
داخل فضاء الهمذاني ، كان الموعد مع الشعر في إطار سلسلة كاتب وكتاب،الذي
أشرف على تنظيمه الصالون الأدبي ،وذلك يوم السبت 29مارس8 200على الساعة الثالثة بعد الزوال .
افتتح الجلسة الأستاذ سعيد جومال،مرحبا بالحاضرين،معتذرا لجمهور الدار البيضاء عن غياب الصالون الأدبي عن نشاطاته داخل فضاء الهمذاني ،ذلك لكثرة انشغالا ته بإحياء مهرجانات شعرية و إقامة ندوات أدبية نقدية و إبداعية في بعض مدن المملكة .و احتفاء بالشعر في يومه العالمي ، بادر الصالون الأدبي إلى استضافة الشاعر المتميز محمد بن طلحة الذ ي قال فيه سعيد جومال كلمة تليق بمقامه الكريم.
بعدها تناول الشاعر الكلمة،وبالتهيب ذاته و الإمتنان الكبير،حاول أن يلم شعت مشاعره كما قال،ليقدم الشكر للشعر أولا لأنه كان و مازال يتصور(أن ذلك الشعر هو الذي يقال في يوم عاد). فيمكن للشعر أن يهب من أي جهة وله أن يرفع العادي إلى الاستثنائي . وهذا ما قام به في هذا اليوم المبارك"29 مارس "الذي يشهد ميلاد ابنه. يقول :أنها هدية من الشعر و من الصالون الأدبي ،ونوه بأعظم مفاجأة:هي حضور شيخ القصة المغربية الأستاذ أحمد بوزفور الذي يحظى بحب لا مثيل له من قبل أقرانه ومن جيل واسع من الشباب .
لكل شاعر أسطورته كما قال ،فكان يحكي عن سيرته وعن كتاباته و هواجسه كأنه يحكي عن أسطورة كائن لم يكن ،زاوج بين الإبداع و الفلسفة، بين الأحاسيس والفكر ،بين الواقعي و الخيالي ،بين الملموس و المجرد ، و حضرت المفاهيم الفلسفية بالقوة و بالفعل ،وكشفت عن رؤى الشاعر وعن رؤياه للوجود وللعدم، للحياة وللموت، للحضور وللغياب،فكنا نلمس إلى إي حد يتعامل الشاعر مع اللغة والدلالات بطريقة إرادية شعورية مقصودة،تظهر حنكته ودرايته في محاولة إخضاع إكراهات اللغة للكشف عن الميتا نص أي النص الغائب ،الذي سيكون ظهوره خيانة ،وقراءته خيانة، وتأويله خيانة ،وترجمته خيانة.لم يقل أن الشعراء بالكلمة يستنسخون ذواتهم،لأن الكلمة ظل باهت للذات،يخدع البصر ،ويراوغ البصيرة عند التأويل،والكلمةُ منطوقةً بدائيةٌ بكرٌ ،وهي عرضة لاغتصاب والاعتداء من طرف الكتابة،والكتابة كما يقول كبت ،وليست نسيانا أو إبعادا أو محواً.إن الكتابة عند دسسورهي :"لباس من الانحراف ،من الظلال،كساء من الفساد والتنكر ،قناع حفل يجب إخضاعه لتغريمه(...)"علم الكتابة ص57 .

بعد ذلك أول ما نشر له كان قصيدة بعنوان :دمعة أخيرة-في العشرين من عمره – ظنها آخر دمعة،فإذا بها الأولى ،وبداية غيث ومزن.
ثم جمع ما توفر من قصائد قائلا: خير الشعر عاجله ، وبما أن الشعر رؤية ،فقد أصدر أول ديوان بتشجيع من محمد الخمار الكنوني الذي كتب مقدمة الديوان.وكان صوت الحكمة البالغة يتردد على مسامعه :"يابني،لا تكن عجولا كشجرة اللوز،فهي تزهر قبل الأشجار جميعا،وتطعم بعدها جميعا.وكن كشجرة التوت،فهي تزهر آخرها جميعا ،وتطعم قبلها جميعا."
يقول أن بين دمعة ورؤى، تقاطعات كثيرة،ورؤى كثيرة من خلال وظيفتي البصر والبصيرة. وتساءل عن الشعر ،وعن حال الشعراء،وكيف أننا نتحدث عن نار الشعر، ولا نتحدث عن فردوس الشعر،ألأن الشعر يجد دلالته أكثر في العنصر الناري ؟وماذا عن ماء الشعر ،ألأنك كما يقول هرقليدس: لا تسبح في النهر مرتين؟
وما دلالة الماء في الديانات وفي الفلسفة وفي الميتافيزيقا؟
يقول بن طلحة أنه يطلب الأم من خلال الماء،أصل الوجود وماء الكينونة ،صفاء الطفولة وبراءتها،الحنين الدائم إلى صدرها ،لأنها تمثل الحضور المفقود،الشيء والنقيض،ماء قلب لكلمة أم، ذات يقظة رأى نفسه يشرب بشراهة قل نظيرها،فقال: يا إلهي هل هذا هو ماء الشعر...؟
وبعد أربعين سنة شم حفنة رماد(الموت /الإحياء/الغياب /الحضور..)وإذا به يرى أن المنطق الداخلي للتجربة كما عاشها،عنوانها من قبلليتني أعمى..).
كان للجلسة مع الشاعر الضيف سحر لا يضاهى،أخذنا معه إلى عوالم كثيرة ،وجاب بنا معتقدات وأفكارا وفلسفات،وأسماء وأعلام، ورؤى ومواقف وإحساسات ومشاعر،وبلاغات ولسانيات وعلوم...مر الوقت بسرعة ولم نشبع،ولم نرتو،وكيف يتسنى لنا ذلك والطبق دسم ولذيذ حد الهوس؟.

قليلا أكثر من النبش
خصصت الجلسة الثانية للنقد/النبش في ديوان شاعرنا محمد بنطلحة"قليلا أكثر".
تدخل الأستاذ عبد اللطيف بوجملة،الصحافي المنسق لجريدة المنعطف الثقافي، بورقة تحت عنوان :لماذا الشعر؟ولماذا الشعراء في زمن العسر والضيق؟
ليخلص إلى أن ديوان"قليلا أكثر"شعر لا يمكن أن تنفلت من قبضته ،فهو يحكم شدك والإبحار بك ،لأنه مبني على أساس فكري ونظري،وتأمل في الوجود /الذات/ الحياة /الطبيعة/الموت/العدم/الخلود/الفناء..فهو محاولة التقاء بين الحمولات الفكرية الإنسانية،وعن طريق اللعب باللغة يجعل الاستعارة،شرطا حرا للمفهوم، فإنزال الاستعارة من عليائها الاستيهامي ،جعل الشعر في خدمة الحرية لا في خدمة اختطاف اللغة/الحرف..فقليلا أكثر انتشارا،وقليلا أكثر حلكة،وحين تصبح هوية الشعر سؤالا ،يكتشف قليلا أكثر كينونته الزائلة ،فيصارع الشاعر الزمن ،أو يصارعه الزمن،ليدخلا في دائرة :من يصطاد من؟
يقول بو جملة إن ديوان "قليلا أكثر" عميق عميق،عتيق عتيق ..هكذا يكون الشعر حينما ينبثق عن ذات مسؤولة وفكر واع.
ألقى القاص والناقد والمترجم عضو الصالون الأدبي،سعيد بوكرامي ،معبرا عن فرحه بلقاء الشاعر بنطلحة،ورقة موجزة حيث قال:إن الشعر لا يقدم الحقيقة بل يبحث عنها ،فيقف الشاعر بقليل من الشعر كثير من الاختزال.لايستكين:يشق أناه إلى نصفين،نصفه لأناة الشاعر ونصفه للأنا القريب( لم أكن أنا صاحب الجبروت ، بل كان ظلي..)من ديوان قليلا أكثر.
الشعر عنده ليس أصلا ولا هوية ،لأنه لا يبحث عن التشابه، ولأن قرينه هو الاختلاف .يقول أيضا إن رؤيا الشاعرمتيقظة ،وفي حركة دائمة ضد المخاطر والمفاجآت والاصطدامات،فالشاعر في "قليلا أكثر"لا يؤمن بالكليات بل بالجزئيات المتصدعة والمبعثرة..فهو في حراك دائم من أجل إعادة توليد إشارات ودلالات ومعان .
الدكتور المهدي لعرج ،جاء بمداخلة زاخرة ،وطويلة- كثيرا أكثر- من الوقت المخصص،فقرأ على عجل نصفها،كانت بحثا مفصلا حول: بنية المفارقة والشعرية ومستويات التفاعل في "قليلا أكثر".رأى أن الكتابة الشعرية للديوان تتأطر في قصيدة النثر.واشتغل على مفهوم المفارقة والمغايرة بدءا من العنوان،لأنه مبني على الإثارة ومشرع على الاندهاش،فشعر بنطلحة لا يقدم مفاهيم جاهزة ،بل يقوم على إرباك توقع القارئ،والمفارقة في الديوان رؤية وموقف وليست عصا في عجلة الفهم، وتعطيل الفهم ليس إلغاؤه ،بل إن الغموض ينبغي أن يحفز على الفهم.
قامت مداخلة المهدي لعرج على دراسة اللغة ودلالاتها واستيعاراتهاوالتبئير اللغوي ،وتقنية فضاءات النص ،وأهمية الإدراك البصري، لكن الوقت لم يسعف لننهل أكثر من هذا الزبد المعتق.
رابع مداخلة كانت للشاب المجد ،الفيلسوف الطائر:محمد أيت حنا،الذي تفضل بورقة جميلة خرق فيها أفق انتظارنا،وأفق انتظار الشاعر الضيف،الذي كان يتتبع باهتمام بالغ،نبش الدارسين لديوانه.ابتدأ أيت حنا من هامش في الصفحة 24 من الديوان( قال أحدهم أنني سليل الهمج ،والحقيقة أنني لست كذلك).فجعلها كالتالي:
(كتب أحدهم أنني سليل الهمج والحقيقة أنني كذلك)،واشتغل على المفارقة بين الهمجي والبدائي من خلال:
استراتيجية الحرب: حرب أولى=لأجل المعنى القائم والمعروف؛
حرب وسطى=لأجل المعنى المتنازع عليه؛
حرب أخيرة= حرب المعنى الذي يجب أن يقوم.
استراتيجية الخلخلة:إفراغ التقابل من معناه؛
إبدال أطراف التقابل؛
إقحام قيمة الاختلاف،لمحو النقيض،وقيمة الاختلاف هي التي
تعطي للوجود سره.
استراتيجية التقابل:إعادة نظام العالم لأصله.

قليلا أكثر من الهمس
حضر اللمة جمهور من طينة واعية،يحسن الإصغاء لنبض الحرف، ينصت في خشوع للكلمة الراقية والأداء الرائع للشاعر،كانت ملامح النشوة والامتنان تشع من الأعين، كيف نشكر بن طلحة على هذا العرس البهيج الذي فجر زغاريده في قلوبنا؟صارعنا الزمن لنظفر بقليل أكثر من الفرح ،لكن سمكات الزمن سرعان ما انصهرت بين أصابعنا،فصرنا نستعطفه قطرة قطرة ،كي يجيب شاعرنا على تساؤلات الجمهور،ولنرتشف أكثر عسل الشعر من قراءة مترجمة للأستاذ حسن الغافل لآخر قصيدة في الديوان، كانت مفاجأة سارة لم يتوان الشاعر عن تقديم امتنانه للغافل وللصالون الأدبي على هذا الحفل الزاخر.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية