا لو أوصد كل الأبواب في وجهين ولم يعرني اهتماما؟ من الأحسن أن أبدأ بزيارة أحد أقرباء صديقي ابن الواحة. سيتكفل بالفقيه، سيقدمني إليه على طريقته ، هكذا إذن هو مجتمعنا، تحتاج إلى واسطة، حتى لو تعلق الأمر بفقيه قرية أو واحة...
أيقظني من تهيؤاتي منبه قوي. فتحت باب سيارتي وخرجت لأستطلع الأمر. كانت شاحنة صهريج متوقفة خلفي، يبدو أن توقفي في وسط الطريق قد منعها من المرور. توجهت نحو السائق وسألته عن الواحة وهل هي فعلا واحة بني....رد مبتسما بأني إذا لم أتحرك فلن يصل أي منا إلى الواحة، قبل أن أعود إلى سيارتي، سألته عن وجهته بالضبط، فأجابني بأنه يحمل صهريج ماء إلى إحدى عائلات الواحة. عندها عدت إليه وسألت:
ومن أين تجلب الماء؟
أجاب والاستغراب ربما من سؤالي يقطر من عينيه:
من بئر يبعد بحوالي 80 كيلومتر.
لم أصدق ما سمعته، فسألت:
وماذا حل بعيون الواحة؟
رد بعدم اهتمام:
العيون؟ لقد رحلت مع أصحابها...
أردت أن أسأله عن البساتين وأشجار النخيل والفقيه وخزانته لكنه قاطعني :
بالله عليك دعني أمر، لا أريد أن يفاجئني الظلام في هذه المنطقة اللعينة....
بايون 28/10/2009
 
 
 
لذة معاناة
منذ مدة لم أشعر بهذا العطش الذي أشعر به الآن. أحس بالعطش يجتاحني، يشل تفكيري، وخاصة أثناء النوم، أحاول الانشغال عنه بتخيل حدث أو أحداث جميلة عشتها. لا أجد أجمل من ذكرياتي مع غزالات بشرية لامست خيوط قدرهن قدري. أنتقي واحدة منهن، وأعمل جاهدا على استحضار جميل اللحظات معها..رغم أن ذلك الاستحضار يسبب لي ألما آخر. ألم الذكرى. لكن عل ألم الذكرى يذيب عذاب الم هذا الظمأ.ألا يقولون إن النيران القوية لا تطفئها سوى نيران أقوى! أعمل بكل جدية على استحضار بعض الصور. لكن وحده العطش القاتل يداهمني. يتسلل إلى كل شراييني. يجف حلقي وتخور قواي. لا مناص من مغادرة فراشي ومواجهة مصيري. في مثل هذا الموقف تتحول المسافة بين غرفتي والمطبخ إلى أميال، خاصة عندما أغالب دوختي وفشل ركبتي ومقاومتي للظلام، فلا مجال لإشعال الضوء. لا أريد للعنة الأرق أن تضاعف معاناتي مع هذا العطش اللعين...وعوض أن أستحضر صور غزلاني تداهمني صورة قنينة الماء القابعة داخل الثلاجة، ألتقطها بتثاقل وأعب ...أعب...حتى أفرغها ...أطمئن للحظات، أحس أثناءها بالارتواء. لكن سرعان ما يعاودني الاحساس الرهيب بالعطش وبشكل أقوى من الأول، فأقفز من نومي خاصة عندما أدرك أني كنت غائبا في حلم كاذب. جسمي يتصبب عرقا. كم تخيفني هذه الأحلام! رغم أني تخطيت الخمسين خريفا إلا أن هذه الأحلام تفزعني، تفقدني هيبتي وتجعلني في حيرة من أمري..نعم إنها تخيفني. تذكرني بطفولتي بكل مراحلها..أريد أن أقول تذكرني بأهوال طفولتي. في تلك الليالي الشتوية الباردة وكلما تجاوز الليل منتصفه، أحس بها أسفل بطني، في البدء يكون مجرد حرق بسيط، بعدها يتضاعف، فيوقظني ، لكن البرد والظلام يمنعاني من مغادرة فراشي.. أحس بما تحت بطني يتضخم ويتضخم حتى أكاد أنفجر وكأنني أضع في أحشائي حجرا ساخنا يؤلمني بثقله وحرارته...وعندما يبلغ الألم أشده، أتسلل بخفة وأجدني داخل المرحاض، وقد أخرج خارج البيت، لا يهم في مثل هذه الحالات المكان، ما يهم هو التخلص من حجري الثقيل والساخن، بسرعة أتخلص من حملي، أحس للحظات براحة لا مثيل لها.. لكن سرعان ما يشتد علي البرد..فيزداد ألمي العضوي بألم الإحباط عندما أكتشف أني لازلت في فراشي، وأنه يجب على مواجهة تقريع أمي وسخرية إخوتي...مع مرور الأيام بدأ عود حيلتي يتقوى، ما ان أشعر بتلك الرغبة اللعينة تثقل أسفل بطني، وأجدني مستيقظا حتى أباغث وجهي بيدي اليمنى بصفعتين قويتين على ..وعندما أشعر بالألم أقصد المرحاض، وهناك قد أصب على رأسي بعض الماء لأتأكد من استيقاظي الفعلي..والنتيجة أن أمي أصبحت راضية عني، إلا أني لم أستطع التخلص من عادة صفع وجهي، والمصيبة هي أني تزوجت كجميع الناس، وبعض مضي سنة على زواجنا وجدت نفسي أمام القاضي الذي كانت كلمته الأخيرة:
ـ سبب التطليق أعراض جنون قد تشكل خطرا على الزوجة...
يومها بكيت. عانقتني أمي قائلة:
ـ سأزوجك سيدتها!
لكني لم أتزوج بعدها لا سيدة ولا أمة...
لازال العطش ممسكا بتلابيبي. قفزت من فراشي. صفعتان كانتا كافيتين لتذكيري بأنه منذ تأكد إصابتي بالسكري اشتريت ثلاجة صغيرة ووضعتها في غرفتي...
بايون 30/10/2009
 


أضف تعليقا