|
حتى لا نهتف باسم هتلر! عبد الرحيم الخصار عن القدس العربي ![]() |
|
تحتاج الثقافة المغربية اليوم إلى تجديد، إلى ضخ دماء أخرى في جسدها من أجل أن يعيش هذا الجسد أطول عهد ممكن بصحة جيدة، تحتاج إلى أشكال متجددة تجعلها أكثر تداولا، لا يجب أن يبقى الحوار ضيقا وداخليا، ثقافتنا اليوم بحاجة إلى أن تقف الكتف الكتف بجنب ثقافات أخرى، لا أن تظل ثقافة هواة تتعقب خطى ثقافة احتراف في قارت أخرى. تحتاج النصوص المغربية اليوم أن تقرا في مختلف اللغات، وأن تكون الترجمة عمل مؤسسات لا أفراد، ومادمنا نعيش في دولة تفتقد إلى مؤسسات ثقافية تراهن فعلا على الثقافة، فسيظل كل كتاب في وجاره. كم من كتاب مغربي ترجم إلى الروسية أو الهولندية أو الألمانية وغيرها من لغات العالم؟ هل الأدب المغربي مقروء في آسيا وأمريكا واستراليا؟ هل يعرف اليابانيون والصينيون وأهل الهند وأفارقة الوسط والجنوب شعراءنا وكتابنا؟ نحن كقراء نتباهى بمعرفة شعراء غواتيمالا وروائيي نيكاراغوا وشاعرات أفغانستان، لكن هل يعرف قراء هذه البلدان وغيرها كتابنا وشعراءنا نحن؟ لذلك يجب أن نكف عن وصف كل كاتب منا تعرفه بعض الأوساط الفرنسية بكونه 'كاتبا عالميا'، الكاتب العالمي هو الذي يعرفه جل قراء العالم وهو الذي يطبع ملايين النسخ من كتبه. إننا حين نشكو من غياب مؤسسات ثقافية حقيقية في هذا البلد، فليس ذلك حبا في الشكوى، يجب أن نعرف قدرنا، هذه هي الحقيقة المرة، ليست لدينا استرتيجية ثقافية حقيقية، و إذا كان هناك من نجاح أو تألق للثقافة المغربية ولو على حدود ضيقة فمرده دائما إلى الأفراد لا إلى المؤسسات. هذه الدولة ليست دولة ثقافة، بدليل أنها تدير الظهر دائما للفكر الجاد وتحتفي بالتسطح والرداءة، إن وزارة الثقافة مثلا تبدو كما لو أنها ملحقة صغيرة بوزارة السياحة، همها أن تجمع فرق الفلكلور وتقدمها للسائح على أنها النموذج الأنسب لوعينا الثقافي، نحن لسنا ضد الفن، لكن من العيب أن نكون نحن أول من يتجنى على ثقافتنا وعلى فكرنا، هذا البلاد أنتجت عقولا ومبدعين من عيار وازن، هذه البلاد تجر خلفها تاريخا من الوعي والإبداع، ويكفي أن نستعيد الشعر الأمازيغي العظيم الذي تغنت به الجبال والوديان قبل عشرات القرون، هذه البلاد تستحق أن نحبها وأن نحتفي بثقافتها. قد تملك وزارة الثقافة حسن النية، لكنها تتسم في الآن ذاته بسوء التدبير، أما وزارات الإعلام والتعليم والسياحة فيبدو أنها تضمر سوء النية إزاء الثقافة المغربية، ذلك أنها غير معنية على الإطلاق بهذا الشأن. على الوزارة المعنية أن تفكر بشكل جدي في خلق وسائل حقيقة لتداول الثقافة المغربية، وأن تفكر في خلق ورشة شاسعة للترجمة من العربية وإليها، إن المشروع القومي للترجمة في مصر قد تجاوز ألف عنوان، ترى كم كتابا ترجمت وزارة الثقافة؟ على وزارة الثقافة أن تطالب بحقها في التلفزيون وأن تفهم أن الإعلام يوجد أيضا لنشر الفكر والوعي وإبداع الشعب، وليس دائما نافذة يطل منها مجموعة من أهل السياسة معظمهم يحترف الكذب والتدليس، لا نريد أن يقع لوزارتنا ما وقع في العهد النازي حيث استطاع وزير الدعاية جوزيف غوبلز أن يدجن الشعب الألماني الذي ينتمي إلى الجنس الآري المتفوق حتى صار الجميع يهتف باسم هتلر. شعراء عيد العرش الشعراء الذين كانوا يطلعون لنا في شاشة التلفزيون في 3 مارس في عهد الملك الراحل، أين ذهبوا؟ هل انقرضوا؟ هل ماتوا أم أنهم تقاعدوا؟ هل استغفروا الله وتوقفوا عن الكتابة؟ ربما فعلا ماتوا حزنا على رحيل الملك الذي كان الموضوع الوحيد لقصائدهم الطويلة المنظومة في الغالب على البحر الطويل، الأنسب للفخر والمدح و 'الوطنية الغراء'. هؤلاء الشعراء كانوا أكبر الكاذبين في تلك المرحلة، لكن شعرهم لم يكن على غرار القاعدة الشهيرة: 'أعذبه أكذبه'، لم يكن عذبا، كان عذابا بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا على حب القصائد الفرنسية أو تلك التي تصل من بلدان عربية ظنناها فعلا للرواد الكبار، ثم اكتشفنا بالتدريج أن هؤلاء 'الرواد' كانوا أيضا بارعين في الاستنساخ. إنني حزين على انقراض هذا النوع من الشعراء، على الأقل كانت هناك مناسبة يلتقي فيها 'قارضو الشعر' ويتناوبون على المايكروفون ويزاحمون كبار المطربين الذين اشتهروا في زمان 'الأغنية الوطنية'. أما شعراء اليوم فيصعب أن تعثر عليهم، يمكن فقط أن تتواصل معهم عبر المسنجر، ثم إن قصائدهم النثرية القصيرة لا تصلح لعيد العرش. تصلح فقط لعيد الأضحى، لأنهم يشبهون تلك الخراف المذبوحة التي تترنح لا طربا وإنما من شدة الألم. شعراء 3 مارس كانوا في الغالب يرتدون بدلات خضراء حبا ربما في نجمة العلم الوطني، أما الأرب فلم أعد أذكر شكلها، رغم جديتهم وكثرة حروف المد في شعرهم وطغيان مفردات الخير والنماء والازدهار كان يبدو على وجههم أثر المعاناة وحجم الديون ومشاكلهم مع زوجاتهم بسبب العوز، وربما هذا العوز هو ما كان يأتي بهم إلى دار البريهي. إنني أتذكرهم أحيانا حين أفتح القناة الليبية فأجد أشباههم يكتبون القصائد ذاتها لكنهم لا يهتمون بالبحر الطويل، يفضلون لغة'الشعب' لأنها أكثر تأثيرا على المتفرج ولأنها قادرة على أن تنمي لديه رصيد الولاء والطاعة والتشبث بالقائد الملهم الذي لا يستوي الكون بدونه. لا أعرف إن كان هذا النوع من الشعراء يوجد في زيمبابوي يدعو الله عبر الشاشة أن يطيل عمر موغابي بل أن يخلده وجوده في الكون حتى يصير الإله الخاص بالموحدين في زيمبابوي. التاريخ ماكر، والذين كانوا آلهة في الماضي يتلقون قصائد المدح على البحر الطويل أو السكندري مسخوا إلى كائنات غريبة ومنبوذة لم يعد أحد يريد ذكرها إلا من أجل استدعاء ذكريات سيئة، إنه فعلا مكر التاريخ. التلفزيون هو ديوان العرب يروج منذ سنوات خطاب أدبي جديد، مفاده أن الرواية صارت ديوان العرب، لكن هذا الخطاب لا يخرج عن طابعه الترويجي والاستفزازي، إذ يمكن أن تصبح الرواية ديوان العرب فقط لو أن ربع العرب على الأقل كانوا منكبين على قراءة ما ينتجه كتابهم من روايات، حين نطرح السؤال: 'كم عدد الروايات التي تنشر سنويا، وكم عدد قرائها؟' ونطرح السؤال المقابل: 'كم عدد العرب؟' سنكتشف بالتدريج أن ديوان العرب الحقيقي هو التلفزيون. صحيح أن الشعراء لم يعودوا واضعي شرائع العالم غير المعترف بهم كما كان يقول شيلي، ولم يعد الاحتضان الشعري شبيها بالاحتضان الجسدي يغلق كل منفذ على بؤس العالم كما كان يقول أندريه بروتون، لكن الشعر لا يزال حيا، وسيزداد حياة مع الأجيال المقبلة، رغم ما نحسه من ضيق أفق ناجم عن تخوفنا على مستقبل الكتابة بسبب ما نلاحظه من استسهال للممارسة الأدبية، الشعراء اليوم أو كتاب الشعر على الأرجح كثيرون جدا قياسا مع العقود السابقة، وهذه الكثرة تسهم - رغم كل ما يبدو- في الرفع من نسبة النصوص والأسماء الجيدة التي يمكن العثور عليها وسط كل هذا الركام، لذلك فأنا متفائل كبير بمستقبل الشعر، سيحتاج الناس إليه أكثر لأنهم سيملون الاسمنت والحديد والتلفزيون والحياة المسلحة. ويكفي أن نعود إلى الماضي لنأخذ العبرة، ألم يتنبأ شعراء المنتصف الأول من القرن الماضي بموت الشعر بعد ظهوره في شكله الجديد؟ ألم يكذب التاريخ هذه النبوءة المؤجلة ليمنحنا بالمقابل أروع الأعمال في بداية النصف الثاني؟ أليس ما كتبه جيل الستينيات في الشعر العربي يعد نافذة عالية ومضيئة لهذا البهو العربي الشاسع الذي نسميه الشعر؟ ستحيا الرواية وسيحيا الشعر، لكن لا أحد منهما سيكون بمقدوره أن يبقى ديوان العرب. الموت بين دفتي كتاب لا أعرف لماذا أستعيد خلال هاته الأيام دفعة واحدة وجوه كل من القاص سعيد الفاضلي والمسرحي حسين الحوري والشاعر كريم حوماري صاحب ديوان 'تقاسيم على آلة الجنون'. شيئان يجمعان هؤلاء: الكتابة والانتحار، فالثلاثة اختاروا أن يتركوا هذه الحياة بضجيجها لعشاق الضجيج، اختاروا أن يتوقفوا عن مواصلة السير على أرض ملغومة، لم يريدوا أن يسبحوا في نهر يتهافت الجميع على مياهه، في الوقت الذي بدأ الكتاب يتسابقون على دواوين الوزارات و مكاتب اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر اختار هؤلاء أن يتسابقوا إلى قبورهم تاركين هذا الغبار وهذه الأوهام للغباريين وللواهمين. وكل واحد منا مهما ادعى العزلة والتصوف في الأدب والبعد عن الضجيج، فهو غير طاهر من هذا الغبار، لأنه يحمل تهمة الحياة، وكل حي منا حين يدخل عالم الكتابة والتأليف والنشر وضجيج الثقافة قد تطال جلابيبه أوحال البحيرة العكرة، لأنه إن لم يسبح فيها، فهو بالضرورة يوجد على حوافها. أستعيد في الآن ذاته الكاتبة نعيمة حداد والقاصة مليكة مستظرف صاحبة 'جراح الروح والجسد' والشاعر أحمد بركات مؤلف 'دفاتر الخسران'، هذه الوجوه تجمعها ثلاثة أشياء: الكتابة والشباب والمرض، القصور الكلوي لمليكة والسرطان لأحمد ونعيمة، ماتت مستظرف لأنها لم تجد من يشتري لها كلية وكانت تقول قبل رحيلها بأن ثمن هذه الكلية هو ثمن سيارة يشتريها أحد الوزراء ليتلهى بها ابنه، ماتت في عامها السادس والثلاثين تاركة خلفها مجموعتها القصصية الأخيرة بعنوان عمرها: 'ترانت سيس'. بالسرطان اللعين سيموت الروائي محمد شكري والقاص محمد زفزاف والشاعر محمد الطوبي والكاتب محمد خير الدين وغيرهم من الكتاب والشعراء الذين أحببنا نصوصهم وأحسسنا بأن مملكة الكتابة تنهار بالتدريج بعدهم، هم الذين كانوا يرعون الموت بين دفتي كتاب. عاش إدرواد سعيد أكثر من عشر سنوات يحمل معه سرطانه، لكنه في تلك الفترة ألّف أعمالا كثيرة وحاضر بغزارة ودافع عن أفكاره بقوة وجلال، عاش تلك المدة لأنه كان أمريكي الجنسية، أما نحن في المغرب فلا نكاد نسمع بخبر إصابة أحدنا بهذا المرض حتى يموت. صحيح أن بعضهم حظي برعاية من القصر خلال فترة المرض، لكن القصر لن يرعى شعبا برمته تفتك به الأمراض . إننا نتعلم بهذا الصدد بأنه لا يجب على الكاتب أن ينتظر الملك دائما كي ينجده من الموت، يجب أن ينتظر الموت بهدوء، أن يموت كما تموت أية حشرة على هذه الأرض، لأنها أرض لا ترحم، أرض عنيدة وقاسية ولا تملك مشاعر كالتي يملكها الكتاب، الناس جميعا يموتون، ليس الكتاب، وحدهم فحسب، المتسولون يموتون أمامي دون أن يلتفت لهم أحد، أراهم يموتون بالتدريج، أراهم في قريتي، وهؤلاء قد يكونون أحيانا أهم من المثقفين دون أن ندري نحن، لأنهم لا يثقلون على السماء بأحلامهم الخرقاء الكبيرة جدا، هم فقط يريدون غطاء ضد البرد ورغيفا ضد الجوع، ولا يحلمون بأبعد من ذلك، لا أعرف كيف سأموت غدا، اطلب من الخالق العظيم أن يرحمني من الألم، أن يخففه، فانا لست من طينة الأقوياء الذين يتحدث عنهم نيتشه الذين يتجاوزون حتى الموت بإراداتهم الخارقة، أنا تنسجم إرادتي مع قامتي وحجمي على الأرض، ومع ذلك لست ضعيفا، أملك من النار في داخلي ما يحرق كوكبا، لكن الحياة بنت كلب، والخذلان صار رفيقا طيبا لي منذ عهد بعيد، أتمنى أن أموت وأنا غير متحسر على شيء في هذه الحياة، أن أموت وأنا هادئ ومقتنع بالموت. |










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية