من أعطت للكلمة عذوبة ومعنى
وأوفتنا حقنا من الكلمة بشكل كامل
حبنا وتقديرنا
للدكتورة سناء الشعلان
فإليك هذا بشكل خاص
السيد: عيسى أبو الرّاغب

أرض الحكايا / إبداعة جديدة قيمة للقاصة الشابة الجميلة الدكتورة سناء الشعلان، حوت بداخلها كلمات عذبة وكنوز نفيسة، استطاعت من خلالها القاصة أن تجعل القارئ للمجموعة يتذوق كلماتها ويتراكض مع أنفاسه لاستكمال كلمات كلّ قصة.
فكانت بحق مصافحة عذبة مع الإبداع، فَوَجب على كلّ قارئ لتلك الإبداعة أن يصفق طويلاً، ويُدين بعظمة قلم الأديبة الدكتورة سناء الشعلان، فقد كانت الدكتورة سناء موفقة في أن تصنع في مجموعتها القصصية تناغماً عذباً غيرَ معقدٍ بين الفكرة والوسيلة، وتضع بين أيدينا أسلوبها الذي امتازت به.
ولكن كما لها الحق أن ندين بجمالية وروعة كلماتها، لنا الحق أن نتوقف عند بعض محطات المجموعة، وإن كان وقوف نقد، فإنّه بالمقابل وقوف إحقاق حق لأديبتنا الرائعة. نعم نقولها وبكل صراحة أنّ الأديبة القاصة الدكتورة سناء كانت موفقة بشكل ملحوظ في التنظيم الداخلي للخطاب القصصي، وجعلت السمة البارزة ذاك الأسلوب الذي عُرفت به، وهو إظهار الحدث بشكل واضح صريح يجعل من يدخل فيه يشعر بنشوة غريبة.
وكان الرابط الوظيفي لإبراز الفكرة عند أديبتنا قوي مميز، فكان لنا وقفة مع السّرد في قصص الأديبة، فكلنا نلحظ أحياناً إطالة السّرد القصصي على حساب الفكرة الأم.

· إهداء مسروق:
هكذا بدأت الكاتبة مجموعتها المميزة حتى أنها أوجدت لنا مساحة واسعة من فكرة عميقة في ذاك الإهداء أوصلت لنا الأديبة من خلال الإهداء فكرة عظيمة، وأولتنا منذ البداية بأغنية الحب الجميلة، وذاك بأن الكاتبة ركزت على نغمة الحبْ في داخل النّفس البشرية، وما يكون لهذا الحبْ من فعل السّحر في النّفس والوجود، فيصبح ذاك الحب أنشودة المطر التي تعطي الروح ألفتها وحياتها والوجود كيانه والأرض روعة الجمال، فكان منها إهداءٌ لنا معنونة "بإهداء مسروق عبر أكاذيب البحر".
· سداسية الحرمان:
اعتدنا على الكاتبة بهذا الأسلوب الشّهي أن تجعل لقصصها أبواباً، وتجعل خلف الأبواب إمّا جناناً أو نيراناً. فاحتوت سداسية الحرمان على ست زهرات، لكلِّ منها عبير خاص.
فُتح الباب أمامنا، فإذا نحن في جزيرة بعيدة نناظر ذاك المتوحش، ونتلمس انفعالاته ونسمع آهات الاحتياج لديه.
هكذا كانت منذ البداية إبداعة حقة من القاصة التي استهلت بها سداسية الحرمان، حيث أظهرت بكل جدارة مآل النفس بلا ارتباط ووصال الروح بلا رفيق، فكانت أول سداسية الحرمان "المتوحش" وبالتأكيد حاولت القاصة أن تعطينا العمق في الفكرة سواء الفكرة الوجودية أم الأدبية لديها.
وأكدت القاصة في الفكرة الثانية من المتوحش على أنّ الوقت ليس له أيّ قيمة لدى الإنسان أو بطريقة الرمز كما كتبت القاصة "المتوحش" إلا بارتباطه بشيء في داخل النّفس واستشعار اللّذة في الارتباط.
أما الفقرة الثانية من الصفحة الثانية من المتوحش، فقد نجحت الأديبة في هذه الفقرة في إبراز لغة الاشتهاء والنشوة ومدى تأثيرها في الشخص المقابل من خلال الرائحة والاقتراب، ويتضح هذا في قولها:
"لقد ألف كلّ الروائح وكلّ الأصوات حتى باتت من أبجديات بيئته الطبيعية لكن تلك الرائحة داهمته ذات صباح قد أرعبته"([i]).
ولنا هنا وقفة مع القاصة التي ارتأت إزاحة شيئًا من الستار عن مكتوم الجسد الأنثوي، وذلك لإيصال الفكرة المرادة بربط التعبيرات مع الهدف المفرد، فوضعت الإبداع الأدبي في قلمها، وأخرجته لنا كلمات اشتهائية، وإن كان منا من يأخذ على أديبتنا هذا الهدف، فإننا نقول إنّ لغة الرّبط الواضحة بين الجسد بكلّ معانيه الواضحة الصريحة وبين ما يكون له من مؤثرات إنّما أمر يستحّق الوقوف عنده، وذلك عبر قولها في قصتها".
"وكيف السبيل إلى التخلص منها، وأنقضّ على الحيوان ينوي أن يعضه ليتخلص من رغبته الغريبة، لكنه اكتفى بلمسه بشفتيه ولعقهما بشهوة غريبة"([ii]). كان هذا الذي سبق لزوم تواصل الفكرة وإيصال الهدف، وإبراز لغة الأدب العلنية عند القاصة، واستحكام النّص لغة واسهاباً غير طويل، لما سيأتي بعده، وتتابع معنا الكاتبة لتربط لنا فكرة أوصلتها لنا في البداية وهي الوقت، وهذا ليس تكراراً بقدر ما هو هدفاً وغاية لنعرف مدى أهمية الوقت عند الارتباط الروحي، وجاء هذا في: "ثم بات يشعر بشيء يسمى زمناً طويلاً إذا ما غابت خيالا"([iii]).
ومن نتاج تلك الدُّرة المكنونة من المجموعة يتضح لنا:
· إنّ الكاتبة أجادت رسم حياة الافتقاد حتى لو كان ذلك الافتقاد في العمق غير الظاهر للعيان.
· أصرّت القاصة على إظهار قيمة الجسد في كلماتها ولا سيما بوصف منطقة الصدر وتكور النهدين، وقد أدرك الكثير من علماء النفس في دراساتهم أنّ مفتاح الجسد والشهوة لدى الأنثى هو الصدر، وما يحمله من مؤثرات، ويكون الارتباط وثيقًا إذا أجاد الرجل العزف على هذا الوتر بنغم يفضي إلى داخل النفس بنشوة.
· عند الافتقاد تنتهي معاني الكلمات، وتبقى حبيسة النفس لا لزوم لها.
المارد:
نديـن للأديبة بروعة اللفظ وجمال المعنى وترابط الفكرة وقوة الكلمة من الناحية اللغوية، وقد ركزّتْ في هذه القصة على القيمة نفسها، المتوحش، وحاولت إظهار مدى الحاجة الأنثوية للحبّ في كلّ وقت، وكأنّها تريد أن تقول لنا بشكل واضح "إنّ سنين الحرمان عامل أساسي في صقل معنى الروح لدى الشخص، وأكاد أقول إنّ هذا ينم عن زفرات دفينة في نفسية الأديبة أرادت أن توصلها لنا بهمسة وضحكة وكلمة جميلة، وأن تمثل لنا حالة الافتقاد بأشكال مختلفة.
إذن في المارد نجد:
· إظهار مدى احتياج الأنثى للعاطفة، ومقدار ما تقدم مقابل الحصول عليها.
· الأنا الرجولية المتأصلة في نفس الرجل من عدم مشاركة أحد له في حبّه حتى لو كان من بني الجن ومارد في قمقم.
· لابد أن نشير هنا إلى نقطة هامة امتازت بها القاصة ألا، وهي: أجادت استخدام أكثر من مستوى لغوي – وأجادت كذلك عرض الفكرة المرادة بأكثر من أسلوب، وهذا يخدم الفكرة المقصودة بشكل واضح، ويضاف إلى ذلك أيضاً أن القاصة في سرد قصصها تحاول دائماً البُعد عن مسمى الأشخاص بشكل واضح، وهذا يخدم النّص بشكل قوي، ويدخلنا في بوتقة الخيال اللّذيذ.
الخصيّ:
وضعت الكاتبة يديها في أيدينا لنبارك لها الإبداعة الجديدة في الخصيّ إذ إنّ القاصة نجحت في أن توصل الفكرة لنا ولكل قارئ بشكل واضح، فكانت نقطة الارتكاز لدينا في الخصيّ أنّ عاطفة الانجذاب ليست في الأعضاء فقط بل وفي الروح التي تشكّل الجسد، ولكن من الضرورة
"يتخيلون أنفسهم بأعضاء كبيرة نشطة"
اكليل العروس:
كلمات جميلة وسرد رائع ولكنّه اتصف أيضاً بتكرار الفكرة، فقد طالعنا ذلك في المتوحش والمارد والخصيّ، وها نحن نجده واضحاً جلياً في إكليل العروس.
ونعترف أنّ قوة النص القصصي لدى الأديبة تجبرنا دوماً على الإكمال حتى لو كانت الفكرة مكررة في أكثر من قصة، ولا ندري أنكون منصفين إن قلنا إنّ هذا أصبح أسلوباً يميز أديبتنا في هذه المجموعة.
وفي "يخلق وجلاتها وألوانها كما يشتهي هو بالذات"([iv]) لا ندري إن كانت القاصة تريد أن توصل لنا الفكرة أم أنّ الفكرة الواضحة لنا إنّ ذاك العشق والجمال العظيم صناعة بحتة خالصة من داخل النفس.
وفي هذه القصة لامسنا في السّرد حالة فوضوية نفسية في داخل بطل القصة "شوشو" وكانت هذه الحالة تبلغ أقصاها بوجود النساء، فكان يرسم رجولية على جمالهن، وكان هذا في "رائع – إبداع يا شوشو، يقترب باسماً من خد العروس قائلاً: كعادته كلما انتهى من تجميل عروس – ألن تكون القبلة الأولى لي".
فتى الزهور:
قـوة النّص اللغوي = السّرد القوي وإيصال الفكرة بسلاسة كانت النّمط الواضح والسائد في قصة فتى الزّهور. وقوة النّص تتضح جلياً في وحدة عضوية واحـدة مترابطة أظهرتها الشعلان بترابط النّفـس والروح والجسد بطريقة عذبـة خالية من الافتعال:
"يشعر بلذة كبيرة لا يعرفها إلا من أتقن قراءة الوجوه وفك معاني النظرات والخلجات"([v])
"انتظر طويلاً أن تأتيه زهرة، زهرة واحدة عاشقة وفي مقطع يعترف بأنه لا يحب الزهور"([vi])
فقد كانت القاصة مجيدة بقوة حتى أنها أوصلتنا إلى جمالية الزهور وعذوبة رائحتها.
الثورة:
ها هي القاصة الأديبة الدكتورة سناء تشعل في داخلنا من جديد في نهاية سداسية الحرمان وفي سطور أجادت تسميتها "الثورة" الحبّ والهيام، وتعرّفنا كيف يكون وما يصنع في النّفوس وتجعلنا نتألّق في سنا الألفاظ السّاحرة الرقيقة، فقد جاءت كلماتها مركبة تركيباً عجيباً، وعرضت الفكرة والهدف بأسلوب جميل يتسلّل إلى القلب بسهولة.
نهاية سداسية الحرمان:
لنكن منصفين بحق كاتبتنا وأيضاً لنكن منصفين بحق أنفسنا، السّداسية كانت إبداعة حقة كما قلنا سابقاً أبحرت فيها الكاتبة الأديبة في بحور اللغة المتينة وترابط الفكرة والقصّ الجميل الاستثنائي والسيطرة الإيحائية بشكل تام على القارئ مهما كان مستوى ثقافته. مع أنّ الفكرة في سداسية الحرمان واحدة حاولت إظهارها الكاتبة الأديبة بأكثر من شكل وإبرازها بعفوية فطرية من داخل نفسها إلا أن هذا كان في بعض الأوقات يشعر القارئ بالوقوف عند نقطة واحدة، ونخلص إلى القول إنّ الأديبة تعرض فكرة منبعها النفس البشرية تؤدي بنا إلى التخلص من كل أثقالنا وهمومنا عن طريق الكلمة العذبة والدّخول في حالة الخيال الجسدي البحت ويبقى هذا المكنون دفين نفس أديبتنا لا ندري لما؟!
أكاذيب البحر "أكذوبة الجزر":
تكاد تدخل الكاتبة في هذا النص القصصي في بحر الشّعر وتظهر مدى إبداعها في ذلك، تتخطّى التفاعيل وتدخل حدود الحوار المتقن بين الشخوص وتتدارك وقع الكلمة وسرعتها، وهذا كان في بحر قلبي – إذن أنا أكذوبة.
دعنا من الأكاذيب عندي لك مفاجأة ... وما هي هذه المفاجأة ضمن ...
- ونفس الشّعر واضح في كلّ القصة
وفي هذه القصة أعطتنا الشعلان واقعية تحاصر ذاك الصيّاد والناسك وصاحب العمامة السوداء، وتطلب منا أن ندرك المعنى الخفي المتمثل في أنّ حالة العشق نتاج الحرمان طوال سنين العمر.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية