عبد الغني فوزي
بدون أي تحديد أكاديمي للثقافة، تبدو هذه الأخيرة معبرة عن المجتمع المتعدد، بتعدد أشكال الفنون والمعرفة والتعبيرات الإنسانية على أشكالها ضمن رقعة ما
. وهو ما يقتضي الوعي بالظواهر بين التطور والنسبية؛ وربط القيم الثقافية إلى الوقائع في المكان والزمان. لأن المعطيات ليست ثابتة ، بل مندغمة بالتحرك الإنساني على علاته وأهدافه .وحين نستحضر الثقافة الشعبية
( كوجه أساس للهويات الثقافية في تخلقها الداخلي)، تبدو كمسألة تثير الاختلاف لكنه يصل أحيانا إلى حد الانغلاق والمحلية الإقليمية. تبدو معه الثقافة الشعبية مسخرة أو مبرمجة. فتتحول في هذه الوضعية الحمولة المتمظهرة إلى شعار مقحم في صراعات دون قيمها العقلانية وأبعادها الإنسانية.تعتبر الثقافة الشعبية في بعدها الشفوي والبصري جزءا، يلتقي ويتقاطع مع الثقافة بمعناها العام، وبقية النشاط الإنساني
. لذا لا ينبغي إضفاء صفة " الشعبية " على نوع من الأنشطة دون أخرى أو ثقافة دون غيرها. وغير خاف هنا، أن تصورات وممارسات ظلت لصيقة بالثقافة الشعبية كوعاء غافل مثقل بالشهوة النابحة والمعرفة غير العقلانية. ولا شك أن للتضخم الثقافي دخل في ذلك ، من خلال الفلكلور الاستهلاكي وبهرجة المواسم : أشكال فرجوية تقرن هذا الفعل الثقافي بهز البطن والأرداف ، كأن لكل جهة هزة بطنها . الشيء الذي لا يدعو للالتفات واستيعاب تعدد الوحدة .وغير خاف ، أن الذاكرة الشعبية تطوي على أشكال من الفرجة والتعبير الشفوي المتجسد في الحلقة واعبيدات الرمى
.. وكلها أشكال من التعبير تنبني على العجائبي والتشخيص وقوة البيان بكيفيات لغوية وتخييلية ، مفتوحة على اليومي وتشعبات المحرم والمسكوت عنه . وبالتالي إنتاج فرجة تلقائية فاضحة للإختلالات في المعيش أساسا . كأن هذه الثقافة في مواجهة محمومة لمفارقات الواقع والحياة . فكثيرة هي الإشارات والرموز و " العيوط " التي تصفع أو تعانق بقوة عضوية تسند الجسد في كل شيء . وهي تركة يمكن استثمارها في إبداعنا ، لعل ذلك يغني العمق ويغني عن إقحام مرجعيات بعيدة عن التربة والأفق . ها أنا أدعوك عزيزي للتأمل معي في بعض النتف المحبوكة والمصقولة:ـ تقول إحداهن
:هي بعدا حاضيا البحر ليرحلـ وتقول إحدى المسرحيات على رأسها
" العيطة عليك ..ـ وأقول مع هذا الجرس
: مدا عيطت واش ت ميتكيف يمكن استثمار هذه التركة ، السارية على الألسن ، ضمن مشاريع فكرية جماعية دون التشبث بالتمايزات والأزواج الفكرية
: شعبية ـ عالمة ، تلقائية ـ درامية ، لغةـ لهجة ، حلقة ـ مسرح ...التي تزيد من الهوة بين الشفوي والمكتوب . وعليه فالثقافة الشعبية لا تعتبر درجا للولوج لذاك الثقافي النظيف ؛ بل رافدا حميميا ملتصقا بنا كمكون أساسي من مظاهر الهوية غير المحنطة . وهو ما يثبت أن الشعب روح، وليس كتلة للجمع واللف.. وإن تعددت الكتل الصورية. فبئس المصير .ومن جهة أخرى ، فالاحتكاك الثقافي ، على أرضية حوار متكافئ ؛ يقتضي الوعي بالهويات الثقافية التي تحمل تخلقها الداخلي وعناصر تميزها
. وبالتالي، فكل هوية تحيى على تعدد بين عدة أنوية فردية وجماعية. ابتداء من الفرد إلى الجماعة ، إلى الوطن...وهو ما يثبت أن الهوية عدة مستويات متداخلة كما يذهب المفكر محمد عابد الجابري . وتكون الثقافة الشعبية في هذا السياق ، بمثابة ملامح أساسية لتلك الهويات، ملامح يمكن ربطها بالعطاءات المعرفية الأخرى ، لبناء جدليات على حس دقيق بالمكان والزمان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورقة العمود الأسبوعي
( أجراس ) في المنعطف الثقافي








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية