حدود القصصى والشعرى فى كتابات عبد الله المتقي
أحمد عمرانى *
للقاص عبد الله المتقي، منجز قصصى كثيف ومتميز منذ عقود طويلة، وهو إلى جانب ذلك، رائد القصة المغربية القصيرة جدا قبل ثمانينيات القرن الماضى ببضع سنوات، وقد بلغ شأوا كبيرا فى هذا الباب بما نشره وينشره فى العديد من الجرائد والمجلات داخل المغرب وخارجه، بالإضافة إلى إصداره مجموعة قصصية بعنوان "الكرسى الأزرق" حظيت باهتمام كثير من النقاد والقراء على حد سواء.
ويلاحظ الكثيرون أن فى الكتابة القصصية لعبد الله المتقى حضور شعرى لافت، إذ أن أغلب إنتاجه القصصى إن لم نقل كله، يكتسى طابعا لغويا شفافا، ومناحى فى التصوير والتطوير قلما نجدها إلا عند الكتاب الكبار الذين يضمخون سرودهم بصور شعرية أخاذة وجمالية فذة تشد بعذوبتها الإبداعية بتواز مع تفاصيل السرد ووضعيات الشخوص والأحداث.
وإذا كانت ملامح الشعر تتماهى مع المكونات القصصية المتجددة فى لغة القاص عبد الله المتقي، فإن ملامح القص تتجلى فى شاعرية الكاتب سواء فى ديوانه "قصائد كاتمة الصوت" الصادر سنة 2003 عن وزارة الثقافة المغربية، أو فى قصائده التى نشرها هنا وهناك، لينفسح المجال للشعر يصدح فى الديوان، ولاشيء غير الشعر المتوج فى فضاء القصيدة الشذرية وغير الشذرية، المكتوبة بالمباشرة أو بالمخالفة والمتنوعة الإحالة بالتجذر والإمتداد، والسارية كالدم الفوار فى شرايين القارئ الذى يستشف خصوصية النكهة فيها واحتمالاتها الصادمة لكل المغاليق والهلاميات.
وسنسعى هنا الى الكشف عن الآليات الإبداعية التى تكتنف فضاء القصيدة ومكوناته كما اعتمدها الشاعر، متسائلين فى الأخير عن فعالية الشعر، من خلال ديوان "قصائد كاتمة الصوت" للشاعر عبد الله المتقي.
قصائد الصوت المكتوم
رغم أن اللغة الشعرية عند عبد الله المتقي، لغة شفافة، بسيطة بمفرداتها وتركيبها الظاهر، ولا تلجأ إلى غريب الكلم أوقويه أوعويصه، فإن القصيدة، باللغة ذاتها- لغة الشعر- تكثف الصورة الشعرية، وتجعل الدلالة فيها عميقة ومنفلتة بتوجساتها وتوتبها وسريانها المتدفق، مثلها فى ذلك مثل "طلقات" تأتى إلينا، دون أن تضج أوتصرخ أوتسمع لها جعجعة أوحتى "صوت"، وهوما يبرزه الشاعر فى قصيدة "طلقات" حيث يقول:
"أيها الولد المشاغب
أجمل القصائد
كانت بسيطة وعميقة
كأفلام شارلى شابلن".
"ص 13 من الديوان"
للقاص عبد الله المتقي، منجز قصصى كثيف ومتميز منذ عقود طويلة، وهو إلى جانب ذلك، رائد القصة المغربية القصيرة جدا قبل ثمانينيات القرن الماضى ببضع سنوات، وقد بلغ شأوا كبيرا فى هذا الباب بما نشره وينشره فى العديد من الجرائد والمجلات داخل المغرب وخارجه، بالإضافة إلى إصداره مجموعة قصصية بعنوان "الكرسى الأزرق" حظيت باهتمام كثير من النقاد والقراء على حد سواء.
ويلاحظ الكثيرون أن فى الكتابة القصصية لعبد الله المتقى حضور شعرى لافت، إذ أن أغلب إنتاجه القصصى إن لم نقل كله، يكتسى طابعا لغويا شفافا، ومناحى فى التصوير والتطوير قلما نجدها إلا عند الكتاب الكبار الذين يضمخون سرودهم بصور شعرية أخاذة وجمالية فذة تشد بعذوبتها الإبداعية بتواز مع تفاصيل السرد ووضعيات الشخوص والأحداث.
وإذا كانت ملامح الشعر تتماهى مع المكونات القصصية المتجددة فى لغة القاص عبد الله المتقي، فإن ملامح القص تتجلى فى شاعرية الكاتب سواء فى ديوانه "قصائد كاتمة الصوت" الصادر سنة 2003 عن وزارة الثقافة المغربية، أو فى قصائده التى نشرها هنا وهناك، لينفسح المجال للشعر يصدح فى الديوان، ولاشيء غير الشعر المتوج فى فضاء القصيدة الشذرية وغير الشذرية، المكتوبة بالمباشرة أو بالمخالفة والمتنوعة الإحالة بالتجذر والإمتداد، والسارية كالدم الفوار فى شرايين القارئ الذى يستشف خصوصية النكهة فيها واحتمالاتها الصادمة لكل المغاليق والهلاميات.
وسنسعى هنا الى الكشف عن الآليات الإبداعية التى تكتنف فضاء القصيدة ومكوناته كما اعتمدها الشاعر، متسائلين فى الأخير عن فعالية الشعر، من خلال ديوان "قصائد كاتمة الصوت" للشاعر عبد الله المتقي.
قصائد الصوت المكتوم
رغم أن اللغة الشعرية عند عبد الله المتقي، لغة شفافة، بسيطة بمفرداتها وتركيبها الظاهر، ولا تلجأ إلى غريب الكلم أوقويه أوعويصه، فإن القصيدة، باللغة ذاتها- لغة الشعر- تكثف الصورة الشعرية، وتجعل الدلالة فيها عميقة ومنفلتة بتوجساتها وتوتبها وسريانها المتدفق، مثلها فى ذلك مثل "طلقات" تأتى إلينا، دون أن تضج أوتصرخ أوتسمع لها جعجعة أوحتى "صوت"، وهوما يبرزه الشاعر فى قصيدة "طلقات" حيث يقول:
"أيها الولد المشاغب
أجمل القصائد
كانت بسيطة وعميقة
كأفلام شارلى شابلن".
"ص 13 من الديوان"

فالقول الشعرى فى الأسطر الثلاثة الأولى، بسيط كل البساطة، يحدد نوع الشعر المحبد عند المخاطب "بكسر الطاء"، ولكن الإحالة على أفلام "شارلى شابلن" "الكاتمة الصوت"، تعمق الرؤية الشعرية وتكثف صورتها بالإضافة والتشبيه، والإحالة إلى معرفة أخرى، وفن آخر غير الشعر، مما يفسح المجال أمام القارئ لإعادة قراءة الشعر على ضوء معطى جديد/ قديم، هوالسينما، وبتركيز دلالى على أفلام "شارلى شابلن".
وهذا المقطع من قصيدة "طلقات" يحيلنا إلى عنوان الديوان ذاته "قصائد كاتمة الصوت" الذى ينبئ بدوره عن "شيء" يطلق الرصاص بصوت مكتوم، أى المسدس، إذ أن الكشف عن عمق عنوان الديوان، يبين أن الشاعر هوالمسدس "مصدر الطلقات/ القصائد"، والقصائد هى العيارات أوالطلقات، والصوت المكتوم هوطريقة كتابة القصيدة لدى الشاعر أى رِؤيته للكتابة الشعرية، وإلى هذا تشير قصيدة "بالأبيض والأسود"، فى المقطع التالي:
"وهذا الذى ..
يتكور فى مقهى الكرامة
يخفى فى معطفه الرمادى
قصائد كاتمة الصوت" "ص 55".
وإلى جانب هذين المقطعين، تنبث فى ثنايا الديوان، مقاطع وقصائد تجعل من القصيدة محورها المتحرك داخلها، تلاحق مختلف أوجهها وأوضاعها، سواء بالعلاقة مع الشاعر، وهى الأساس، أوبالعلاقة مع حيثيات ينتقل فيها الشاعر بين حالاتها، وقد بلغت هذه المقاطع والقصائد ثلاثة عشر مقطعا وقصيدة، مما يعطى انطباعا أوليا، أن الشاعر، جعل من القصيدة هما مؤطرا ومضموما فى الذات والشعر، وقلقا موزعا فى خلايا الديوان كله.
ولتبيان ملامح ووجوه وأوضاع القصيدة، نخترق شرنقاتها لاستجلاء كنهها. ففى قصيدة "مزهرية الحروف" يقول الشاعر:
"الحروف:
تلك التى تنصلت من ثيابها
ألقت بنفسها
فى ماء القصيدة
كى تغسل جسدها
من لعاب المداد
الحروف:
مثل الوحم
قد تنفرك
وقد تعاتقك
وقد تصفعك" "ص 5".
فالقصيدة هنا، عبارة عن "مزهرية للحروف" والمزهرية كما نعرف أصيلة وجميلة وعميقة تعطى الحياة للزهور بالماء من داخلها، كما تعطى القصيدة الحياة للحروف بعد التطهر من لعاب المداد وما تشنج فيه.
وللحروف وجه آخر، وصفة أخرى، هى صفة المرأة فى حالة "الوحم"، متغيرة السلوك والحركات والملامح وردود الأفعال...
وبالإضافة إلى صفتى "المزهرية" و"المرأة الواحمة" اللتين تتصف بهما القصيدة عند الشاعر عبد الله المتقي، فإنها، تتخذ وضعيات أخرى فى مواقع كثيرة من الديوان، مثل قصيدة "الحلم" التى تحمل القصيدة الصفة نفسها فى المقطع التالي:
" الحلم الذى استغفلك
لم يكن سوى مكيدة
لقصيدة عنيدة". "ص 10".
فإلى جانب أن القصيدة "حلم"، فهى "مكيدة" و"عنيدة"، ومنذورة "لانتحار" يجعل الشاعر فى قفص الإتهام، ومن بين المتهمين "بكسر الهاء"، من أشار إليهم الشاعر فى قصيدة "نقيق" بقوله:
"حين تحفر مشتلا
أو بئرا
فى ضلع الورق
تلوكك الضفادع
عبثا أو مزادا
...
هكذا أنت تجر الشامت من أذنين
كى يتهجى بيوت شعرك"
إن القصيدة بمعناها الواضح والمركب عند الشاعر عبد الله المتقي، كل لأجزاء تتقاطع وتتماس وتتصارع باحتداد سعيا للألق الدائم، حتى ولوبافتراض محاولة انتحارها، واتهام الشاعر بالجنون تبعا لذلك، مما يجعله أكثر إصرارا على كتابة الشعر كما جاء فى قصيدة "نقاء" حيث يقول:
"بعد أن
تقاطرت من قلمى
حروف عرقانة
كان للقصيدة شكل غدير
أنظف من دمعة". "ص 37"
ويعود، فى نظرنا، كشف هذه الآلية النوعية من آليات القصيدة عند الشاعر إلى الرغبة فى تهييء القارئ للانصهار مع عمق القصائد وحبائلها الإبداعية، إذ أن القصائد تكشف إلى جانب ذلك، عن إحالاتها المتعددة والمختلفة، مما يبقى السؤال حاضرا ومفتوحا عما إذا كانت القصائد كاتمة الصوت فعلا؟
الإحالة المتعددة فى التجذر والامتداد
والإحالة هنا لا تعنى المرجع أو التضمين أوالتهجين أوالتوظيف أوالتحوير، وإنما تعنى، توزع القصيدة إلى مكونات أكثر شساعة من ذلك، وأكثر إيحاء بصوتها "المكتوم" وتجذرها فى مكونات تشمل معطيات تخترقها القصيدة للنهوض بذاتها على غيرها حتى فى امتداداتها وتشعبها المتواتر فى قصائد الديوان، وكمثال على ذلك، بالإضافة إلى ما سبقت J`ai ratéالإشارة إليه فى إطار النوعية السابقة، قصيدة بعنوان
"د ق ق ت الباب
حتى كل إبهامي
ولما كل إبهامي
كلمتنى القصيدة
من ثقب الباب:
"جئت متأخرا"
فالقصيدة بعنوانها "الفرنسي"، تحيل من جهة إلى شريطين من الأشرطة السينمائية الغربية، "Maman ! J`ai raté l`avion أحدهما بعنوان: "
وكلاهما يدل على "القصيدة" وتحيل من جهة "J`ai raté les enfants" والأخر بعنوان
أخرى إلى بيت شعرى قديم يقول:
"دققت الباب حتى كل متني، فلما كل متنى كلمتني"
ويؤخذ هذا البيت، إلى جانب معناه المباشر، على سبيل التندر الملغز بين "الأوساط الشعبية المثقفة ثقافة معينة"، ولكن الشاعر لا يقصد الإحالتين لذاتهما، وإنما ليبين رابطة علاقته بالقصيدة فى التاريخ والتجربة وعصارتها "المتأخرة"، ولكنها الأرقى والأجمل!
وكما تحيل القصيدة الآنفة إلى السينما والشعر القديم، فإن قصائد أخرى تحيل إلى أخاذيذ ثقافية أخرى، منها قصيدة "داروين" "ص35"، التى أحالت إلى "أصل الأنواع" عند داروين، وقصيدة "نقيق" "ص36"، التى أحالت إلى النقاد، وخصوصا إلى موقف نقدى للكاتب اللبنانى ميخائيل نعيمه، سماه "نقيق الضفادع" فى كتابه "الغربال" وقصيدة "رقصة" "ص18"، التى أحالت إلى مرحلة تاريخية معينة "ص11"، وقصيدة "رتابة الوقت" التى أحالت على مجموعة قصصية للطيفة باقة بعنوان "ما الذى نفعله؟" بالإضافة إلى قصيدة "سرطان المرحلة" التى أحالت على التوالى إلى ديوان "أبدا لن أساعد الزلزال" للشاعر أحمد بركات، وقصيدة "السقوط" فى ديوان الشاعر أحمد المجاطى "فروسية" وقصيدة "وردة المتاريس" للشاعر عبد الله راجع، والقصيدة بذلك لا تحيل إلى الشعر فقط، بل تحيل إلى الكتاب والشعراء، كل من زاوية، قد تكون منفردة أوجامعة لشعراء صاروا لمصير واحد كما فى قصيدة "سرطان المرحلة" حيث يقول الشاعر:
*المجاطى :
خرج من الخمارة يرشح
ع
ر
ق
ا
فدهسته العبارة
*بركات :
أبدا
أبدا
لن أصافح النسيان
*راجع :
لم تجف
وردة المتاريس
كانت تتقشر
تويجة
تويجة
"ص 20-21"
ومفهوم الإحالة ان كان ينطلق من جذور فى الثقافة والأدب والموقع والنفس وما إلى ذلك، فإنه يشمل الامتداد فى الثقافات المختلفة شرقا وغربا، لكى يتجاوز غيره إلى ذاته التى هى ذات الإنسان المتملكة لقدراتها الإبداعية والمتمفصلة بالمخالفة والمغايرة لما تتجذر فيه، ليس من باب الرفض أوالتجاوز المجانيين ولكن من باب تعميق الفعل الشعرى و"سسيلجته" الظاهرة والخفية، مما يجعل القصيدة عنصرا يمتد فى حياة الشاعر الآنية والماضية، كلما كانت فى مقام الشعر الإنسانى عبر العصور!
الكتابة بالمخالفة تنتج القراءة بالمخالفة اطرادا
إن الكتابة بالمخالفة عند الشاعر عبد الله المتقي، تنتج –بالضرورة- القراءة بالمخالفة ذاتها، حتى تستقيم هذه الأخيرة –القراءة- مع مكونات فضاء القصيدة، والتى بدونها، لا يمكن تبيان هذه المكونات فى جزئياتها وكلياتها، بالإرتباط مع غيرها، حتى تنسجم رؤية الناقد / القارئ مع الفضاءات التى ترتادها قصائد الديوان.
وهنا لا يتعلق الأمر بالمخالفة بمعناها فى الفقه القانوني، أو فى الرأى أو التوجه الفكرى أو السياسي، وإنما هى آلية أخرى من آليات الإبداع، لجأ إليها الشاعر عبد الله المتقى فى ديوانه، تدخل من خلاله القصيدة إلى تشكيل آخر يميزها عنه ويشابكها بما يخالفها، حتى أن كل قصيدة من قصائد الديوان يمكن قراءتها من زوايا متنوعة الأبعاد، منها البعد العمودى وعكسه، والبعد الأفقي، والعميق، والرديف وغيرها.
وارتباطا بذلك، جاء فى قصيدة "لقطة":
"فى محطة القطار
على مقربة من شباك
التذاكر
ثمة حقائب فقدَتْ صبرها
ثمة رجل وامرأة
يثرثران فقط" "ص 31".
فالقراءة بالمخالفة لهذه القصيدة، تمكن من تغيير العنوان فى عدة أوجه مثلا "لقطة انتظار" أوغيره مما يناسب كعنوان للقصيدة، كما أن من فقد صبره، ليس الحقائب، وإنما "الرجل والمرأة" إذ تحول انتظارهما الطويل مع الحقائب إلى ثرثرة، والقصيدة بالنتيجة تصور حالة انتظار شملت الإنسان والأشياء/ الحقائب كذلك.
وآلية الكتابة بالمخالفة، انبنت بها كثير من قصائد الديوان، مثلما نجد فى قصيدة "صباح" حيث يقول الشاعر:
"هذا الصباح
استغفلنى حذائي
على مائدة الفطور
اشبعنى ركلا ورفسا
ثم أغلق الباب خلفه" "ص 22".
وبما أن القصيدة تشير فى الإهداء إلى "الأب" فإن ذلك قد يحيل إلى السلطة الأبوية المتجسدة فى "الحذاء"، كما تحيل أيضا، من زاوية أخرى، إلى الرغبة الأكيدة للتخلص من حذائه، بدل ما تظهر القصيدة من أن الحذاء تخلص من "المتكلم" وطرده من البيت بطريقة عنيفة.
ورغم ما يظهر من عبثية متضمنة فى كثير من القصائد، خارج القراءة بالمخالفة، فإن الهدف من هذه العبثية، هوالوقوف بصلابة فى مواجهتها، وهذا ما تجسده قصيدة "خارج الغابة" فيما يلي:
"حبيبتى
قبلة واحدة بين العينين تكفى
كى لا يصاب هذا العالم
بداء التشظي". "ص 39"
وهى قصيدة مهداة إلى شهداء 16 مايو، الذين تحولوا إلى شظايا بفعل وفكر غابويين، لا يعرفان للحب معنى، ولا للحياة سوى أنها غابة يريدان تحويلها إلى حريق، والحب هوالمعول المخالف للموت، واعتبار الإنسان آن تبادل الحب بين الناس هوالنقيض المدمر ل "داء التشظي".
وإضافة إلى ما سبق فى صدد القراءة بالمخالفة، تمة مقطع يعبر أصدق تعبير عما نروم تبيانه، وهومقطع "جدي" من قصيدة "شيخوخة" حيث يقول الشاعر:
* جدي:
نظر إلى المرآة
تفرس أسارير جبهته وتنهد
ا.ل.م.و.ت.
يحزم حقائبه".
فالقراءة الظاهرة للمقطع، تجعل الموت مرتبطا بالحقائب، أى أن المعنى بالرحيل هوالموت،وليس الجد، أما القراءة بالمخالفة، فإن المعنى بالرحيل "الموت" هوالجد.
وهذه الآلية – الكتابة بالمخالفة- ليست عبثية كما سبق أن قلنا، أولعب بالكلمات والتقطيع الشعرى وصوره المتضادة التى يعتمدها الشاعر فى كتابة القصيدة وإنما هى إحدى المكونات المميزة لفضاء القصيدة عند الشاعر عبد الله المتقي، والتى يجعلها أكثر فعالية وحركية صادمتين للغاطس فى عمق القصائد وفجواتها وامتداداتها المتجذرة المكامن والمساحات الورقية وما خلفها.
فعالية الشعر
طرحنا سؤالا فى ما سبق عما إذا كانت قصائد الشاعر عبد الله المتقى "كاتمة" الصوت كما ثبت فى العنوان وما إليه، أم أن الأمر فقط، يحيل إلى قراءة الديوان بالمخالفة، حيث ثمة يتضح صوت الشاعر الحقيقى الذى يثيره التصدير المثبت فى الصفحة الأولى من الديوان بقوله: "عندما أمسك قصيدة ما، وأشرع فى قراءتها، وأشعر أنى أرتجف، أعرف أننى أقرأ القصيدة "اميلى ديكسون" ص "4" من الديوان.
إنه سؤال يثير الصوت الشعرى الفعال دون صخب ولا التواء أوتقوقع وانزواء، وهوسؤال كذلك يتوخى هدف الشعر ومبتغاه فى التأثير حد "اللعنة الجميلة"والرجفة المحببة.
إنه سؤال الفعالية كهم شعرى وديدن للشاعر فى كل ما ينتجه من قصائد نخص منها على وجه التمثيل قصائد: "رحيل المساء"،"ضد"،"يد عاملة"، "قبلة "،"مجانين العشاق"،"توضيح" "احتجاج" التى تقول:
"على عتبة البيت
انفلتت اللعبة من يد الطفل
وا ن ت ث رت
حينها شهق
وتمرغ فى كل اتجاه". "ص 40"
إذ أن القصيدة بقدر ما تنصب صياغتها على الأطفال فى حالة اللعب،تحيل كذلك إلى حالة ارتقى إليها الطفل هى حالة "الاحتجاج"كلما انفلتت اللعبة من بين يديه،فصوت الطفل فى هذه القصيدة يتحول إلى الاحتجاج بدل الصراخ أوالبكاء،كذلك على أنه،ليس الكبار وحدهم من يحتج، بل حتى الصغار أيضا،مثلما يعنى كذلك،أنه كثيرا ما يحتج الصغار، وقليلا ما يحتج الكبار،كما هوشأن "المواطن"فى قصيدة "حقوق" التى جاء فيها:
"شرطى...
يصفع المواطن
بمقهى الكرامة
يجره من ربطة عنقه
ثم يغمز النادل". "ص 51"
فهنا حالتين متناقضتين: حالة الطفل،وحالة "المواطن فى مقهى الكرامة"، تعرضا للمس بحقوقهما، فاحتج الطفل، وسكت المواطن، وصار الشعر بالقصيدتين صوتا لهما معا ورافعا لقوام الأفعال بصورة فعالة تثير الكثير من المشاعر والرؤى عند القارئ. ولاشك أن الفعالية الشعرية فى ديوان "قصائد كاتمة الصوت"حرص الشاعر كل الحرص على جعلها مكونا ظاهرا بنيويا فى قصائده المحتدمة فى فضائها والحاشدة للحركة فيها .
ولعل هذه الحركية الفعالة التى يعج بها هذا الديوان المتميز،للشاعر عبد الله المتقي،تجسدها بكثير من الألق والبهاء قصيدة"بقليل من الشعر"، التى أحببنا أن ندرجها هنا كاملة لأنها تحمل فى نظرنا – جوهر الفعالية الشعرية ومكامنها فى الرؤية والإثارة:
"الشعراء الفاشلون
ينامون مبكرا
ولا يتسكعون بالليل
الشعراء الفاشلون
لا يهتمون بالمساء
بالأشجار المسنة
بالجوارب المبللة
بالهواء
الشعراء الفاشلون
لا يفتحون أزرار قمصانهم
مرارا للبحر
ولا يبتهجون بالحب
الشعراء الفاشلون
ينجبون قصائد قاحلة
لا تستحق الحياة" "ص 38"
واذا كان هذا بالنسبة للشعراء الفاشلين فإننى أعتبر الشاعر عبد الله المتقى شاعرا ناجحا، لأن القصيدة عنده- بالإضافة إلى ما ذكر، وما لم يتح لنا ذكره فى هذا المقال – ليست قصيدة نمطية مستنسخة متراتبة تسير بوتيرة واحدة،وإنما هى قصيدة متعددة فى شكلها ومناحيها، كتبت بكثير من الذكاء والدهاء والتجربة والتروى والتشذيب والإيقاع المؤتلق الجميل،حاملة لمكونات التجديد والحداثة كتابة وقراءة وتستدعى القارئ للتفاعل معها بفعل ما تؤسسه وما تتأسس عليه، مما جعلها قصيدة سامقة فى ديوان الشعر المغربى المعاصر بما تفتحه من منافذ وأجواء إبداعية.
وإجمالا فإن الصوت الشعرى والقصصى لعبد الله المتقى يعد بحق موسوعة مفتوحة لمتواليات وتقاطعات متموضعة فى زوايا واقعية ومعرفية وذاتية ونفسية ومتخيلة "بفتح الياء المشددة"، مشحونة بأكثر الدلالات عمقا،وملاحقة بنسيج من الرؤى أفسح مما يمكن حصره فى مقال أومقالات معدودة . ولعل هذه القراءة فى مكونات فضاء القصيدة التى كان منهلنا لها من بعض خضم ديوان "قصائد كاتمة الصوت"،لم تف الديوان حقه بما به يمور، ولم تحط مشاتله ومكونات فضائه جميعا مزيدا من البحث والتحليل الموسعين، خاصة ما يتعلق بمشتل اللغة الشعرية"1" فى هذا الديوان، والذى وحده يحتاج إلى مقالات تنير الأصيل فيه والمختلف والمنصهر عضويا بمكونات فضاء القصيدة وقيمتها الجمالية الحقيقية.
* كاتب مغربي
1- فى هذا الصدد يمكن الرجوع إلى مقال عبد الله بناجى "اليومى فى ديوان قصائد كاتمة الصوت" المنشور فى المنعطف الثقافى العدد 113 بتاريخ 29-30 يونيو-حزيران 2006 ومقال إبراهيم الحجرى "اللغة الشعرية فى مجموعة قصائد كاتمة الصوت" المنشور بملحق "فكر وإبداع "، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 8227 بتاريخ 21 ابريل-نيسان 2006









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية