المظلة

إبداع ونقد

'بحر الظلمات' لمحمد الدغمومي: رواية ظلمها النشرُ ولم ينصفها النقد

'بحر الظلمات' لمحمد الدغمومي: رواية ظلمها النشرُ ولم ينصفها النقد
د. مصطفى العبدلاوي
عن القدس العربي

كتبت رواية 'بحر الظلمات'،(1) بشكل متقطع، في سنوات النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن الماضي، وتحديداً بين سنتي 1975 و1980. والتدقيق الزمني هنا مستقى من شهادة شخصية مباشرة من المؤلف. ويكتسي تحديد زمن الكتابة أهميته عندما يقارن بتاريخ النشر المثبت على صفحات الرواية. فالرواية لم تنشر إلا سنة 1993. فكيف يمكن قراءةُ تلك الفترة الفاصلة بين التاريخين؟ هل أثرت على تلقي الرواية لدى جمهور القراء؟ هل كان لذلك التأخر الزمني في النشر تأثيرٌ في تقويم مكانة الرواية في سياق تاريخ الرواية المغربية؟
وقبل الخوض في الإجابة على تلك الأسئلة، وهي إجابة تحتاج إلى تحليل واستدلال، لابد أن أبيِّن، بدايةً، مشروعية الأسئلة المطروحة لأنها تندرج في ما يمكن تسميتُهُ بِـ'تاريخ قراءة العمل الأدبي أو تاريخِ تلقيه'؛ فالعمل الأدبي ينتج من تمازجٍ أو تلاقٍ بين النص من جهة، وعملية التلقي من جهةٍ ثانية. ويشكل، من ثَمَّ بنيةً دينامية لا يمكن مقاربتها إلا من خلال تحققاتها التاريخية المتعاقبة. وهكذا يمكن التمييز بين فعل العمل الأدبي، أي الوقع أو التأثير الذي ينتجه، وبين تلقي ذلك العمل. فالوقع أو التأثيرُ يحدده النص، بينما التلقي فعلٌ يضطلع به المرسَل إليه أي القارئ.(2) أو لِنَقُل بتعبير 'ميخائيل باختين': إن العمل الأدبي تفاعلٌ ديناميٌّ متبادَل بين النص ومتلقيه. وتتحقق عمليةُ التلقي بوساطة أسئلة ضمنية يطرحها القارئ وينتظر إجاباتها من العمل الأدبي. وتختلف تلك الأسئلة باختلاف الفترات التاريخية لأن أفق انتظار القارئ، أو القراء، ليس ثابتاً، بل يتغير ويتلون بفعل عوامل متعددة، يرجع بعضها إلى المجال الأدبي وترتبط بخصوصيات الجنس والنوع الأدبيين، ويرجع بعضها الآخر إلى البعد الاجتماعي واللحظة التاريخية، بينما قد ينتمي بعضها الآخر إلى السؤال الأنطولوجي الوجودي.
وبناءً على هذا التصور يمكن الجزم بأن رواية 'بحر الظلمات' لو لم يتأخر نشرها إلى منتصف التسعينيات، ونُشِرت زمنَ كتابتها، أي أواخر السبعينيات لكان لها وقعٌ مختلفٌ إبان صدورها ولاكتست مكانةً متميِّزةً في تاريخ الرواية المغربية وسيرورتها، لأن تلقيها حينئذ كان سيتشكل وفق توجيه أسئلة تختلف عن الأسئلة التي يطرحها تلقي الرواية اليوم أو إبان نشرها وصدور طبعتها الأولى. وأستند في هذا الرأي إلى تحليلٍ يراعي من جهة واقعَ الرواية المغربية منتصف السبعينيات وطبيعةَ الأسئلة الاجتماعية والجمالية والإنسانية التي كانت تُشكِّل أفق انتظار المتلقي في تلك الفترة الزمنية، ومن جهةٍ ثانية يستقرئ منجزَ رواية 'بحر الظلمات' في تفاعله مع ذلك الواقع وتلك الأسئلة.
فبالنسبة إلى واقع الرواية المغربية قبل 1979 يمكن تسجيل ما يلي:
- على مستوى الكم لم يتعدَّ المنجَز النصي ستّاً وثلاثين رواية، ويغطي هذا الكم الضئيل تاريخ الرواية المغربية منذ نصوصها الأولى المختَلَفِ حول مدى ريادتها ومشروعيةِ انتمائها إلى الجنس الروائي بما في ذلك 'الزاوية' للتهامي الوزاني الصادرة سنة1942، و'وزير غرناطة' لعبد الهادي بوطالب الصادرة عام 1950، و'في الطفولة' لعبد المجيد بن جلون سنة 1956.
- أما على مستوى الصياغة الفنية والقيمة الجمالية فيمكن التمييز داخل ذلك المنجز الروائي بين ثلاثة أنماط من الروايات:
أ- أعمال يمكن اعتبارها الإرهاصاتِ الأولى لفن الرواية، لكنها لم تستكمل بعد أدوات الفن الروائي وشروطَهُ وبناءه، وهي أقرب في كل ذلك إلى السيرة منها إلى الرواية الفنية. نذكر منها 'الزاوية'، و'وزير غرناطة' و'في الطفولة' وغيرَهَا.
ب- رواياتٌ واقعيةٌ كلاسيكية وضعت أسس الرواية المغربية وأرست دعائمها، استطاع أصحابُها أن يستوعبوا مكونات فن الرواية وأن يتمثلوه في أعمالهم بصيغٍ متفاوتةِ التوفيق والإبداع. ويمكن التمثيل لهذا النمط من الروايات بأعمال عبد الكريم غلاب ('سبعة أبواب' و'دفنا الماضي' و'المعلم عليّ')، وروايات مبارك ربيع ('الطيبون' و'رفقة السلاح والقمر' و'الريح الشتوية').
ج- نمط ثالثٌ ارتمت رواياته في تيار التجريب القائم على هدم مكونات الرواية الكلاسيكية يحدوها طموح إلى استلهام أساليب الرواية الجديدة أو اللاَّرواية في أوروبا. وكانت المفارقة، التي قصمت ظهر تلك الروايات وخلقت هوةً سحيقة بينها وبين المتلقي المغربي، كونها سعت إلى نقض أسس الرواية التقليدية في البناء والتصوير في حين لم تكن تقاليد الرواية الكلاسيكية قد نضجت بعدُ واستوت إن على مستوى الإبداع أو التلقي. ويمكن التمثيل لروايات هذا النمط بأعمال أحمد المديني (زمن بين الولادة والحلم)، ومحمد عز الدين التازي (أبراج المدينة)، وسعيد علوش ('حاجز الثلج'-'إملشيل').
د- أما النمط الرابع فتمثله أعمال روائية متميزة، لكنها قليلة جدّاً، استطاعت أن تخلق نوعاً من التوازن بين الحاجة إلى التجديد واقتحام عوالم روائية جديدة وعدم القطيعة مع المتلقي واللحظة التاريخية والاجتماعية. وتنحصر نماذج هذا النمط في أعمال عبد الله العروي('الغربة' و'اليتيم')، ومحمد زفزاف ('المرأة والوردة' و'أرصفة وجدران' و'قبور في الماء').
وأما المنجز الروائي المغربي في عَقدي الثمانينيات والتسعينيات فقد تميز، بالإضافة إلى الطفرة النسبية التي تحققت على مستوى الكم، بسعيه إلى خلق دينامية جديدة في الكتابة الروائية يمكن حصرها في محورين:
- أولاً: حققت الرواية المغربية الثمانينية والتسعينية تجديداً وتطوراً على مستوى الثيمات والدلالات والمعاني. وتجلى ذلك في:
أ- الخوض في قضايا جديدة ترصد علاقة الذات بنفسها وبالمجتمع وبالعالم.
ب- اقتحامُ العديد من الطابوات كالجنس وانتقادِ السلطة والإيديولوجيا وتعريةِ أوهام مراحل سابقة.
ج- الانفتاح على مضامين وثيمات جديدة كالوحدانية والهوية والاغتراب والفقدان والهجرة والغرب والسجن والجنس...إلخ
- ثانياً: يتجلى التجديد كذلك في التنويع في طرائق الكتابة والسرد وذلك من خلال تحقق العناصر الآتية أو الطموح إلى تحقيقها:
أ- توظيف العديد من الأساليب والتقنيات الجديدة.
ب- الاهتمام باللغة وشعرنتها.
ج- تشغيل الرواية للتعدد الصوتي واللغوي.
د- توظيف الحلم والمفارقة والسخرية والتناص والانشطار.
ه- تعدد المحافل السردية داخل النص الواحد، ومحاورة الرواية لذاتها.
و- استلهام العديد من المكونات والانفتاح على طاقاتها التعبيرية والتصويرية كالعجائبي والأسطوري والخرافي والتراثي والمحكي الشعبي والسير- ذاتي والفلسفي والتاريخي من منظوراتٍ مغايرة.(3).
عندما نقرأ رواية 'بحر الظلمات' ونقوِّمُها في ضوء معايير التجديد المذكورة أعلاه نستطيع أن نجزم بأنها تنتمي، بجدارة، إلى تلك الأعمال القليلة الرائدة التي كانت بمثابة الجسر الذي سلكته روايات الثمانينيات والتسعينيات. لقد حققت رواية' بحر الظلمات' تجديداً على مستوى الثيمات والموضوعات، حيث لم يعد الكاتب يستمد موضوعاته من المدونة الاجتماعية والفكرية ذاتها التي اعتمدتها الرواية الواقعية التقليدية؛ فقد تجاوزت موضوعاتِ الاستعمار والحركةِ الوطنية والمقاومةِ والهجرةِ من البادية إلى المدينة لتفتح آفاقَهَا على موضوعات جديدة تمثلت أساساً في الوحدة، والضجر والغثيان، والغربة، والجنس، ونقد استبداد السلطة وأداء الأحزاب على حد سواء، وكشف القناع عن كثير من أوهام المرحلة التاريخية وشعاراتها الزائفة. بيد أن أهم تجديد حققته 'بحر الظلمات' في هذا المجال تمثل، من وجهة نظري، في تلك القطيعة التي أحدثتها، على مستوى الكتابة، مع اللهجة أو النغمة الوثوقية والتبشيرية التي ميزت الرواية الواقعية التقليدية حيث كان الكاتب يقسم عالمه الروائي إلى محورين متناقضين: محور الخير ومحور الشر، الاستعمار والمقاومة، التخلف والتقدم، الجهل والعلم،..إلخ متقمصاً دور الواعظ والمصلح الاجتماعي والمناضل الوطني. أما 'بحر الظلمات' فتسود في أساليبها التصويرية سخريةٌ عميقةٌ ترُجُّ كل المسَلَّمات وتدفع بالمتلقي إلى ممارسة نقدٍ متواصل أثناء عملية القراءة وإعادة النظر في تشكل الأحداث والشخصيات والأفكار. وتتعدد مستويات السخرية في نص الرواية من سخرية ضمنية تقف خلف تصوير الأحداث والشخصيات إلى سخرية معلَنةٍ جارحةٍ تعتمد أساليب التصوير الكاريكاتوري، إلى سخرية تلبس قناع التهجين اللغوي والباروديا.
أما بالنسبة إلى طرائق الكتابة والسرد فقد تحققت في رواية 'بحر الظلمات' جل التقنيات الجديدةِ المشارِ إليها أعلاه؛ حيث استطاع المؤلف أن يخلق، بشكل موفَّقٍ، منذ أول سطر في الرواية، تداخلاً بين الحلم والواقع، كما استغل البعد الأسطوري، المستوحى من ميثولوجيات قديمة أو مختلقة، في إضاءة الواقعي واليومي، وامتزج الحاضر في ذهن البطل بماضيه بصورة محبوكة ومدروسة، وتعددت في النص ضمائر السرد، بل يحضر في النص كذلك سؤال الكتابة وتفكير في معناها وجدواها.
إن تأمل منجز رواية 'بحر الظلمات' في ضوء سياق سيرورة الرواية المغربية وتطورِها يؤكد انتماءَ هذه الروايةِ إلى تلك الأعمالِ الروائيةِ الرائدةِ التي استطاعت أن تجدد أدواتِهَا وتفتحَ آفاقَ الرواية المغربية وتَلَقِّيها على عوالم َجديدةٍ وأساليبَ مغايرة في البناء والتصوير. لكنَّ تأخرَّ نشرها إلى أواسط التسعينيات جعلها تفقد مكانتها المستحقَّةَ في تاريخ الرواية المغربية، غير أن ذلك التأخير لم يُفقدها قيمتها الفنية والإنسانية وقدرتَها على الإمتاع والإقناع.


الإحالات :
1 محمد الدغمومي، بحر الظلمات، مكتبة الأمة، الدار البيضاء، 1993.
2 ذ H.R. Jau, Pour une esth'tique de la r'ception, Ed Tel Gallimard,1990, p246.
3 ذ . :1942-1999 2000 15-16.


أضف تعليقا