عن ذلك الرجل....
إلى ذكرى أبي
المصطفى الدقاري
كومة الكتب أمامي، مربوطة بقنب .. ما علي سوى فكها واختيار ما أريد ... كلها مخطوطات، كنوز حقيقية مدفونة في هذه القرية النائية . أمد يدي لفك الحبل وأتصفح العناوين، رغم أن جلها لا يحمل عناوين.. سأنفض عنها الغبار وأختار ما أريد.. ما أراه نافعا...أمد يدي ألمس الكتب. أتمعن فيها.. أنظر حولي، فأجد أخي وزوجته والصغيرين ينظرون إلي. أتطلع إليهم، أنتظر تشجيعاتهم... لكنهم ظلوا خلفي جامدين... تغادر زوجة الأخ الغرفة. أجلس القرفصاء ويدي على الكتب.. كأني أتبرك منها. أرفع عيني إلى الجدار أمامي ... فأراه منتصبا بجلبابه الصوفي الأبيض وعمامته ولحيته الخفيفة... ابتسامة خفيفة ترصع الصورة.. تلك الابتسامة.. أنا الوحيد من يراها.. كلهم يرونه من خلال الصورة صارم الملامح، إلا أنا... أراه مبتسما. بدا لي خارج إطار الصورة ينظر إلي تلك النظرة .. التي لها أكثر من معنى... سحبت يدي عن الكتب... وبقيت أنظر إليها... التفت نحو أخي. رأيت ما يشبه الدمع يملأ جفنيه ... لا ينتظر إلا حركة واحدة مني لينفجر البركان.. وتتطاير الحمم.. لم أرغب في ذلك .. رفعت بصري نحوه قائلا:
- سي أحمد لنخرج قليلا.
وكأنه كان ينتظر تلك الإشارة.. لم يهتم حتى بالصغيرة التي ظل بكاؤها يطاردنا ونحن نبتعد عن البيت.. لم ترض أن يخرج من دونها ... في الطريق، كل واحد ما غارق في نفسه ... وهناك تذكرته.. لن أنسى ذلك اليوم... وأنا أحدثه عن التعاونيات الفلاحية...كنت أفصل الحديث، وأشرح مبسطا الخطاب.. أرتب جملي في عناية. وعندما أنهيت عرضي، قال لي ببرودته المعهودة:
- هذا كلام الشيوعيين.
عبارته تلك لم تكن صدمة.. بل رجة قوية، زلزال هز كل أفكاري.. أردت أن أسأله كيف عرفت أني شيوعي. لكني لم أقو على لم شتات أفكاري.. شعرت بنوع من الإفلاس الاستراتيجي ... في المساء ، استرجعت شريط النقاش.. كيف تطور إلى أن قال جملته.. قالها وهو هادئ كعادته... فتذكرت أستاذ التاريخ... عندما احتد النقاش بيننا، فقال لي هازئا من حماسي للثورة:
اذهب عند فلاح وسيشرح لك معنى المادية التاريخية.. يومها لم أفهم كلامه. حسبته لم يقو على مسايرتي في النقاش، وأنا التلميذ الذي قرأ ودرس كل نظريات الفكر الثوري...فكيف لفلاح أن يشرح لي .. هذه هي السخرية عينها!
لكن يومها فهمت كلام أستاذي.. وفي ذلك المساء لم أفارقه.. أردت أن أصارحه بانتمائي.. لازمته ...أول مرة تنهرني أمي وتأمري أن أتركه ينام ... لكني لم أنم. كانت عبارته توخزني، طردت عني النوم ... وتذكرت... كتبه التي لا يترك أحدا يقترب منها. كم مرة وبخني فقط لاقتراني منها... تذكرت أصدقاءه .. الذين لا نعرف لهم أسماء.. يأتون من مدن بعيدة .. يمكثون الليل في تلك الغرفة القصية من البيت الواسع.. لا أحد من إخوتي يزورهم إلا أنا.. أنا من يخدمهم.. أحمل إليهم الشاي والطعام... ما أن أدخل الغرفة حتى يسود الصمت... وفور مغادرتي تعاود الألسن الكلام... ماذا يناقشون؟ لا أحد يعلم! أحيانا أتلكأ في مغادرة غرفة الاجتماع... بنظرة واحدة يجعلني أراجع قراري وأغادر ... في الصباح أستيقظ باكرا .. أجده كعادته مستعدا ليوم شاق في أعماله التي لا تنتهي.
أعادني أخي إلى زمني .. وضع يده على كتفي قائلا:
- عندما نعود، سأساعدك في تصنيف الكتب.
- لا.. أفضل أن نرجعها إلى مكانها.
الرباط في 26/05/2008
الثلاثاء, 27 مايو, 2008
أضف تعليقا









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية