المظلة

إبداع ونقد

القصة المغربية الحديثة: القضايا والرهانات

القصة المغربية الحديثة: القضايا والرهانات

 

نظمت جماعة الكوليزيوم القصصي بتنسيق مع مؤسسة البشير للتعليم الخصوصي حلقتها العلمية الخامسة لمناقشة موضوع "القصة المغربية الحديثة: القضايا والرهانات"، وذلك بقاعة المحاضرات بالمؤسسة.

خلال الجلسة الافتتاحية تم إلقاء كلمات كل من المؤسسة المحتضنة والكوليزيوم القصصي مع التركيز على أهداف الشراكة واستراتيجياتها المستقبلية وكذا على أهمية موضوع الحداثة في الأدب عامة والقصة القصيرة خاصة.

ناقشت الجلسة الأولى التي سيرها الأستاذ عبد الفتاح شهيد قضايا المحور الأول الذي تم تخصيصه لأسئلة الحداثة الأدبية، إذ قدم الأستاذ محمد عزيز المصباحي ورقة موسومة ب: "مآزق الحداثة الأدبية" مشيرا إلى أنه لا يمكن للعين المجردة أن تدرك بسهولة أن "الحداثة" بمفهومها التاريخي/الحضاري تشكل بالنسبة للمجتمعات العربية إشكالية حقيقية. كما يمكن أن تدرك، وبسهولة أيضا، أن إشكالية العالم العربي، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، هي الحداثة بالذات. كما يمكنها أيضا أن تدرك أن الأدب العربي الحديث حقق حداثته الغريبة رغم أنف مجتمعات  قبل رأسمالية، إذ لا تزال ترزح تحت نير الأمية والقبلية والإخصاء الفكري والثقافي والسياسي والاقتصادي حيث يتعايش المحراث الخشبي الذي اخترعه قدماء الرومان منذ آلاف السنين جنبا إلى جنب وقصيدة النثر والقصة الكبسولة وآخر صيحات الحواسيب الالكترونية... لكن أم الإشكاليات بالنسبة لنا هي أننا لا نملك لغة حقيقية، فعلية، حية بإمكانها أن تحتضننا وتحتضن مشروعنا المحقق لهويتنا ولحداثتنا الممكنة، أو على الأقل أن تخلصنا من هذا الخليط اللغوي الذي يفتتنا ويجعل تواصلنا اقتتالا وعواطفنا وردود أفعالنا نفاقا ومواربة وانفصاما.. فلا حداثة بدون لغة حية مستقلة حاضنة لإنسانها. ما هي لغتنا بالضبط؟

ثم تلاه الأستاذ محمد أمنصور بمداخلة عنوانها "حداثة الأدب القصصي في مواجهة سلطة الشاشات"، تساءل خلالها بنوع من اللاأدرية عن مصدر سؤال الحداثة الذي تسرب إلينا؟ فلا نحن من راود حلم محمد علي في النهوض والتغريب، ولا مجتمعنا عرف أو يعرف زلازل التحول الصناعي والتكنولوجي والنووي، ومع ذلك، نصر نحن الأدباء والكتاب على العودة باستمرار إلى هذا السؤال الذي من فرط تكراره أكاد أقول صار مبتذلا. أو لم يعد البريق الذي كان يغري باقتفاء الدلالات الغامضة لمفردة الحداثة باهتا أو في حكم المتلاشي، خاصة مع زحف الأصوليات القديمة والجديدة المقنعة بالدين والسياسة والأدب ذاته؟

أما الأستاذ محمد فخر الدين فقد ذهب إلى تسليط الضوء على بعض مؤشرات الحداثة من خلال نماذج القصة القصيرة جدا عند كل من محمد اشويكة ومحمد تنفو، ليخلص إلى أن الحداثة الأدبية لا يمكن فهمها إلا من خلال اللغة والوعي النظري وتوظيف مناهج متعددة داخل القصة لأن هذا النوع من الكتابة منفلت لا يمكن الوصول إلى فتح مغالقه إلا عبر الاستعانة بحقول معرفية متعددة.. غالبا ما ينهل منها النص وصاحبه.

 

أما الجلسة الثانية التي سَيَّرَهَا الأستاذ محمد الروحي فقد ناقشت أسئلة الحداثة القصصية وساهم ضمن مجرياتها الأستاذ أحمد الويزي بعرض موسوم ب: "ملاحظات أولية بصدد المشهد القصصي الحديث"، جاء فيه بعد الاحترازات المقدّمة في بداية الورقة، والتي تلح جميعها على أن المتدخّل قد صاغ ملاحظاته من داخل فعل الكتابة أولاً، والمتابعة القرائية ثانياً لتطور القصة القصيرة في المغرب المعاصر، ومن ثمة لن تسلم أو تخلو ملاحظاته من طابع التعميم والذاتية.

بعد ذلك، انتقل العرض لوصف واقع القصة القصيرة الحداثية بالمغرب، وسجّل مايلي:

ـ عدم التلاؤم بين الوفرة الملحوظة في الكمّ القصصي المغربي (ما يقارب 210 مجموعة قصصية، ما بين 1991 و2004)، وبين المتابعة والمواكبة الشاملتين للمنتوج.

ـ عجز نقدي عن التصنيف والتقويم من جهة، ومسؤولية الكاتب عن هذا الوضع من جهة أخرى، بفعل إغراقه على العموم في بعض النزعات.. ثم انتقل العرض بعد ذلك، لتقديم بعض المظاهر العامة المهيمنة على المتن القصصي الحداثي بالمغرب المعاصر، ومنها:

ـ  أغلب الإصدارات القصصية لا تنتظم في مجاميع مهيكلة في مشروع مؤطر وناظم.

ـ غلبة طابع التكرار والنسخ على مضامين وموضوعات القصص الحداثية.

ـ اقتراب القاص الحداثي من الكتابة، من موقع الرغبة والاطمئنان، لا من موقع الرهبة والقلق الفكري والأدبي.

ـ عدم اكتراث القاص الحداثي بالتراكم العام في سيرورة القصة الحداثية بالمغرب، قدر اكتراثه بإعلان "زعامته" و"ريادته" على الملأ.

أما مداخلة الأستاذ علي الوكيلي المعنونة ب "أدبية اللغة المغربية في القصة القصيرة" فقد انكبت على معالجة قضية اللغة الدارجة في الكتابة القصصية، إذ اعتبر أن اللغة العربية التي ينعتونها بالفصحى تحقيرا لما عداها، ليست فصيحة تماما، لأنها شبه ميتة. قواعدها ومعجمها وتركيبها لم يتطور منذ ثمانية قرون قبل الإسلام، وهي من أعقد ما هو موجود على الأرض، لأن ظاهرة الإعراب المميز للمعنى موجود فيها وحدها، ولذلك فهي لغة نادرة بين اللغات التي تستعصي على القراءة أولا قبل أن تستعصي على الفهم، ومن هنا لا داعي لاحتقار اللغة المغربية، التي وإن لم ترق إلى مستوى من النضج التقعيدي والتنظير الدارس لبنائها ومعجمها فإنها حية بالاستعمال اليومي لها، وهذا للتذكير منذ وجودنا في رحم أمهاتنا.

ركز الأستاذ عبد الرحمان التمارة في مداخلته الموسومة ب "حداثة اللغة والبناء في القصة القصيرة الحديثة: التجلي والدلالة" على أن فهم الحداثة يتأسس على تجاوز الخوض في مفهومها من منظور نظري خالص، لأن ذلك غير قابل للحسم النهائي؛ كما أن الحداثة قضية إشكالية نابعة من هوية المصطلح في ذاته، وفي امتداداته الشائكة والمقلقة. لذلك، انبنى الحديث عن حداثة القصة القصيرة على مقولات "المغايرة" و"الانفصال" و"التحول".. التي يمكن أن يحدثها النص القصصي مع غيره من النصوص القصصية الأخرى، سواء في بنيته اللغوية التي يسمها التمرد على القوالب الجامدة، أم في بنيته البنائية التي تتجاوز النظام التقليدي المألوف. أشار الباحث إلى أن الحديث عن الحداثة القصصية يتخذ مستويين: الأول يعالج الأداة البانية للنص القصصي، والمتجلية في اللغة القصصية عبر تحديثها من زاوية النحت والتوصيف اللغويين، أما المستوى الثاني فتناول البناء الفني لهندسة النص القصصي؛ إذ تم التركيز على مجمل العناصر التي تبني النص القصصي القصير جدا، باعتباره استجابة فنية وفكرية لحداثة قصصية.

في نهاية الجلسة الثانية قدم الأستاذ محمد اشويكة ورقة اختار لها عنوان: "أحاديث في الحداثة القصصية إذ قدم أطروحة استلهم من خلالها قولة أثيرة في المنعطف الفلسفي للحداثة: القصة بنت المدينة، بل لقيطتها... مطورا إشكاليات ترتبط بالشروط الإبستيمية التي يتحرك فيها القاص، فقد اعتبر أن القولة المشار إليها كادت تصير كلاسيكية في متن النقد القصصي! هل يعني هذا أن من يكتب قصة عن القرية ليس قاصا؟ هل القصة لا تحتوي القرية؟ يظهر أن الجواب عن هذه التساؤلات مرتبط بالحداثة القصصية سيما وأن العديد من "الناس" حتى لا أقول القصاصين، يعتبرون القاص من لا يكتب عن القرية وعن التقاليد وما ارتبط بذلك! المدينة في ذهن القاص، ولا يمكن للقاص أن يذوب فيها إذا ما تحدثنا عن عوالم الصخب والضجر... وقد خلص إلى أن الحداثة حالة ذهنية يعيشها القاص بكل مفارقاتها ما دام المجتمع لم يصل إليها بشكل كلي.. فخصائص المدن في المغرب لا ترتبط بمثيلاتها الغربية في كثير من المناحي، فالأولى انطلقت من المَحََلة، والثانية انطلقت من الساحة (الـ Agora اليونانية مثلا) وما ارتبط بها من نقاش حول الإيتيكا والبوليتيكا والفلسفة...

كما تَمَنّى في نهاية مداخلته ألا نكون أشقياء وهم الحداثة.. فيتحول وعينا الإبداعي إلى شقاوة! لأن من أوجه الشقاوة الحديث عما لا نعرف متناسين أن رأي غير العارف لا يعتد به.. وأن من لا يستطيع أن يساير تراكمات الزمن.. أشقى أشقياء الحداثة.

وفي ختام هذه الحلقة الدراسية، قدم الأستاذ رشيد البوشاري مجموعته القصصية "أجساد... وقبرة" وذلك عبر قراءة بعض نصوصها، ثم تلاه الأستاذ محمد تنفو ليسلط الضوء على "مدار السلمون"، الإصدار الأول لجماعة الكوليزيوم القصصي عبر إجابته عن سؤال: لماذا السلمون وليس سمكا آخر؟ فالسلمون حسب رأيه ليس سمكا غبيا كما يظن بعض القوم، وليس كائنا متهورا كما يعتقد العوام، وليس انتحاريا كما يحلو للبعض وصمه. إنه كائن الحكمة والفطنة والتعقل والاعتدال.. فالسلمون لا يسبح ضد مجرى الماء كما يتوهم البعض، بل ضد مجرى الكائنات التي تشبهه، وجماعة الكوليزيوم لا تسبح ضد مجرى القص، بل ضد مجرى الكائنات القصصية التي تعيث في المستنقع قبحا. ولماذا السلمون أيضا؟ لأنه عمق الفكرة: السفر والخصوبة والتحول؛ ثم الموت الذي ليس موتا وإنما انبعاث إلى ما لانهاية.

وبعد عرضه لأهم محاور الكتاب، ألمع الأستاذ تنفو إلى أن كتاب مدار السلمون قد ذيل بكرونولوجيا أنشطة الكوليزيوم القصصي، بدءا بالحلقات الدراسية الوطنية، وصعدا إلى الصالونات الأدبية، وانتهاء باللقاءات المشتركة؛ وبالمواقع الإلكترونية لأعضاء الكوليزيوم وموقع الجماعة.

تجدر الإشارة إلى أن حلقات الكوليزيوم تكون منفتحة على جمهور نوعي يساهم بشكل فعال في النقاش.

 

 

اللجنة الإعلامية للكوليزيوم



أضف تعليقا