المظلة

إبداع ونقد

السماوي لمليكة نجيب

السماوي لمليكة نجيب
مصطفى لغتيري
 
 

تتميز الكتابة القصصية عند الكاتبة مليكة نجيب، كما تجلت من خلال مجموعتها القصصية" السماوي" الصادرة عن منشورات القلم المغربي سنة 2006 ، بتجاذب قوتين  خفيتين مهيمنتين  ، ومؤسستين لوعي ولاوعي الكتابة : قوة المعاصرة ،بما يعني ذلك من حضور لافت لوسائل التحديث  كالطائرة  و الأنترنيت  و غيرهما  ، وقوة التقاليد الموغلة في العتاقة ، والمتمثلة في بعض مظاهر التفكير الخرافي و الشعوذة و ما إلى ذلك.

 و يمكن لمسح سريع  لمضامين القصص أن يضعنا في صلب هذه الازدواجية التي تتجاذب أحداث المجموعة و شخوصها.

ففي قصة"السماوي"  نلفي الشخصية الرئيسية في القصة تسافر جوا عبر الطائرة ، إلا أن الطقوس التي تمارسها أثناء الرحلة ، تجعلنا نقف على  هول المفارقة بين الوسيلة  الموظفة في التنقل و الوعي المصاحب لها ، وقد عبرت الساردة عن ذلك باستلهام بعض الذكريات المؤثثة لوعي الشخصية  و المستقاة من الحكاءة الأزلية، أقصد الجدة ، حيث كان التعارض واضحا بين  الطائرة كوسيلة نقل حديثة  و بين ذلك العملاق الأسطوري ، الذي تتحدث عنه الجدة ، و الذي " يحمل المؤمنين فوق كفه لزيارة قبر النبي ، و إعادتهم بعد انتهاء الزيارة  ، وقلما ينتبه المحيطون بهم لذلك ، فكلما تعمق  إيمان  الشخص إلا و سهلت  رحلته ، و أكدت للحفيدة أنها خلال نوبات تدخل بعدها في غيبوبة لتفيق منها، و هي فوق كف العملاق الأسطوري يعيدها إلى مكانها بعد تبركها بالزيارة" ص12

و لا تتواني الشخصية الرئيسية – وهي تقوم برحلتها- من أن تردد بعض الأدعية السادرة  في شعبيتها ، لحمايتها من حادث طائرة محتمل ،قد شكل لها هاجسا حقيقيا ، تقول الساردة في هذا الدعاء " آ رجال البلاد ، آ مولاي بوشعيب ، آ للا عايشة البحرية  احموني راني في داركم" ص11

 و في قصة "يوم سعيد" تسلك الكاتبة نفس النهج ، إذ عمدت إلى اللعب على نفس الإزدواجية  من خلال المزج الإرادي و المعبر ما بين تقنية اتصال حديثة " الأنترنيت " و بين الأبراج التي تطمح  لتعرف بواسطتها حظها و مستقبلها ، و كأن الكاتبة تضعنا – من خلال هذا الطرح- أمام مفارقة تستحق التأمل و الانتباه ، وهي بذلك تفتح أعيننا على حقيقة صارخة ، مفادها أن حداثتنا معطوبة بحق ، لأننا اكتفينا بامتلاك الوسيلة، دون أن يصاحب ذلك امتلاك للوعي الحداثي المناسب و المؤطر لتلك الوسيلة.

 وتعد في هذا الصدد قصة " طلطوش" معبرة بحق عن هذا التوجه  ، إذ  يقف المتلقي وجها لوجه أمام  شخصية مستلبة إلى أبعد الحدود ، يتعلق الأمر بامرأة عصرية بكل الموصفات  ، تشتغل  في شركة عصرية، و نمط حياتها  يسير على خطى العصرنة ، غير أن عقدة عدم الحصول على زوج "العنوسة"  تحيي في أعماقها الإيمان الخرافي ، فتلتجئ إلى  حل بعيد عن كل الموضعات العقلانية و الواقعية  ، يتمثل في زواجها من جني  سيسافر بها بعيدا إلى بلد ناء..هكذا  تضع الكاتبة أصبعها على الجرح الدامي لتوقظنا من أحلامنا الوردية، وتقول لنا أنه مهما ادعينا من عقلانية تفكيرا و سلوكا  ، فإن أزمة وجودية أو نفسية  حقيقية من قبيل أزمة العنوسة أو المرض كفيلة لترمي بنا في مهالك التفكير الخرافي، البعيد كل البعد عن ما نتصوره عن أنفسنا من أننا متشبثون  بالعلم  ،و متمسكون  في حياتنا بالأخذ بالأسباب.

إن هذه الثنائية التي تحكم نصوص  مجموعة" السماوي" لمليكة نجيب ناهيك عن أسلوبها السلس ولغتها السردية الناضجة  ، تجعل منها مجموعة جديرة بكل اهتمام .



أضف تعليقا