المظلة

إبداع ونقد

قراءة نقدية لمسرحية الكرسي السعدية باحدة

قراءة نقدية لمسرحية الكرسي السعدية باحدة

 

الكرسي " لغز حضاري كبير



تقديم


يتميز الكاتب مصطفى لغتيري بحضوره الدائم والمستمر على الساحة الثقافية ، فهو أديب ديناميكي ونشيط لا تنقصه الجرأة في خوض التجارب الابداعية ولا تثنيه عزيمته في السفر عبر أجناس أدبية متنوعة .
فمصطفى لغتيري قاص تستهويه البدايات ' حيث أطل من خلال مجموعتين في القصة القصيرة ' خاض بعدها غمار القصص القصيرة جدا في مجموعته الجميلة '"مظلة في قبر" ليركب صهوة الرواية حيث صال وجال ب"رجال وكلاب" ليحط رحله في رحاب المسرح بمسرحية من فصل واحد بعنوان "الكرسي".

فالى أي مدى استفادت هذه التجربة الجديدة من ذلك اليم المتدفق من الابداعات السالفة ؟

وما هو سر "الكرسي "الذي تزخر به الأعمال الابداعية للأدباء كعناوين لأعمالهم ؟

وما هو هذا اللغز الحضاري الكبير الذي تكشف عنه مسرحية الكرسي؟

في البداية حدد الكاتب المكان والزمان الذي ستدور خلاله احداث المسرحية ' فكيف وظف هاتين التيمتين؟

المكان

أول ما نلاحظ أن التعريف بالمكان جاء بصيغة النكرة 'وهذا ان دل على شيء فانما يدل على قصدية الاختيار سواء بالنسبة للزبون أو بالنسبةللكاتب .فالزبون يحتاج الى مكان خال ليجالس كتبة وجرائده..وهذا ضرب من الجنون والحمق أدمنه المولعون بالتمعن في النفس وعلاقتها بالكون.

في حين أن الكاتب أراد أن يوصل الى القارىء من خلال التنكير والتعريف'مقاربة مهمة انبنت عليها المسرحية من البداية 'وهي تتمثل في الزبون "ب-ال-التعريف الذي يرمز الى الذات في علاقتها مع الأشياء الخارجية'التي تتسم بالتنكير 'وهي علاقة غربة وغرابة وعزلة ووحشة وما انتقاؤه للمفردات الموحية'بصيغة التنكير الا خبر دليل على ذلك(مقهى-موحش- مكان-منعزل- مناضد-كراس-كتب-جرائد..)

الزمان

اختزل الكاتب الزمن في "أصيل يوم خريفي" فماذا يريد بذلك؟

نعرف أن اليوم في فصل الصيف يتميز بالطول بالمقارنة مع قصر يوم خريفي...

والأصيل الذي يعني الغروب والأفول 'فهو أيضا يختلف من لآخر .فغروب شمس أيام الصيف تتسم بالجمال والصفاء والحبور في حين أن غروب فصل الخريف يوحي بالكآبة والحزن...

اذن لماذا اختار الكاتب أصيل يوم خريفي؟

رأينا أن قصر اليوم الخريفي هو قصر المدة الزمنية التي تظهر من خلال الزمن بنوعيه 'زمن الحكي /والزمن النفسي.

1 زمن الحكي

قلت أن قصر أيام الخريف قد يريد به الكاتب قصر المسرحية زمنيا 'فزمن الحكي في مسرحية من فصل واحد 'ضيق جدا فهو لم يعمد الى جمالية ا سترجاع و الاستباق التي قد تطيل النص وتتطلب زمنا أطول بل انه قد عمد الى تقنية تكثيف الحكي واختزال الجمل وتسارع وثيرة الأحداث في حيز زمني قياسي' وهوما يؤكد جمالية صيرورة السرد عند مصطفى لغتيري الذي ميز قصصه القصيرة ،وبذلك استفادت منها مسرحيته هاته .

الزمن النفسي/

الزمن النفسي تأثر بالقصروالإختزال والتكثيف،ويظهر ذالك من خلا ل قصر الإشادات التعبيرية التي توجه القارىء ،والتي غالبا ما يختزلها في كلمة واحدة ،بدون وصف للملامح أو الحركات ..ك(باكية-حزينة –متألما-مندهشا..)

3- السرد

إذاتأملنا المسرحية جيدا وأعدنا قراءتها من خلال الأسلوب النثري فقط،وأبعدنا الأسلوب الحواري ،فإننا سنجد أنفسنا أمام قصة كاملة لاينقصها إلا بعض الروابط بين الجمل.

والعكس أيضا ،إذا أعدنا قراءة النص من خلال الحوار فقط ،سنجده يؤدي معناه التام لاينقصه إلا جملة من مثل"وامصيبتاه...لقد علقت مرة أخرى" هذه الجملة المبثورة التي جاءت صامتة وتركها المؤلف للجمهور لينطقها.-هي قمة الدراما المسرحبة ،لأن الخلاص المطلوب جاء بعد صراع واستماتة ومعاناة ،أتت بعدها مباشرة لحظة شرود ولامبالاة ليعاود ارتكاب الخطأ فيعلق نتيجة فعل ربما يكون اختياريا أو مجازفة أو تقصيرا في أخذ الاحتياط...والكاتب هنا عمل بقولة امبرتو ايكو"ان المؤلف يقدم للمفسر والعارض والمخاطب عملا عليهم استكماله"1

أما المساحة الورقية فكانت فيها الغلبة أيضا للنص النثري ..لماذا جاء النص النثري أكثر طولا؟لماذا تكلم الراوي أكثر من الشخصيات؟ألأن المؤلف تحكمه نزعة السرد القصصي؟ أم لغاية في نفس يعقوب؟

لكن الشيء الجميل في النص هو عندما يتظافر السرد مع الحوار فيتقاسمان توصيل الصورة صوتا وحركة' حينذاك يتمخض الموقف المسرحي عن كاريكاتورية صادمة تكشف عن فظاعة الموقف الدرامي'مثل"يحاول الزبون الوقوف 'لكنه لا يستطيع ذلك ..الكرسي يلتصق بظهره يقوم بحركات اعتباطية 'تشي بارتباكه وتضايقه.."

الزبون –ماذا حدث؟..ما هذا المكان الغريب.؟ كيف يلتصق هذا الكرسي اللعين بي ؟

لقد ارتفع بالواقعية الى الخيال' فإدمان الجلوس على الكرسي 'يعني الالتصاق به كما تظهر الصورة الخيالية في النص 'وفي ذلك يقول عبد الفتاح الحجمري "الكاتب المحنك هو الذي يعيد اكتشاف ما هو خفي و منسي فيما نحياه يوميا"2

الوظيفة اللغوية قي أدب القص كان له تأثير كبير من خلال توظيفه فن الحوار والتوجيهات المسرحية مع الاهتمام بالعلاقة بين اللغة المنطوقة واللغة الغير المنطوقة وزادها نكهة ذلك التبئير اللغوي في كلمة "غريب " التي تكررت بطريقة مباشرة وصريحة عن طريق الحوار

فهي تفيد الشك في ...يبدو أنك غريب.

وتفيد اليقين في ...بالطبع أنت غريب.

وتفيد الاثبات عن طريق الاستفهام الاستنكاري في....ألم أقل لك بأنك غريب ؟

هذا الحوار على لسان النادلة.لكن هاته الكلمة خرجت من إطار التخصيص الى إطار التعميم على لسان الزبون .فجاءت تحمل بين طياتها معاني الألم والارتباك والتساؤل والتعجب في قوله "ما هذا المكان الغريب ؟

ناهيك عن المفارقات التي يزخر بها النص ،وهي مفارقات سبق أن كشف عنها الأ ستاذ عبد الرحمان مولي في دراسته لبعض نصوص "مظلة في قبر " حيث قال عن المفارقات التي تثير الدهشة "هي مفارقة فيها اشارة الى جزء من معاناة الانسان المعاصر الذي يجهد نفسه كثيرا في العمل من أجل تحقيق أمل يكبله بقيود كان يمكن أن يتجنبها بسهولة " 3

إن التعبيرات النفسية أو الاشارات التعبيرية قد صاحبتها تحولات في العواطف و مفارقات

الدهشة /الخوف ..."دهشته تتحول تدريجيا الى خوف "

الفرح يتحول الى بكاء .

الغناء يتحول الى صراخ.

تحول الزبون من موطن ضعف الى موطن قوة .

تحول النادلة من قوة الحضور والتسلط الى وضع بئيس فانسحاب .

تحول من الرفض والمقاومة من أجل الانعتاق الى الاستسلام والارتماء في أحضان المرفوض .


اذن فالتشكيل الرمزي الذي انبثق من علاقة المكان بالذات' وهي علاقة التصاق والتحام الشيء الذي يكشف عن حقيقة مؤلمة وعارية 'يكون خلالها الكاتب واثقا من بلوغ رسالته لأنه يوجهها الى متلقي متواطىء ضمنيا معه' وذلك بوجود عنصر التواطؤ الذي يمثله الكرسي كمعنى قدحي والكرسي كمعنى مجازي/كقيد للجسد وفي نفس الآن يسمح للروح بالانطلاق والحرية للتأمل والتفكير في الحياة والوجود بنوع من القلق الوجودي (هو الدازين عند هايدجر)/و كسجين مرفوض ومفروض لاخيار لك فيه ولا محيد لك عنه'ولأن العيش في حضنه حياة والبعد عنه عدم.

وهذا ما تؤكده العلاقة التفاعلية بين الكرسي والنصوص الابداعية لأدباء آخرين ك(الكرسي الأزرق لعبدالله المتقي –وديوان الكرسي لمحمد اللغافي –وأقصوصة الكرسي لعبدالنبي داشين .....)

أصبح الكرسي هو أنطولوجيا الانسان المعاصر بحيت يصعب أن ينفطم عن إدمانه الا بمصيرين مؤلمين ...المرض أو الموت.كما وقع لعبد الصمد بطل أقصوصة عبد النبي داشين..فحين لفظه كرسي الوظيفة بعد أربعين سنة عوضه بكرسي مستعمل ..وراح ينتظر في برودة من وراء زجاز النافذة.....وعندما يهرع الحفيد يجد حضن الكرسي فارغا ...فلولا الموت لما غادر عبد الصمد الكرسي.

اذن فقد كشف النص المسرحي عن سر الالتصاق بالكرسي ليرمز به الى سر الارتباط والالتصاق بالوجود

وتحول هذا اللغز المنكشف الذي كشفت عنه دراما النص الى لغم كبير ..وهذا ان دل على شيء فانما يدل على"أن الانسان ضحية القدر 'وعبدا لظروفه ولنوازعه النفسية التي تحكمه بقبضة فولاذية تحكم السيطرة عليه"عن الأسطورة .

،حضن جميع فئات المجتمع وجميع طبقاته .فالثقفون يدمنون كراسي المقاهي والصالونات الأدبية.والعاطلون يفنون أعمارهم على كراسي الأحلام في الحانات ومقاهي اليناصيب حالمين بضربة حظ لن تأتي .وشباب في عمر الزهور بدأوا يقيمون علاقات غرامية مع كراسي الأنترنت من أجل الشات وأشياء أخرى ....ناهيك عمن أدمنوا الجلوس على كراسي الحكومة ...ولكم واسع النظر.

ختاما

فالكاتب قد عكس من خلال الكتابة النصية الحقيقة الاجتماعية بلغة درامية حية وجعلها مأساة الانسان المعاصرفي قالب كاركاتوري ساخر نابع عن قلق وجودي وصدق فني .فتصوروا لو علق الكرسي بظهور كل مدمني الكراسي .. فكيف ستجدوا الشارع؟لانملك آنذاك إلا الضحك،و تكون آنذاك قيمة الانسان تتحدد من خلال نوع الكرسي الذي يلتصق به ،آليس كذلك؟

السعدية باحدة

 



أضف تعليقا