المظلة

إبداع ونقد

رقم2024

في الذكرى الأولى لرحيل مليكة مستظرف.
اليوم تحل الذكرى الأولى للرحيل المبكر والمفجع للكاتبة المغربية مليكة مستظرف.. سنة مرت على غياب هذا القلم النسائي ، الذي كان قد شرع  في نحث تجربته الإبداعية بأناة وتميز .. الألم  كان حاضرا بقوة في كتابات مليكة مستظرف ، ورغم الشجاعة التي تحلت بها الكاتبة في مواجهتها للمرض و التجاهل من طرف  الجهات الرسمية على الخصوص ، فإن صرختها المدوية التي فجرتها في وجه الجميع محتجة و متألمة ،لا يزال صداها يتردد بيننا ، يذكرنا بأن كاتبة متميزة و واعدة انسلت من ظهرانينا دون أن نصر على الاحتفاظ بها بيننا..
بهذه المناسبة أبت الكاتبة الفليسطينية عايدة نصر الله- التي ربطتها بالراحلة علاقة  حميمية متميزة -إلا أن تنكأ الجرح ،وتذكرنا بمقالها اللامع هذا بأن مليكة قتلت مرتين ..قتلت في حياتها  بتركها وحيدة عزلاء تواجه مصيرها المأساوي، و قتلت بعد موتها بالتجاهل والنسيان.
مصطفى لغتيري
رقم 2024

 

ها أنت تسكنين بهدوء، لا أحد يقلق منامك، ، كازا تغادرك بحركتها وناسها ، وبفمها الواسع ذي الأسنان الحادة. هأنت بعيدة عن شوارعها التي ترتكب دنس سواد المساحيق على الأحذية.لم تعد تلك المدينة بحاجة لك لتسجلي نطف دمع العابرين الذين يلملمون فتات السجائر عن الأرصفة ، أو تلك المرأة التي كبت على كرسي مهمل في انتظار درهم أمام مرحاض مقهى فرنسا.. مقهاك المفضل. ذلك المقهى الذي رتعت فيه ذكرياتك مع الطوبي، ومع آخرون أحبوك. هناك ركن كرسيك الفارغ، فملأته بدلا عنك بضجيج الحكايا، وهناك انسكبت عينا صديق لك بالدمع، وحشرجت روحه مغادرة المكان.

هأنت تنامين بجوار مساكن، أهلوها لا يؤذون أحدا. تستطيعين الآن أن ترفعي لائحتك الاحتجاجية دون أن يؤذوك، تستطيعين أن تشتمي كما تشائين ولا أحد يتعرض لك، وحتى لو تعريت يا مليكة بكل ما لديك من حنق وغضب ، لن يتخلص منك أحد  وأنت ترقدين في حيك الجديد، في روضة الرحمة.

أيها الرقم 2024

هأنت.. ضمن أرقام أخرى،. ربما يسكن بجانبك أحد الوزراء، أو أحد المشردين، كلهم سواء في هذه  المدينة الأخروية.

نسيت أن الفاتحة تقرأ على الأموات.

 قال لي "اقرئي عليها الفاتحة" والتقط لي الصورة.

لم أصدق أن تلك الراقدة تحت الحجر هي أنت. ولا أخفيك أني خجلت منك في تلك اللحظة وأنا ألتقط الصورة معك دون استشارتك.

أخوك وقف محايدا، بعيدا، ليتيح الفرصة لضيفيك ليمارسا طقس الهمس السري لك دون إزعاج، ولم يسقك بماء الزهر.

ترى هل رطب ريقك ماء الزهر الذي رويت تربتك به؟ هل أسعدتك زيارتي، أم أنك فضلت أن تبقين تلك الفراشة التي تمارس تحليقها، ومشاغباتها بضحكتها المجلجلة؟

أظنك فضلت الحالة الأولى.

سامحيني.لأني لم أحافظ على صورتك الأخيرة في ثوبك الأزرق وأنت تنظرين داخل عين كاميرتي بكل البهاء والشموخ،وسمحت لنفسي برؤيتك رقما على لوح حجري.

وسامحيني أيضا لأني لم أستطع العودة لبيتك الدنيوي مرة أخرى، فقد تبدلت غرفتك الصغيرة، حاسوبك نقل من مكانه، وكرسيك الذي كنت تضعين عليه رجليك الهشتين غادر الغرفة هو الآخر، حتى نظارتاك السميكتان اختفتا.

غرفتك يا مليكة أصبحت غرفة باذخة، فيها مكتبة للتلفزيون وأشياء تزيينية أخرى، حيث لم تعد بحاجة لكل ترهاتك التي كنت تكتبينها، ولبقاياك،  والحائط الفاصل بينك وبين الصالون الكبير الذي كانت رائحته تفوح بالرائحة المغربية المزخرفة، غيروه لأثاث لا شكل له ولا لون. وحل الشايش الأسود مكان الحائط.

كنت أريد أن أحكي لمرافقي :

"هنا كانت تجلس. هنا كانت تترنح طربا وهي تكتب على إيقاع موسيقى ناس الغيوان. هنا جلست أنا وإياها نراجع قصتها الأخيرة، هاك نظارتها، هاك ملابسها ، حافظوا عليها في الغرفة، حتى عطري الذي منحته إياها ها هو في مكانه".

لكن إذا كانت مليكة نفسها  قد تحولت لرقم فكيف بأشيائها.

لم يتبق من مليكة سوى صورة يتيمة موضوعة على حافة الشايش الأسود.

مليكة تذكرين الغرفة الزرقاء التي تناولنا بها الغداء؟

لم تعد الزرقة تلفها، بل تغيرت الغرفة لألوان قاتمة خالية من طعم التوابل. وكأنك ذهبت بالزرقة معك، ذهبت بكل ما هو جميل من ذلك البيت.

حالك أيتها الطفلة لم يختلف عن حال الكثيرين ممن سبقوك من الكتاب، ومحيت منازلهم،  سبقك محمد الطوبي، عبدالله راجع ، محمد شكري، ولم يهتم أحد لما بعد موتهم، فكيف بك وأنت لتي لم تمنحك الحياة لتكوني كاتبة عظيمة كما قيل، كنت مجرد امرأة قهرت الموت لسنين طويلة بالكتابة.

انتابني غضب غريب، ترى لو مت هل ستباع لوحاتي بالمزاد العلني؟ هل كتبي التي لم تنشر ستبعثرها الريح؟

مليكة . مرة أخرى تعيديني إلى نفسي ، توقظيني من سباتي وأنا أراك رقما على حجر.

فيا أيها الباقون بعدي، إياكم أن تحركوا أقلامي من مكانها، وحتى زبالتي التي أتركها ، دعوها تتعفن، إياكم أن تزحزحوا فوضاي..فأنا التي ستقرر أين أدفن أو أطير بأشيائي.

أليس هراء ما أقول؟ نعم هو  كذلك. ما فائدة الأشياء بعد الرحيل؟

"نحن لا شيء سوى حروفنا.فقط". هذرت بهذا الكلام حتى أصبحت أشتهي تقيؤه كسم من كثرة تكراره .

 

مليكة.. رغم كل الترهات التي أتلفظ بها دعيني أقولها لآخر مرة ولو من باب الكذب كما يفعل الكثيرون عند العزاء "أنت موجودة من خلال امرأة مرت على هدبك بعجالة، وعلى هدب رجل ذي وميض لا يصله إلا من عرف ما معنى الحياة بعد الموت".

والآن نامي في حيك الصموت لم نعد بحاجة للكلام .

 

9\9\2007

 



أضف تعليقا