المظلة

إبداع ونقد

قافلة العطش لـ سناء شعلان )الحبّ حرفة إنسانية في فضاء غرائبي )

 

قافلة العطش لـ سناء شعلان )الحبّ حرفة إنسانية في فضاء غرائبي )

ابراهيم عقرباوي

 

" ورحلت قافلة العطش ، كانت عطشى إلى الحب ..."

بهذه الكلمات تفتتح القاصة سناء شعلان أولى قصصها وكأنها توقد أولى شمعاتها التي تنذر بضياء هائل أو حرائق بحجم الحب ،وتمهد الطريق أمام القارئ ليفتح باب الحكاية تلو الحكاية المتوالدة من تنور أرقى مشاعر الانسان صفاءً . الحب ولا شيء غير الحب .

لا هاجس لدى الكاتبة في ( قافلة العطش ) سوى تأكيد هذه القيمة والاخلاص لها والدفاع عنها برؤية فنية ولغة تعبيرية موحية ، وهذا ما جعل قصص المجموعة تتسم بوحدة الموضوع أو الحدث وتتباين في طرائق المعالجة عبرلجوء الكاتبه الى تقنيات متنوعة والافادة من تعدد مستويات السرد الواقعي وان انطلقت احيانا من رؤيا فانتازية بدخولها دائرة اللامعقول حيث تدفق الزمن وغياب المكان .

وبنظرة فاحصة لمحتوى هذه المجموعة نلاحظ ان قصصها توزعت بين الواقعية والغرائبية وان كنت اميل الى ايقاع الواقعية لقربها من ذائقة وفهم القارئ أكثر مما سواها . لذا ارى لزاما البدء باستجلاء اجواء القصص الواقعية المتمثلة بـ( النافذة العاشقة ) وفيها : ( آمال أمراة عادية ، لم تكن تأبه بجسدها الذي ترهل دون مبالاة بأعين الرقباء ولا بملابسها ذات الموضة القديمة المنسية ،ولا بخضرة عينيها اللتين غرقت فيهما الاحلام منذ زمن طويل ... ص15) .

انها أمرأة لها بيت وزوج وأولاد ، وغدت في خريف العمر كغيرها من النساء لكنها تفتقد دفء العلاقة مع زوجها اذ تمر اللحظات معه مثل التقاء غريبين في مرفأ عتيق ، ثم سريعا يلوحان لبعضهما بالوداع دون ادنى مشاعر . وينبثق امامها ابن الجيران الشاب الاسمر ذي الهدبين السرمديين بنظراته الفضولية والذي استطاع ان يضرم في داخلها مشاعر كانت خامدة وجعلها تفكر فيه وتلازم نافذة مطبخها ، غير انه يسافر بغتة ويتركها وحدها مع نافذتها الحميمة لتبقى اسيرة هواجسها وخيباتها ( كانت سعيدة ، سعيدة ، سعيدة جدا ً ... هكذا كانت تصنف نفسها لنفسها ، التي كانت تعجب منها عندما تتكوم بلا حيلة على بلاط المطبخ الى اسفل نافذتها العاشقة وتنتحب بحرقة ... ص19).

ثمة امرأة هنا يحيق بها السأم ، ويعتريها جفاف المشاعر ، وتعاني تجمد علاقتها بأقرب الناس اليها _ زوجها_ انه خريف العمر المفضي الى شيخوخة لاترحم، وماذا بعد ؟ النافذة حلمها الاثير . حلمها الذي تكافح كي لا يتبدد .. وهي لا تكافح الا بدموعها . انها امرأة مستكينة لظرفها ولا تملك فكاكا من واقعها المظلم .

وتنتقل بنا الكاتبة في ( قطار منتصف الليل ) لتحكي لنا قصة رجل ذهب في موعد غرام ليقابل فتاة جامعية احبها دون ان يراها وبدلا منها سارعت معلمتها للقائه لغاية نبيلة في نفسها ، ولكن الامور لا تجري كما هو مخطط لها ، ويقر قرارها ان تخطو باتجاهه وتحتضن باقة الزهور التي جلبها معه ..

تظهر لنا الكاتبة نموذج المرأة المغامرة التي لا تملك أمام وهج الحب المنبثق من باقة الزهور الحمراء انصرافا . والفكرةهي ان المرأة أبسط مما نتخيل ، ولا يستولي على كيانها وعقلها شيء كالحب .

أما ما نعاينه في ( تحقيق صحفي) فهو نموذج المرأة المتمردة على واقعها وظرفها الاجتماعي . هي المرأة التي يمارس الزوج بحقها فظاظته وقسوته بدنيا ونفسيا وما ان تلوح أول بارقة حب أمام ناظرها حتى تحرق السفن ورائها وتغذ الخطو باتجاه القلب الذي يناديها .

الى الصحراء العربية جاءت لعمل تحقيق صحفي حول إحدى القبائل البدوية ،فتلتقي ( الطالب رجب ) الرجل المهذب الرقيق الذي تفضي لقاءاته بها الى الزواج بعد تطليقها من زوجها بحسب عرف القبيلة      (تذكرت ذلك الزوج الذي يسن  اسنانه، يأكل جسدها ثم يوسعها ضربا وإهانة ص69) . 

ولا تخرج قصة ( احك لي حكاية ) عن سياق ( تحقيق صحفي ) حدثا ومعالجة وكأن الامان المتحقق بالحب هو هاجس المرأة وطوق نجاتها الوحيد . المرأة التي تكابد ذاتياً جرّاء علاقة بائسة مع زوجها ،     فتفر بروحها الى من احبت في زمن غابر: ( انت لا تعرف شك وحيرة وشوق وصبر امرأة تنتظر رجلا من ألف عام ص81/  وتطلقت من وسام ذلك الرجل الذي ضم جثماني تسعة اعوام كاملة ثم يأس مني ص83) .

وتتشابة النهايات باهداء باقة ورد حمراء الى القلب المنشود .

أما قصة ( قلب لكل الاجساد ) فالرؤية مغايرة إذ تنكفئ المرأة العاشقة على نفسها بعد انقطاع حبل المودة فيما بينها وبين فارس احلامها الذي حرمها من عذريتها ذات شتاء . وامعانا في جلد نفسها بل تحطيمها تسقط في وحل الرذيلة ، لتقتات على مرارة الذكريات وآثام الحاضر : ( وغاب الفارس وغاب اللقاء ، وغابت الفتاة المتدينة ، وبقيت الخطيئة ص74) .

 

ان هذه الطائفة من القصص باحداثها وأجواءها ونهاياتها هي ابنة الواقع ووليدة شروطه الموضوعية ، آثرت عبرها الكاتبة طرح قضية انسانية اساسية في حياة المرأة والرجل على السواء ، مع التشديد على ان الادب ليس نقلا حرفيا لوقائع حياة الشخصية في ظل علاقاتها الاجتماعية السائدة بل هو اعادة انتاج للواقع بغية الوصول الى حالة انسانية أرقى .

وفي هذا الاطار فان النماذج الاجتماعية المطروحة للمرأة عبر قصص سناء شعلان لم تتجاوز نموذج المرأة المستلبة المهزومة المستكينة لواقعها ، ونموذج المرأة المغامرة المتمردة على املاءات العادات القاهرة والاعراف الخانقة ، وهي بهذا بدت وفية للواقع من جهة ، ومخلصة لقضية المرأة في الحياة من جهة ثانية .

وبمتابعة ما تبقى من قصص المجموعة نلحظ لجوء الكاتبة في بناء منجزها الحكائي باعتمادها الغرائبية نهجا وحيدا ناظما لكافة خيوط النسيج القصصي ، ويتجلى ذلك في إدهاش القارئ وايهامه بشده الى حدث يحسبه واقعيا ويؤول بعد البدايات الى عالم فانتازي يمتد خارج حدود العقل والمنطق . انها لعبة استدراج أجادتها الكاتبة واستمرأت استئنافها في العديد من القصص على نحو يثير الفضول والاسئلة ، وهي بمجملها تأتي في سياق سردي يتضمن خطابا موحدا يقوم على فكرة ان الحب هو الذات العليا في الانسان، وان تشابهت القفلة احيانا ، ففي قصة ( الرصد ) تختطف الجنية الافعى عزوز الى مملكة الجان لانها عشقت في عينه شيئا لم تره من قبل في عين انسي . وكذلك الامر في ( بئر الارواح) التي تطالبها الزوجة باعادة روح زوجها اليها فتستجيب لنداءاتها في النهاية وتمنحها تلك الروح التي تخترق جسدها بعنف . ولا تفترق (زاجر المطر ) عن سابقاتها باختراق الفتى العاشق لكيان الفتاة البلاستكية الواقفة خلف جدار بيع الملابس الزجاجي ، والتي تخاطبه بانها ( أكثر اشتياقا )

انه الحب الاصيل بأبهى صوره حد الاستغراق والفناء في ذات المحبوب  ، ويالها من نهايات !

اما في قصتي ( الفزاعة / امرأة استثنائية ) فنرى الحياة تدب في الجمادات لتستحيل الى كائنات من لحم ودم ( الفزاعة في الحقل / تمثال صخري / صوره في لوحة ) ونعاين سعيها الحثيث نحو من منحها سر الحياة ، صوب من أفاض عليها سحر روحه بكلمة واحده فقط ( أحبك ) مما يعني اننا بالحب نحيا يقينا .

 

انها قصص تمجد عطاء القلوب ، وتعلي من شأن قيمة الحب في حياة تمور بالضغائن والاحقاد ، وتعظم ذات الانسان بوصفها ذاتا عليا أقرب الى السماء منها الى الارض ، وبنفس الوقت تمنحنا مفاتيح ابواب ان و  لجناها  لا بد سنرتوي .

    برعت الكاتبة في صياغة قصصها المتوفرة على العناصر الرئيسة من بداية وحدث وحبكة وخاتمة بلغة سليمة رشيقة محكمة وان اقتصدت في المقاطع الحوارية  التي تكسر رتابة السرد . وجاءت قصصها مفتوحة على الزمان ، مستخدمة تقنيات متعددة في الشكل، ومستعذبة الاشتغال على وحدة الخطاب .

__________________________________________

       سناء شعلان: قافلة العطش، ط1،بدعم أمانة الكبرى، دار الوراق للنشر والتوزيع،عمان، الأردن،2006. 

 

 

 


الغلاف


ابراهيم غقرباوي



أضف تعليقا