|
رفعت سلام بعد ديوانه 'حجر يطفو على الماء': لست من الذين يطالبون بالفصل بين النثر والشعر وهناك الكثير من التصورات الكاذبة يحيط بقصيدة النثر! محمود قرني عن القدس العربي ![]() |
|
أصدر الشاعر رفعت سلام ديوانا تحت عنوان 'حجر يطفو على الماء' عن دار 'الدار للطباعة والنشر' وهو الديوان السادس للشاعر، بعد عودته من رحلة عمل إلى الجزائر استمرت أربع سنوات. وسلام واحد من شعراء جيل السبعينيات البارزين، وهو مساهم فاعل في حركة جيله منذ تشكل حركتي أصوات وإضاءة في النصف الثاني من حقبة السبعينيات، وقد أصدر عددا من الدواوين منها 'وردة الفوضى الجميلة' و'إشراقات' و'إنها تومئ لي' وقدم العديد من الترجمات المهمة منها الأعمال الشعرية لـ 'كفافيس' وقد تعاقد مؤخرا على إصدار الأعمال الكاملة لـ'بودلير'، والديوان الجديد لرفعت سلام تجربة خاصة من حيث الشكل والمضمون فقد جاء غلافه من ورق الكارتون السميك وضم بعض الرموز الفنية القديمة والحديثة، وكذلك امتلأت صفحات الديوان بتلك الرسوم التي قدمها الشاعر وقام بإعدادها بنفسه، أما قصائد الديوان فقد توزعت بشكل فريد في الصفحات ومعظم القصائد دون الشاعر هوامش لها في الصفحة نفسها، في محاولة لخلق حوار داخلي بين النص وهامشه، وجاء النص على درجة من التركيب الذي يعضد التصور السبعيني للنص القابل للتأويل دائما.وفي هذا الحوار يتحدث الشاعر عن فضاءاته الشعرية ومرجعية الشكل لديه ومراوحاته بين النثر والتفعيلة داخل الديوان نفسه، بل داخل القصيدة الواحدة. كذلك يتحدث عن واقع جيله وأوضاع قصيدة النثر العربية، وهنا نص الحوار: ديوانك الجديد 'حجر يطفو على الماء' يستعيد اعتبارات الشكل، ويقيم لها الوزن الأكبر، لماذا تعود تجربتك إلى المزيد من التركيب؟ لعلي مشغول ـ منذ بداياتي الشعرية ـ ببنية النص الشعري، بتأسيسه فنيا، بالعلاقات المختلفة بين جزئياته، باتساق الجزئية مع الكل في كل شيء 'هل هذا ما يسمونه الشكل؟'، فعشوائية البناء ـ بالنسبة لي ـ أو عفويته المطلقة، لا تنتج فنا، فالشاعر لا بد أن يكون معماريا في نفس الوقت. وقد ارتبط هذا الهم ـ بشكل وثيق ـ بهم آخر: 'تعددية الأصوات' في النص 'منذ ديواني الأول 'وردة الفوضى الجميلة'، في قصائده الرئيسية، فكيف تحقق 'تعددية الأصوات'، المتمايزة لغة وايقاعا وأفقا، دون إحكام السيطرة على البناء، ومراعاة أقصى دقة ممكنة؟ 'فأية عشوائية ستفضي الى اختلاط تلك الأصوات، وتحولها ـ ربما ـ الى صوت واحد، وعدم تمييز الحدود الفاصلة بين كل صوت وآخر. ولأني أميل ـ في غالبية أعمالي ـ إلى كتابة 'العمل الشعري' المفتوح على أشكال وآفاق مختلفة، لا القصيدة الفردية، فيصبح من الضروري السيطرة على ذلك البناء، مترامي الأطراف، في بنية محكمة، متراتبة، بمعنى ما وربما يشبه ذلك عمل 'الروائي' من بعض الجوانب، لا عمل كاتب القصة القصيرة، كيف أمكن لنجيب محفوظ ـ مثلا ـ السيطرة على عالم 'الثلاثية'، متعددة الشخصيات والمناخات والأزمنة، وقرابة ألفي صفحة؟. كما أني لا أعترف بتلك الفكرة الرومانتيكية، 'الإلهام' العريقة في تراثنا الشعري العربي حيث وادي 'عبقر' وشياطين الشعر وعفاريته، وما يرافقها من مصطلحات من قبيل 'العفوية' و'الوحي'، إلخ، فالديوان الجديد ربما يمثل ـ في ذلك ـ تراكم خبراتي السابقة كشاعر 'معماري' فالطاقة الانفعالية ـ لحظة الكتابة ـ ينبغي أن تكون محكومة بالطاقة، أو القدرة الذهنية الإبداعية المرهفة. فهذه البنية 'المركبة' تمكنني من رؤية العالم في تركيبه وتعدديته، فالعالم لا ينطوي على وجه واحد، والسطح لا يعكس الأعمال المتعددة بدورها، فكيف يمكن القبض على هذه التعددية دون أن يقابلها تعددية وتركيبية في النص الإبداعي؟ وكيف يمكن لنص أحادي ـ في البنية والاتجاه والصوت الشعري ـ أن يعكس تعقد، بل تضارب وجوه العالم، وتشابكها، وتصادمها؟ بل لعل هذه التركيبة الأبجدية لم تعد كافية لي، ففرضت اللجوء إلى الرسم والعناصر التشكيلية. التجأت إلى الكثير من الأشكال والرسوم ـ الفرعونية على الأغلب ـ لتنشرها بين ثنايا النصوص، ما دلالة ذلك بالنسبة للنص الشعري؟ هي جزء أساسي من النص، هي أحد أبعاده الجوهرية، وليست زخرفة أو ديكورا يحيط أو يصاحب النص الشعري، كما هي العادة في بعض الدواوين الشعرية المعاصرة. ففي لحظة الكتابة الأولى، كنت أقوم ـ في نفس الوقت ـ بصياغة بعض الرسوم، التي ستتخذ مكانها في العمل، وحينما كانت تغلبني الكتابة، ولا استطع ممارسة الفعلين معا 'فعل الكتابة وفعل الرسم'، كنت أترك مساحة الرسم خالية، بلا كتابة، للرسم القادم، وهكذا، ستجد في المخطوط الأولي للعمل بعض الرسوم، والكثير من الفراغات التي تتخلل النص وتحيط به، للعناصر القادمة، بعد الانتهاء من صياغة النص اللغوي. وبالتالي، فالعمل المنشور تحت عنوان 'حجر يطفو على الماء 'هو عمل شعري تشكيلي في آن، قام به الشاعر بنفسه من الألف إلى الياء، دون استعانة بفنان تشكيلي آخر، على نحو ما جرت عليه العادة، فثمة فارق كبير بين أن يحيل الشاعر النص الشعري إلى فنان تشكيلي ليصوغ بعض الرسوم التي ترفق به في الطباعة، وبين أن يقوم الشاعر بنفسه بتحويل نصه الشعري الى نص شعري تشكيلي، لا يمكن فيه فصل الشعري عن التشكيلي. ففي الحالة الأولى يشارك الفنان التشكيلي في الصياغة النهائية للديوان، وغالبا ما تكون رسومه مستقلة على نحو ما عن النص الشعري، فيمكن نقلها من موقعها ـ في النص ـ إلى موقع آخر، أو يمكن عرضها باستقلال عن النص الشعري، لأن قيمتها التشكيلية كامنة فيها، بذاتها، كرسم أو لوحة، والعلاقة بينها وبين النص الشعري ليست عضوية، أما في 'حجر يطفو على الماء' فالرسوم جزء عضوي من الرؤية، من الصفحة، من النص، ولا يمكن نقلها أو تحريكها الى موضع آخر، ولا قيمة لها ذات بال خارج إطار العمل، فالرؤية البصرية ـ فيما أرى ـ أهم مرتكزات هذا العمل، ومحددة لرؤية العالم فيه. يمثل الديوان نصا طويلا يشهد تداخلا للضمائر والأصوات، والهوامش، ما الطريقة المثلى التي تنصح بها القارئ للتعامل مع هذا النص؟ يقوم النص الشعري على 'تعدد الأصوات' المختلفة، حيث يقدم كل صوت نفسه بصورة مستقلة على مراحل تمتد بامتداد العمل، إلى أن تأتي خاتمة العمل بجميع الأصوات متزامنة، ومتقاطعة، مختلطة. لكن هذه الأصوات المتقطعة تحتضن، متزامنة، صوتا ممتدا، من بداية العمل حتى نهايته، يقع ـ بصريا ـ في قلب الصفحة، حيث تحيط به تلك الأصوات، هو صوت فانتازي، غريب وقد يمثل ـ في آن ـ وعي ولا وعي الشاهد الذي رأى كل شيء، والعراف، والبهلول، والحكيم، والصعلوك، والشاعر، والعاشق الذي يهيم على وجهه في الأزمنة والأمكنة بلا أسلاك شائكة، لا في الوعي ولا في الحضور الطباعي لصوته. والهامش ـ في هذا العمل ـ ليس فارغا، كما المعتاد، بل تحتله أصوات تبدو ـ للوهلة الأولى ـ 'هامشية'، أصوات لا يدري أحد من أين جاءت على وجه التحديد، شذرات من أساطير، أبيات من شعر قديم، أقوال مأثورة أو غير مأثورة، صرخات عبارات عابرة من شارع ما، حكمة غابرة مما قبل التاريخ، إلخ، هي الأصوات التي ترفرف ـ في السر ـ في فضاء الذاكرة. رؤية ما للعالم الراهن، وإيقاعاته المتخبطة المتلاطمة، أصوات ووجوه صارخة من ألم وعذاب، في وعيد وتهديد، وجوه عادية راهنة من الحياة اليومية للمدينة القاهرة، ووجوه أسطورية أو تاريخية تحمل ظلالها وأصداءها وأصواتها العابرة للزمان والمكان، وديناصور غابر ـ قادم من عصور ميتة ـ لا يريد أن يترك المشهد لأصحابه الأحياء، وامرأة تحلق في سماء المشهد تبحث عن عاشقها لتمنحه ما لم تمنحه امرأة، ورجل يهيم على وجهه في الأزمنة والتواريخ، لا يدري تماما ما يبحث عنه، وكائنات أو رموز تشكيلية تجوس وتتخلل المشهد المتغير، متغيرة بدورها، مومئة أو مندسة أو مقتحمة للعالم المتضارب المختلط. ولا طريقة 'مثلى' للقراءة، فحرية القارئ مطلقة في الاختيار 'لماذا نجبر القارئ دائما على اتخاذ طريقة ـ أو طريق ـ محدد سلفاً ـ لقراءة النص الشعري؟ ولماذا نسلبه حرية اختيار طريقة القراءة؟. فالصفحة ـ في 'حجر يطفو على الماء' ـ تمنح القارئ حرية القراءة، لأن طريقة الكتابة وتوزيع النصوص في الصفحة لا يحتمان طريقة معينة، سلفا للقراءة فهنا يصبح القارئ شريكا فعليا ـ لا نظريا ـ في انتاج النص باختياره طريقة القراءة والتعامل الخاص به مع الصفحة. تراوح بين التفعيلة والنثر، بين الخاص والعام، في قصيدك الطويل، فهل تعتقد أن هذا التداخل والتنوع قد أفاد شعريتك؟ وهل تعود إلى مفهوم الالتزام بشكل مختلف؟ ليست مراوحة، بقدر ما هي مزاوجة، أو تداخل، بدأتها على استحياء ـ ومن قبيل التجريب، ربما ـ في ديواني الأول 'وردة الفوضى الجميلة'، ثم تأكدت في الثاني 'إشراقات رفعت سلام' '1992' كنهج مهيمن في الكتابة. فلست من أنصار الفصل بين 'التفعيلي' و'النثري' في الكتابة الشعرية، على نحو ما هو رائج حاليا في الشعرية العربية الراهنة، فـ'التفعيلي' ينطوي على امكانيات لا يتيحها 'النثري' وخاصة فيما يتعلق بالإيقاع والانسيابية، ولا يمكنني إهدار هذه الامكانيات او مخاصمتها انطلاقا من بعض الدعاوى المغلوطة لدينا، نظريا وتاريخيا، حول 'التطور' و'التجاوز' الشعري، والتي لا أراها إلا تعبيرا عن جهل وبؤس في الرؤية. فهذا 'الخصام' ـ أو النفي ـ ليس موجودا إلا في ثقافتنا العربية، التي لا تعرف كيف تستفيد أحيانا من ثراء مكوناتها الداخلية، القاضية على التنوع، في سبيل 'الواحدية' أو 'الأحادية' فبودلير ورامبو، مؤسسا 'قصيدة النثر' ـ على سبيل المثال ـ كانا يكتبان 'الموزون' و'النثري' في آن واحد، بالتوازي أو التبادل، ولا يمكن للقارئ ـ أو الناقد أو الباحث ـ الفرنسي الاستغناء عن قصائد أحد الشكلين بالآخر، وذلك ما يتواصل في التقاليد الشعرية الفرنسية حتى الآن. إنه نهج في الرؤية والكتابة، فتعددية الأصوات الشعرية ـ داخل النص ـ تفترض تعددية في مستويات اللغة والايقاع وبنية الصورة الشعرية، وإذا ما تحقق ذلك، دون أن ينفرط النص ـ على طوله واتساعه ـ فلا بد ان يعكس رؤية مركبة للعالم، لا متعددة كميا فحسب، افقيا، بل بالأساس متعددة كيفيا، رأسيا، في الأعماق والطبقات المتراتبة، أما إذا وضعنا في الاعتبار التعددية التشكيلية ايضا، فربما يعكس ذلك بعض توجهات العمل، وهو ما يفرض الاستفادة من جميع المستويات والأدوات الشعرية. وذلك ما ينطبق بدوره على المزج بين الخاص والعالم، فـ'الخاص' هو ـ في هذا العمل ـ 'عام' بمعنى ما، والعكس صحيح، ولعلي لا أميل الى هذه التقسيمات، وعمليات الفصل التعسفي داخل النص الإبداعي. ولكني لا افهم مصطلح 'الالتزام' المطروح هنا، فلم أكن يوما ـ حينما كان المصطلح رائجا في الأوساط الثقافية العربية ـ من أنصاره، بل على النقيض: كنت دائما وإلى الآن ـ من أنصار الحرية المطلقة للمبدع، بلا قيد أو شرط، وبلا رقابة أو توجيه، من أي نوع، وهو بالنسبة لي ـ مصطلح 'سيئ السمعة' لا يعنيني، من قريب أو بعيد. إنما هو العمل الإبداعي الذي ينفتح أمام الرؤية والرؤيا غير المحدودة، التي لا تضع أسلاكا شائكة في أي موضع أو اتجاه، عمل مباح لكل الهواجس والكوابيس والأحلام والإخفاقات والتشوفات، بل فصل بين 'خاص' و'عام'، بين 'نثري' و'تفعيلي' بين 'لغوي' و'تشكيلي' بين 'مركزي' و'هامشي'. والتزامي الوحيد انما يتوجه صوب حرية النص ذاته، وحمايته من أي شروط تعسفية، سياسية أو أخلاقية أو غيرها، لكني ـ في نفس الوقت ـ لا أكتب في العزلة والفراغ الى فراغ، ولا بد أن ينعكس بعض ما يجري ـ بصورة ما ـ أو يتسرب إلى داخل النص، بلا فرض أو إقحام 'ما المشكلة'. تحتفي في الديوان برموزك الخاصة، بين السياسي والثقافي والفلسفي والتاريخي، هل تعتقد ان ثمة وظيفة قاطعة للشعر يؤكدها مفهومك للالتزام، كما سبقت الإشارة؟ في تجربتي ـ منذ 'الإشراقات' ـ لم يكن ثمة فصل بين السياسي والثقافي والفلسفي والتاريخي، بين الشعري والنثري، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين التراثي العربي والمصري والانساني، بين الواقعي والفانتازي، بين اليومي والحلمي، والعمل الجديد ـ 'حجر يطفو على الماء' ـ يواصل هذا التقليد، بمعنى ما ويعمقه. ولا علاقة لذلك بأي من مفاهيم 'الالتزام' المعروفة، إنها 'رؤية للعالم'، لا تعلي من شأن أي جانب على الجوانب الأخرى، ولا هامشي ومركزي فيها، بل هي الوحدة العامة لأبعاد العالم، وتكاملها معا، وضرورة رؤيتها هكذا، معا، في تداخلها الحميم، الذي لا يقبل الفصل أو الانفصال. تبدو اللغة هي العنصر الأكثر عناية لديك، كيف تنظر إلى هذا الدور، لا سيما فيما تشيعه قصيدة النثر حول فهمها للبساطة؟ وهل يمكن للشعر أن يبني على لغة 'هشة'، خاوية؟ هل يمكن أن يتأسس على لغة 'عشوائية'، لا تعرف من أبعادها الكثيرة سوى 'الدلالة'؟ 'فلنتذكر أن الشعر ـ لدينا ولدى الآخرين ـ هو المرجع الأساسي لقواميس اللغة، المحدد لدلالة واستخدام وحدود معنى الألفاظ'، وهل هناك أداة أخرى لكتابة النص الشعري سوى 'اللغة'؟ فالاحتفاء باللغة ـ هنا ـ أمر ضروري بل أكثر من ضروري، ولا افتعال في ذلك فأنا ـ كشاعر راهن ـ استند إلى تراث لغوي شعري يمتد بعمق 15 قرنا، ويضم أسماء من قبيل امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام وأبي نواس، الى السياب وصلاح عبدالصبور والعشرات غيرهم، وكانت معرفتهم وحسهم اللغوي تتحدى دائما عتاة النحاة واللغويين، وقد ورثت هذا كله، ويجب أن أكون لائقا بأجدادي ولا أهدر بسفاهة ميراثي الذي أحسد عليه. ولكني ـ ايضا ـ استمتع باللغة باللعب والتلاعب معها، بما يجعل من الكتابة متعة ذاتية خالصة، فلا تعنت عندي، ولا معاظلة، هكذا تأتي، ولا أفعل سوى ما يفعله الجميع: المراجعة، قبل أن أدفع بالنص إلى الناشر. والمعروف أن هناك فارقا واضحا بين 'البساطة' والسطحية أو العشوائية في اللغة، فما يسود قصيدة النثر العربية الراهنة ليس البساطة، بل السطحية والعشوائية في العلاقة مع اللغة، الى حد أن تنطوي بعض الدواوين على أغلاط نحوية أو اشتقاقية أو غيرها، فثمة جهل واستهتار باللغة ـ أداة الشعر ـ يسمونه هم بساطة للتعمية على تلك اللغة ذات البعد الواحد في نصوصهم، البعد الدلالي، التوصيلي، وتلك 'البساطة' المزعومة ليست سوى سطحية. وما أكثر ما يسود قصيدة النثر العربية الراهنة من تصورات كاذبة، أو مغلوطة، ومن نصوص 'نثرية' لا شعرية، أقرب الى الخواطر الشخصية منها الى الشعر، فقد حول البعض ـ في الآونة الأخيرة 'قصيدة النثر' إلى نثر، وأصدروا ما شاؤوا من كتب ذات طابع استهلاكي، تفتقر إلى الشعر. البساطة، نعم، التبسيط أو السطحية، لا. تبدو مقلا بشكل ما وسط أبناء جيلك، فكيف ترى موقعك، ومواقع أقرانك من جيل السبعينيات في الشعرية الراهنة؟ قد يكون الأمر كذلك من ناحية الكم، فالعمل الشعري الأخير هو 'السابع'، فيما أصدر آخرون ما يقارب العشرين ديوانا لكن الأمر ـ في الشعر، والإبداع عامة ـ لا يتعلق بالكم، كما أني حريص على ما قد لا يحرص عليه الآخرون: ألا يشبه عمل شعري عملا سابقا، أو يكرره، أو يعيد انتاجه، ليس ذلك تبريرا ما، ولكنه واقع الحال، فلا يمكنك الاستغناء بعمل شعري عن آخر، أو اختصار نتاجي الشعري في عمل أو عملين، كما يمكن القول بالنسبة لآخرين. أما 'جيلي'، فقد تلاشى، لم يعد هناك 'جيل' لي، هناك آحاد نادرة هي من تبقوا مما كان يسمى 'جيل السبعينيات' ذات يوم، ومن تبقوا لا يمثلون ـ الآن ـ جيلا، بأي معنى نقدي أو شعري، فلا يجمعني معهم أي مشترك، لا فكرة أو رأي أو توجه شعرياً، ولا أمثل ـ بالتالي ـ سوى نفسي. أما موقعي فيكمن في عملي الشعري، لا خارجه، ولست مشغولا بتحديد مواقع الآخرين، فلهم شعرهم، ولي شعري. كيف تنظر إلى واقع قصيدة النثر الآن؟ وإلى أي مدى استطاعت أن تقدم إنجازا له ملامحه؟ وكيف ترى مشهدها في الإجمال؟ إنه واقع لا يسعد بحال، فها هي قصيدة النثر ـ التي تمثل 'مغامرة' مفتوحة الأبواب والمصاريع ـ تتحول، في السنوات الأخيرة، إلى نمط مغلق، محدد الشكل والإطار، له آلياته مواصفاته 'المعلبة'، نمط راكد وضيق الأفق من الكتابة 'النثرية'، الأشبه بالخواطر والتأملات العابرة، وإعادة الانتاج ـ لا المغامرة والاكتشاف ـ هي الموجه الأساسي لهذا 'النمط'، نماذج متكررة، بليدة، ذات طابع استهلاكي فالديوان ـ أو ما يسمى بذلك ـ لا يقبل القراءة إلا مرة واحدة، ليتم استهلاكه كله دفعة واحدة، لأن الكتابة تنزلق على سطح الأشياء، دون أن تتكشف ما وراء السطح، وهي حالة فريدة في الشعرية العربية المعاصرة. لقد ابتدعت 'قصيدة النثر' لتحقيق مزيد من الحرية للشاعر 'حرية الخيال'، أو لتحريره تماما من الشروط القبلية للكتابة، وهي حرية ليست مجانية، بالطبع 'حيث قاتل من أجلها الشعراء، إلى حد إهدار دمهم، أحيانا'، بل من أجل الوصول إلى أقصى ثراء ممكن في النص الشعري من خلال اكتشاف آفاق استثنائية، وأقاليم ـ في الكتابة ـ لم يطأها قلم من قبل، وتجاوز النمطية التي تهيمن على القصيدة الموزونة، لكن قصيدة النثر العربية تحولت ـ في السنوات الأخيرة ـ إلى 'نمط' راكد، بليد، له مواصفاته وآلياته المتكررة، من ديوان إلى آخر، من شاعر إلى آخر. إنها 'نمطية' جديدة أكثر بلادة من نمطية القصيدة الموزونة ـ التفعيلية ـ التي ثار عليها رواد قصيدة النثر، 'نمطية' حولت حرية الشاعر في اكتشاف صوته الشعري الخاص به إلى تقليد وإعادة انتاج أقرب إلى الميكانيكية للنمط، وذلك ما لا ينتج إلا نصوصا فاترة، نثرية في جوهرها، بلا خيال، ولا أعمال، نصوصاً فقيرة في رؤيتها ـ تعتمد 'البصر' لا 'البصيرة' ـ بائسة في وعيها للعالم والشعر، وسطحية. إذن، فهي حرية مجانية، أو عبثية، أو ـ بالمعنى القانوني ـ مدلسة، لأن الشاعر الجديد يستهلكها بلا مقابل، كنوع من التدليس على القارئ أو التاريخ الشعري، دون أن يقدم مقابلا لها سوى 'البؤس'. ألا تلاحظ الكثير من البطريركية التي تحكم السياق الشعري العربي؟ متى يستطيع جيلكم أن ينتزع لقب الشاعر الكبير؟ إن هناك من الشعراء ـ الذين تجاوزوا الخمسين عاما ـ من لا يزالون يبحثون عن آباء أو رعاة لهم، يلتصقون بهم، إلى حد أن يكتبوا فيهم أحيانا المدائح والغزليات 'الإباحية' علنا 'ولا استبعاد لفكرة 'المصلحة' هنا، فهي واضحة، فكل من الطرفين يستخدم الآخر لحسابه بطريقة مختلفة. ولا نسيان لمجموعة مقالات أحمد عبدالمعطي حجازي 'أحفاد شوقي'، التي حاول فيها تأميم ما كان يسمى 'شعراء السبعينيات' في مصر، وفرض أبوّته عليهم. المفارقة أنهم سعدوا ـ في ذلك الحين ـ بكتابته عنهم في جريدة 'الأهرام' واسعة الانتشار، وتغاضوا عن دلالة المقالات. وإذا كانت البطريركية تنطلق من البطاركة، فليس مفهوما أن يستجيب لها شعراء من موجة تالية، مضادة للبطريركية 'حسب زعمهم'، ولكننا يمكن أن نرى أن هؤلاء البطاركة ما يزالون يمسكون بخيوط بعض 'المصالح'، التي لا يريد الآخرون قطعها معهم، كشعرة معاوية، فالجوائز ودعوات المهرجانات الدولية وعضوية اللجان المختلفة ما تزال ـ إلى الآن ـ بأيدي الأجيال السابقة، فيما لا يمتلك أبناء الموجة التالية ـ السبعينيات ـ القدرة على 'الاستغناء' فهم يريدون الجمع بين الشعر وأموال الجوائز واللجان في نفس الوقت! فالشاعر ـ لدينا ـ شاعر في لحظة كتابة القصيدة، فحسب، لا خارجها أيضا. أما لقب 'الشاعر الكبير'، فلا أدري أية أهمية لها، فهي ـ في تقديري ـ نتاج للبطريركية نفسها: تلك التراتبية والتصنيف التصاعدي أو التنازل للشعراء انطلاقا مما لا أدري من مفاهيم، ورغم ذلك، ففي مرحلة سابقة، كان هناك السياب والبياتي ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور والحيدري وخليل حاوي وغيرهم، متزامنين كشعراء 'كبار'، بلا ترتيب معين، وهو ما يمكن أن يكون حادثا الآن، على نحو ما، ربما، لا أدري. ما الذي قدمته لك ترجماتك الشعرية الواسعة والعميقة؟ قدمت لي ـ رغم العناء وقصور الأدوات المساعدة ـ الكثير الكثير، فهل يمكنك ـ حتى لو أردت ـ الإفلات من تأثير قيامك بترجمة بوشكين وليرمونتوف وماياكوفسكي وكفافي وريتسوس وبودلير وغيرهم، تلك الأصوات الشعرية الشاهقة التي أثرت الشعر والوعي الإنساني، بغير المسبوق؟ ففي ترجمة الشعر، أصبح إزاء الكثير من الاحتمالات لكل جملة ـ صورة واحدة، وإذا ما كانت عملية الترجمة تفرض اختيار الصياغة 'الأرجح' فإن بقية الصياغات المحتملة، وأشباهها، لا تضيع هباء، إنها تسكنني حينما لا تسكن الورق، فتسكنني ـ بالتالي ـ آلاف الصور الشعرية المحتملة المستبعدة، من كل شاعر. ذلك سر لا يعرفه القارئ فهل تتخيل مدى ثرائي من عملية الترجمة الشعرية، لكل هؤلاء الشعراء وبعضهم أنجزت له ترجمة أعماله الشعرية الكاملة؟ أما حين تعيش وتتعايش مع شاعر بهذه القامة، في الصحو والمنام، لأيام وشهور وأعوام، وتكتشف فداحته الشعرية، فلا بد أن تعي الكثير: أنك ـ ابتداء ـ لست مركز العالم، بأي معنى، بل لعلك لم تقدم ـ رغم غرورك وزهوك الذاتي ـ سوى 'تدريبات أولية' على كتابة الشعر، وأن الطريق أمامك طويل، والجهد شاق والعمر قصير قصير وربما تبلغ بعض ما بلغته هذه القامة الشعرية التي تعيش معها، إنه نوع فريد من التربية وتقويم الشطط. أما الاكتشافات الشعرية التي تحققها المعيشة مع هذا الشاعر أو ذاك، فما أكثرها: فمن ماياكوفسكي ـ على سبيل المثال ـ اكتشفت، في الثمانينيات، أن الصراخ والسباب ـ فضلا عن اللغة اليومية العادية ـ يمكن أن يكونا شعريين، على نقيض ما كان شائعا في الشعرية العربية في ذلك الحين، واكتشفت من ريتسوس كيف يمكن تحويل اليومي الى جوهري، والنثري الى شعري، والعابر إلى دائم، وهكذا. كما أن العيش مع أشكال شعرية مختلفة ومتفاوتة وأصيلة ـ في نفس الوقت ـ قد رسخ داخلي فكرة 'اللا نمط' بالنسبة للعمل الشعري، وتعددية الأشكال الشعرية، وقابليتها الدائمة لمزيد من الاكتشاف والاختراع، بل انتهاء، دون الركون الى 'نمط' معين، فحتى ضمن أعمال الشاعر الواحد من هؤلاء ثمة تعددية في أشكال الكتابة الشعرية لديه، بلا ثبات على 'نمط' واحد، إذن، فالتعددية مضاعفة لدى هذا الجمع من الشعراء الكبار، ففي التعددية، أو التمايز، يكمن جوهر الإبداع، ولا ثبات أو تكرار. فأنا المستفيد الأول والأساسي من هذه الترجمات، قبل وبعد القارئ. |










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية