|
يوم من الترقب
بقلم : أرنست همنغواي نقلها إلى العربية : جان سالمه --------------------------------------- ![]() كنت لا أزال في سريري ، عندما دخل علي الغرفة ليغلق النافذة ، فبدا لي عندها أنه مريض ! .. كان يرتجف من البرد ، وقد علا وجهه صفرة وشحوب ، وكان يمشي بأناة وتثاقل ، كأن كل خطوة كانت تنهك قواه... وسألته : " ماذا بك يا كنزي العزيز"؟ فأجاب : " إني أشعر بشيء من الصداع". - إذن فمن المستحسن أن تعود إلى فراشك - لا بأس ، إن الألم سيزول وشيكا . - ولكن اذهب إلى فراشك مع ذلك ، وسآتي لرؤيتك متى نهضت. بيد أني عندما نزلت إلى غرفته ، ألفيته لا يزال مرتديا ثياب النهار ، وقد جلس قرب الموقد ساهما ، فبدت على قسمات وجهه الشاحب ذي الربيع التاسع كل معاني البؤس والشقاء... ومسحت بيدي على جبينه ، فشعرت أنه كان محموما بعض الشيء . قلت له : " اذهب إلى فراشك ، فأنت مريض يا بني " فقال : "كلا ، لا بأس" ورأيت أن أستدعي الطبيب ، فلما أقبل وقاس حرارة الطفل سألته : - كم درجة حرارته يا دكتور ؟ فقال : مئة واثنتان . وانتهى الطبيب من فحصه فانصرف ، بعد أن ترك ثلاثة أنواع من الأدوية ، في برشامات ألوانها مختلفة ، ولكل منها تعليمات خاصة لتناولها . أما الدواء الأول فلتخفيض الحرارة ، وأما الثاني فكان مسهّلا ، والثالث لتلافي حدوث أية حموضة محتملة في المعدة . " إذ إن ميكروب الحمى " كما قال الطبيب "لا يمكن أن يعيش إلا في الحموضة". وكان الطبيب متخصصا في أمراض الحمى ، مما جعله يؤكد أنه لا خطر يخشى على الطفل إذ إن درجة الحرارة لم تتعد الأربع درجات بعد المائة ، وبعد اتخاذ الاحتياطات الكافية لتجنب أي التهاب رئوي قد يحدث أحيانا ، فإن هذه الحمى تصبح خفيفة الوقع ، غير ذات بال . ورجعت إلى الغرفة بعد أن ودعت الطبيب ، فقست مرة أخرى حرارة الطفل ، ودوّنت على ورقة الساعات التي يجب فيها أن أسقيه كل دواء . ثم سألته : "أتحب أن أقرأ لك"؟ فقال : "لا مانع إذا كنت ترغب في ذلك" ونظرت إليه فإذا بوجهه قد ازداد شحوبا ، وظهرت تحت عينيه بقع سوداء ، داكنة. وكان مستلقيا على الفراش ، لا يبدي حراكا ، ولا يظهر أي اكتراث لما يدور حوله. وقرأت له بعض المقاطع من كتاب "القرصان" لهوارد بيل، ولكني لم ألبث أن لاحظت أنه لم يكن يسمع أو يعي حرفا واحدا مما كنت أقرأ. وسألته : " كيف حالك الآن ، يا كنزي العزيز؟" فأجاب باقتضاب : " لا أزال كما كنت ..." وجلست على حافة السرير ، ورحت أقرأ لنفسي بانتظار وقت إعطائه حبة ثانية . وظننت لحظة أنه قد غفا ، ولكن عندما رفعت عيني عن الكتاب ، رأيته مازال مستيقظا ، يحدق بنظرة غريبة إلى حافة السرير . فسألته : " ولكن لماذا لا تجرب أن تنام ؟ سأوقظك متى حانت ساعة تناولك الدواء" - إني أفضل أن أبقى مستيقظا . وبعد لحظة أردف : " ليس ما يضطرك إلى البقاء معي ، إذا كان ذلك يسئمك " فأجبت : " ولكن ذلك أبعد من أن يسئمني " فعاد يقول : " أردت أن أقول إنه لا حاجة بك للمكوث بجانبي إذا كنت ستسأم " وقلت في نفسي أنه لا شك يهذي بعض الشيء من تأثير الحمى . ورأيت أن أمكث عنده حتى الحادية عشرة ، أي حتى وقت إعطائه الدواء ، وخرجت. كان اليوم قارس الربد وهّاجا ساطعا في انعكاس نور الشمس على الأرض المغطاة كلها بطبقة من الجليد ؛ فبدت لي الأشجار العارية الأذرع ، وبدا لي الشوك المقطوع ، والعشب ، والأرض الخلاء ، وكل شيء ساعتئذ وكأنه مطلي بالثلج . ورحت أسير على الطريق العامة ، يتبعني كلبي الإيرلندي الأمين ، ولكنه كان من الصعب بمكان السير على الأرض المتجلدة . حتى إن كلبي الأحمر قد زلق على الجليد ، وأنا نفسي لم أستطع التماسك عن الوقوع مرتين متواليتين ، رضت في كلتاهما عظامي ، وأفلتت مني بندقيتي في إحداهما ، وابتعدت عني منزلقة على صفحة الجليد. ثم أبصرت سربا من عصافير السمن على منحدر من الحوّارى ، فأصبت منها اثنتين وهي تحاول الابتعاد عن المنحدر . وجثم قسم منها على الأشجار القريبة ، غير أن معظمها تبعثر هنا وهناك على النباتات الشائكة . وظلّت تدرج قليلا قبل أن تعتزم الطيران من جديد . ولما طارت أخيرا لم أستطع أن أصيب منها إلا اثنتين أخريين ، وأخطأت خمسة لأني كنت لا أزال ملقى على الأشواك – حيث سقطت – تلك الأشواك التي راحت تتحرك تحت ثقلي كالرفاص . واكتفيت بما أصبت ، ورجعت أدراجي ، سعيدا رغم كل شيء باكتشافي هذا السرب قرب البيت ، وغير نادم أو آسف على ما أخطأت منها ، لعلمي بأنه بقي الكثير للأيام التالية ! ولما وصلت إلى المنزل ، واستفسرت عن الصغير ، قيل لي إنه رفض دخول أي كان إلى غرفته . فتوجهت توا إلى الغرفة ، وما إن وطئت قدماي أرضها حتى سمعته يقول : " لا تدخل ! إذ يجب أن لا تصاب بعدوى مرضي . " ولكني لم آبه بكلامه . واقتربت منه ، فدهشت إذ رأيت أنه لم يغير وضعه منذ تركته . كان وجهه لا يزال شاحبا رغم أن خديه كانا محمرّين من تأثير الحمى . أما نظرته فمازالت عالقة بحافة السرير . وقست حرارته ، فسألني عندما انتهيت : " كم هي ؟ " قلت : " قرابة المائة " وكنت أعرف أنني أكذبه الخبر ، فقد تعدت حرارته المائة بأكثر من درجة . وقال : " كانت حرارتي مائة واثنتين هذا الصباح . " فقلت : " من قال لك هذا ؟ " أجاب : " الطبيب " فقلت : " لا تهتم ولا تقلق ، فإن حرارتك ليست ذات بال . " فقال : " إني غير قلق ، ومع ذلك فلا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير . " فقلت له : " لا تفكر ، واحسب أن ليس في الأمر شيء . " فقال ونظرته ساهمة : " هذا ما أفعله . " وكان واضحا جليا من نظراته وحديثه أنه إنما يخفي في نفسه شيئا كان يعصف بها. وناولته حبة وقلت له : " ابتلع هذه مع قليل من الماء . " فقال : " أتعتقد أن هذا سيجدي نفعا ؟ " فقلت له : " بكل تأكيد " وجلست قرب سريره ، ثم فتحت كتاب "القرصان" وشرعت أقرأ له منه فصولا ، ولكني لم ألبث أن شعرت أنه لم يكن يكترث لشيء مما كنت أقرأه ، فأقلعت عن ذلك. وفجأة ، ومن دون أية مقدمات ، ألقى إلي بهذا السؤال الغريب : - أية ساعة تعتقد أني سأموت ؟ فأجبته : " ولكنك لن تموت ، ماذا دهاك لتطرح مثل هذا السؤال السخيف ؟ " فقال : " أجل ، إني أعرف أني سأموت ، فإن حرارتي قد تعدت الاثنتين بعد المئة " فطمأنته قائلا : " ولكن من ذا الذي قال لك إن مثل هذه الحرارة تكون قاتلة ؟ إن من البلاهة بمكان أن تفكر هذا التفكير " - ولكني أعرف أني سأموت . فعندما كنت في المدرسة ، في فرنسا ، كنت أسمع الأولاد يقولون إنه لا يمكن لامرئ أن يعيش إذا جاوزت حرارته أربعا وأربعين درجة . وأنا بلغت مائة واثنتين ! هكذا إذن : فقد انتظر الموت النهار كله منذ التاسعة صباحا ! وقلت له : " يا كنزي العزيز ، إن مثل موازين الحرارة ، كمثل القياس بالأميال والكيلومترات سواء بسواء . فأنت لن تموت لمجرد بلوغ حرارتك مائة واثنتين : لأن الدرجة الطبيعية تختلف باختلاف نوع الموازين : فهي في ذاك 37 وفي هذا 98 " ولن يبدر منه إلا هذه الكلمة : آه ! بيد أن نظرته التي ظلت عالقة بحافة السرير فقدت شيئا من ثباتها وقساوتها . وأخيرا زال ما كان يعتمل في نفسه من خوف وأسى وشجى . وما أقبل الغد حتى رجع إليه اتزانه ، وأضحى يبكي بسهولة لأمور ما كان أسخفها .. ! | |
السبت, 30 اغسطس, 2008
أضف تعليقا










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية