مقطع من رواية رجال وكلاب
لمصطفى لغتيري
أصدقك القول، قارئي المفترض، إن ما حدث لي مع صاحب المحل، لم يكن الأول من نوعه، أعترف بأن حالتي هاته تكررت مرات عدة، لا أذكر بالتحديد أول مرة عشتها بمثل هذا الزخم، وحتى أكون أكثر صدقا معك ، أخبرك بأن انتقالي إلى هذا الحي الجديد، كان بسبب الإحراج الذي سببه لي تكرار هذه الحالات الغريبة ... بيني وبين نفسي قلت ربما إن غيرت المكان تحسنت أحوالي، وانتقلت حالتي من وضع إلى آخر أفضل. أعرف جيدا أن التحليل النفسي يدعو إلى مثل ذلك، لكن هأنت ترى النتيجة، لم تتحسن حالتي، إنني لا زلت أتوهم أحداثا لا تقع إلا في مخيلتي، وهكذا، إنك- قارئي المفترض- أمام حالة مرضية، بكل ما تكتنز الكلمة من معنى. صدقني إن أخبرتك أنني لم أعمد إلى تحبير هذه الكلمات على الورق إلا لكي تشاركني مشكلتي. عفوا إن أقحمتك في أمر لا يعنيك.. ربما لا يخلو الأمر من فائدة. فلماذا لا نجرب ؟ سأجعل منك طبيبي النفسي، سأكشف لك حياتي بأدق تفاصيلها. وأنت من جهتك، كن متقيظا، من يدري ؟ ربما قد تهتدي إلى الأسباب العميقة التي تجعلني ضحية للأوهام. كل ما أطلبه منك أن تتتبع ما سأكتبه. انتقي منه ما تشاء. . من جهتي سأحاول جاهدا أن أتقصى أهم اللحظات في حياتي. أظنك الآن تفكر في بعض المصطلحات التي يمكن أن تسعفك في تمثل حالتي المرضية. صدقني إنني أفعل نفس الشيء. بصراحة استحضر، اللحظة " الوسواس القهري "، فبعد قراءات متعددة في كتب التحليل النفسي وعلم النفس، استوقفني كثيرا هذا المصطلح . إنه حالة مستعصية تجعل المريض يحيا في ظل أوهام بلا حصر ... للأسف يكون الشخص في مثل هذه الحالة متأكدا بأن ما يتعرض له مجرد أوهام. لكن هيهات أن يتخلص منها، إنها أوهام وماذا بعد ؟ معرفته بذلك لا تقدم ولا تؤخر. إنها تمسك بالمرء من خناقه، كلما حاربها تزداد التصاقا به، فلا سبيل للنجاة والتخلص من المرض، سوى بالتجائه إلى التحليل النفسي، وخضوعه لجلسات، يحكي خلالها كل ما عاشه من أحداث، يركز على أهم اللحظات العصيبة ، والمحلل يتتبع تداعياته الحرة، محاولا وضع أصبعه على الجرح النفسي الذي تسبب في المشكلة، ولا ضير أن يستعين ببعض الأدوية الخاصة.
هكذا، أيها القارئ، المفترض أورطك في هذه المهمة. لكنني على يقين بأن الأمر سوف يستهويك، لا أدري أين قرأت، يوما، أ ن الإنسان يسعى جاهدا إلى تحقيق بعض الأهداف الحيوية في حياته، ففضلا عن حب الإنسان لامتلاك المال والسلطة، فإنه بالدرحة نفسها يتملكه هوس غريزي لتحليل النفس البشرية وفهمها ... هأنذا أقدم لك فرصة ثمينة لتحقيق ذلك، فما عليك سوى تتبع ما سأخطه، ربما تجد فيه ما يشبع فضولك، سأكون صادقا قدر المستطاع، أعي جيدا أن نفسي الملثاثة بالمرض ستقاوم، بيد أنني أعول على ذكائك وتسلحك بالمعرفة والصبر، ولا ضير أن ترجع بين الفينة والأخرى إلى بعض المصنفات العلمية، التي تحاول تقريب تقنيات التحليل النفسي من عموم الناس. ولا حرج إن استعنت ببعض الأصدقاء الذين تلمس فيهم القدرة على الغوص في أعماق النفس البشرية. لن يزعجني الأمر إن اسقطت بعضا من نفسك على حالتي. فإن كانت تخصني، لا يعني ذلك أنني سأستأثر بها. لكن حذار، إنها ليست لعبة بسيطة. إن كنت قادرا على الحياد، فذلك أفضل. فقد تجد نفسك عرضة لما يحدث لي. إياك ثم إياك، وقد أعذر من أنذر.
سوف لن أستطرد في استعطافك، فلعلك – قارئي المفترض – مقتنع بنيل المهمة. فأن نساعد إنسانا على الانعتاق من ربقة حالة مرضية كتلك التي حكيت لك بعض أعراضها، لا بد أن يكون عملا نبيلا بكل ما تحمل الكلمة من معان سامية. فشمر على ساعد الجد، واشحذ كل قدراتك التحليلية، التي تسعفك في التمثل ثم التحليل فالحكم.
|
|
|
|
كان جدي يعيش في البادية، يملك أرضا صغيرة تحيط بالبيت الذي يقطن فيه صحبة أبنائه وبناته، كان رجلا نشيطا يحرث أرضه بنفسه، يشقها بمحراثه الحديدي، الذي يجره حمار من سلالة تافهة، لا يعني تحديدها شيئا، يقضي سحابة يومه في أعمال لا تنتهي، وحين يرخي الليل سدوله يخرج صحبة كلبه للصيد، يبحث في أرجاء القرية عن القنافذ. كان الكلب يسهل عليه مهمتة، حاسة شمه القوية تدله على مخابئها، فيسلط عليها الضوء، تنكمش في مكانها، فيمد إليها يديه ببطء، ويضعها في جرابه .. ارتبطت وشائج قوية بين الجد والكلب، حتى أن المرء لا يراهما إلا معا. كل منهما يبعث الفرح في نفس صاحبه. حين يغيب الجد في أي مكان تتملك الكلب حالة من الاكتئاب والكسل، لا يقوم بأي شيء، فقط يمكث متمددا تحت ظلال شجرة التين اليانعة الخضرة، يترقب حضور الجد، وما إن يلوح إليه من بعيد، حتى تسري في جسده الحياة بكل عنفوانها، لا يكف عن الحركة، يبصبص بذيله، ويملأ الدنيا نباحا، ترتسم على الجد علامات البهجة، يستقبله وهو يعلق على شفتيه ابتسامة، لا تخفتفي ما دام الكلب بجواره.
بمرور الزمن حدث ما لم يكن في الحسبان ... أصيب الكلب بالسعار فأضحى في حالة يرثى لها، اللعاب يسيل من فمه، والهزال اكتسح جسده، حاول الجد علاجه إلا أنه لم ينجح في ذلك، تدهورت صحته بشكل مثير، جميع من وقعت أعينهم على الكلب نصحوا الجد بالتخلص منه قبل أن يتسبب في مصيبة ما. لكن الجد رفض بقوة، لم تطاوعه نفسه في قتله أو طرده، بنى له مكانا منزويا عن البيت، حرص على أن يكون حصينا حتى لا يقوى على مغادرته، أضحت عينا الكلب جمرتين متقدتين، وتدهورت حالته بشكل يبعث على الأسى والتقزز. تابع الجد العناية بكلبه، يحمل له الطعام ويظل وقتا طويلا يتأمله، يحملق فيه بأسى عظيم وحسرة ...
في صباح أحد الأيام ذهب الجد ليتفقد الكلب فلم يجد له أثرا. لقد تغلب على سجنه، انفلت منه وضاع أثره في الحقول الشاسعة ... ما حدث بعد ذلك يدعو للاستغراب، ظهرت علامات الحزن الشديد على الجد، بدا شاردا، يستقر الذهول في عينيه، لم يفهم أحد معنى ذلك. الغريب أن الجد استمر في وضع الطعام في مكانه، ربما توهم أن الكلب، لابد، عائد إلى كوخه. حاول العديدون ثنيه على فعله، بيد أنه لم يستجب ... استمر على ديدنه يحمل الطعام كل صباح.
مرت الأيام فأخذ الجد يكلم نفسه، يضع الطعام والماء ثم يشرع في حث الكلب على تناولهما، حاولت عمتي جاهدة أن تأخذ بيده وتعيده إلى البيت، غير أن الشرود لازمه. في أحد الأيام رفض الجد الدخول إلى البيت، أقسم ألا يبرح مكانه. حاولوا، بكل ما يملكون من حيلة، ثنيه على ذلك، فأخذ يصرخ بقوة، ثم انبطح على الأرض وشرع يتمرغ فيها. رضخ الجميع لرغبة في البقاء بالقرب من الكوخ ... حين حل المساء كرروا المحاولة معه فأبي الاستجابة لهم.
|
|
لازم الشرود جدي مدة طويلة ... ظل هادئا لا يصدر أي نوع من الإزعاج. بيد أنه بين الفينة والأخرى كان ينخرط في بكاء هيستيري، حين يسأله أحدهم عن سبب بكائه لا يجيب، ولا يتوقف عن نحيبه بحرقة، تنفطر لها القلوب.
شيئا فشيئا تدهورت حالة الجد، حتى أنه، في بعض الأحيان، أصبح لا يستطيع الوقوف على قدميه، يتنقل حبوا في حيزه الضيق. حالته الكلبية ترسخت في سلوكاته. أخذ يتناول الطعام بواسطة فمه مباشرة، دون استعمال يديه. الماء كذلك يلعقه كالكلب حذو النعل بالنعل .
انشغل الأهل بحالة الجد، أضحت شغلهم الشاغل، لكنهم لم يقووا على فعل أي شيء، أكثر همهم انصب على درء الفضيحة. وحدها عمتي، قامت بخطوات عملية، ذهبت عند " فقيه" القرية، راغبة في جلب تميمة، تذهب عن أبيها بعض ما حل به، حين استقبلها "الفقيه" كانت حريصة على عدم الإجابة بالتفاصيل على أسئلته، اكتفت بإخباره بأن أباها يعاني من حلول الجن في جسده، فأضحى يتصرف تصرفات غريبة لم تضع "الفقيه" في الصورة الحقيقية لما يحدث، خوفا من أن يفطن إلى ما وقع لأبيها، فيفتضح أمره في القرية. أعد "الفقيه" لها تميمة، أمرها بنقعها في الماء، لمدة ليلة كاملة تحت ضوء النجوم، وفي الصباح الباكر، تحمم أباه بذلك الماء...
الحقيقة أن وصفة "الفقيه" أتت ببعض مفعولها، فبعد جهد جهيد نزعوا عن الجد ما يرتدي من ملابس، وأفرغوا عليه الماء البارد، الذي جعله يحس أنه يستفيق من نوم عميق، يماثل غيبوبة بلا ضفاف. بدت علامات الفرح على الجميع. سرهم استجابة الجد للعلاج، أعادوه إلى البيت، وقضوا صحبته أوقاتا ممتعة، في المساء حملوا فرحهم معهم وأووا إلى مضاجعهم مطمئنين. سحابة من الغم انزاحت من سمائهم، أيقنوا معها أن فجرا جديدا لاح على الأسرة بعد أيام عصيبة، لم يشهدوا مثلها من قبل .
في صباح اليوم التالي، استيقظت العمة، كعادتها، مبكرة، دلفت نحو الجد لتطمئن عليه. لم تجده في مضجعه، أحست بصدمة قوية. تسلحت برباطة الجأش، وحدثت نفسها مطمئنة، بأنه يكون قد ذهب لتفقد حماره او محراثه، أو يقوم ببعض الأمور التي اعتاد القيام بها أيام كان معافى. عبثا بحثت عنه في كل مكان. حينها فقط خفق قلبها بشدة. تذكرت كوخ الكلب.
دون تباطؤ هرولت صوبه، فإذا بها تجده في المكان نفسه، يقعى بما يشبه الكلب والحبل حول عنقه، شلت المفاجأة حركتها. مكثت في مكانها تحملق فيه بعيون جامدة. لحظتئذ، سحت من مقلتيها الذابلتين دموع، لم تقو على منعها من الانحدار. تقدمت نحوه بخطى مرتبكة. دنت منه بشكل كبير، ثم خاطبته بصوت متهدج :
- ماذا حدث لك يا أبي . ألم تعاف بالأمس ؟
لم يجبها الجد بكلمة واحدة، بيد أنه أمام استغرابها، أخذ يتمسح بقدميها، وكأنه كلب حقيقي، انفطر قلب العمة، وكاد يغشى عليها من هول الصدمة، استجمعت قواها، وقفلت عائدة نحو البيت، فأخبرت الجميع بما حدث.
مع الأيام اعتاد الجميع على وضع الجد الجديد، حاولوا أن يتعايشوا معه رغم غرابته ... بل طفقوا تدريجيا، يتجاهلونه. وحدها العمة ظلت تعتني به، وبالمكان الذي يحيا فيه ... حالته الصحية تتدهور، فلم تنفع تميمة أو بخور أو أي شيء آخر. أحد الذين سمح له الأهل بالإطلاع على حالته الكلبية هاته، نصحهم بأن ينقلوه إلى " بويا عمر ". لكن قلوبهم لم تطاوعهم في رميه هناك. إنهم يعرفون حالات أناس ذهب بهم أهلهم إلى ذلك المكان، فمكثوا بين ظهراني " الولي الصالح " مدة طويلة دون أن تتحسن حالاتهم، بل أضافت إلى كاهل عوائلهم هما جديدا، بسبب بعد المسافة والتكاليف التي تتطلبها زيارتهم والاعتناء بهم. ولقد انتهى المطاف بأكثرهم بإهمال ذويهم ونسيانهم هناك حتى قضوا بؤسا وشقاء.
|
|
ما أعرفه بعد ذلك، أن الجد كان يظهر بشائر الفرح على وضعه الجديد ... فإن كانت حالته الصحية قد تدهورت فإن بريق الرضى كان يشع من عينيه. لقد أضحى سعيدا بتقمصه لشخصية الكلب. التماهي معه يضخ مياه البهجة في بركة ذاته، قضى فترة من الزمن ليست قصيرة يرتع في دنياه الكلبية، إلى أن وجد في صباح أحد الأيام ميتا، ترتسم على شفتيه الشاحبتين ابتسامة الرضى. وكأنه يفارق الدنيا وقد حقق ما تصبو إليه نفسه من أحلام وتمنيات. فلا أحد سواه يعرف حق المعرفة مدى الاشباع الذي حققته له كلبيته.
وهنا – عزيزي القارئ المفترض، أجدني مضطرا لمخاطبتك مباشرة. هل يكفي ما قرأته حتى الآن، لكي تحكم على حالتي المرضية بأنها منحدرة من هذا الجد، الذي تقمصته شخصية الكلب أو تقمصها ؟ قد يكون في الأمر بعض الصحة، لكن هذا لم يخلصني من حالتي، مع أنني أستحضر هذه الحكاية منذ سمعتها، فإنها لم تضف شيئا ذابال إلي. وكما هو معروف، عندما تتنقل أسباب المرض من اللاوعي إلى الوعي، تصبح أقل حدة، ويأخذ المرض في الخفوت شيئا فشيئا حتى يضمحل ... وبصراحة لم يحدث ذلك في حالتي، وبالتالي استنتج أن هناك أمورا أكثر قوة، تتوارى في الظل محاولة الاختباء، وأظن أنني لم أسلط عليها بعد الأضواء الكاشفة ... قد تجادلني قائلا إن الأسباب الوراثية لا مفر منها ولا سبيل إلى قهرها سواء وعى المرء بها أم لا ... وهنا أرد عليك بأن إحساسا ما يدفعني إلى الإعتقاد بأن حالتي المرضية غير مرتبطة بحالة الجد الكلبية ... ربما سيأخذك العجب من ادعائي هذا، فتسائلني هل من دليل على قولك. فأجيبك، بكل بساطة، إن أردت التأكد من ذلك، فواصل السير معي، فذلك وحده كفيل بمعرفة الجواب.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية