نظم الصالون الأدبي يوم السبت 26 ماي بمقهى فضاء بلادي لقاء أدبيا تمحور حور "راهن القصة القصيرة بين التقليد والتجريب " ، حضره ثلة من النقاد والقصاصين ، وقد افتتح اللقاء الذي أدارت أطواره بحنكة واقتدار الأديبة فاطمة بوزيان بكلمة الصالون التي ألقتها الشاعرة مليكة صراري ، حيث وضعت الحضور من خلالها على آخر مستجدات الصالون ، وخاصة فيما يتعلق بانتخاب مكتبه المسير ، دون أن يفوتها توجيه الشكر للصحافة الوطنية ، التي دعمت الصالون الأدبي إعلاميا عبر مراحل تكونه المختلفة .. بعدها مباشرة تناول الكلمة سعيد بوكرامي ، الذي ألقى ورقة كانت بمثابة توطئة لمحور اللقاء،وقد استهلها بعبارة دالة و معبرة ليوسف إدريس، يتحدث فيها عن معاناته المريرة من أجل امتلاك صوته الخاص في الكتابة القصصية، ليطرح بعد ذلك بوكرامي جملة من الاسئلة العميقة التي يمكن من خلال الإجابة عليها أن يكون المرء تصورا واضحا حول راهن القصة القصيرة تقليدا وتجريبا ، مركزا على أن القصة التقليدية تكتب المعنى السائد ، وهي بطبعها ماضوية ، فيما تتجاوز القصة التجريبية التاريخ والجغرافيا لترسم معالم خصوصيتها الجمالية ، وهي تكتب اللامعنى ومفتوحة على المستقبل.
الناقد عبد الرحيم مؤذن اختار أن تكون مداخلته عبارة عن رحلة في الزمن القصصي ، محاولا الوقوف على أهم المراحل التي اجتازتها القصة القصيرة ، حتى يتمكن الحضور من ربط الماضي بالحاضر ، ومن ثمة تكوين صورة واضحة عن المشهد القصصي المغربي ، فافتتح الناقد مداخلته بمحاصرته لمفهومي التقليد والتجريب كما يتصورهما ، وركز على الخصوص في التعريفين على المعيارية التي اعتبرها العامل الحاسم في التمييز بينهما ، فإذا كان التقليد يؤمن بالمعيارية ويحتذي نموذجا ما ، فإن التجريب ينأى بنفسه عن ذلك ، لكن مكر التجربة تجعل التجريب نفسه سرعان مايصبح تقليدا ومعياريا حينما يكرس نفسه كنموذج .. وقد اعتبر الناقد أن البداية الحقيقية للقصة القصيرة في المغرب تجلت في كتابات الأربعينيات من القرن الماضي وإن كانت بواكر الكتابة القصصية ظهرت بعض إرهاصاتها في الثلاثينات ، و تميزت هذه المرحلة ببداية تكون نخبة مدينية ، فيما تميز قصاصوها - إبداعيا- بترجمة و وثيقة المطالبة بالإستقلال إلى نصوص قصصية ، بمعنى هيمنة الهم الوطني المتجسد خصوصا في السعي نحوالاستقلال .. أما مرحلة الخمسينات فتميزت - يقول الناقد - بالسعي نحو بناء الدولة الحديثة ،ومثلها قصصيا بامتياز محمد الخضير الريسوني ، وإذا كانت المراحل السابقة قد عرفت اهتمام قصصها بالبطل ، فإن مرحلة الستينات عرفت بزوغ مفهوم الشخصية ، وخاصة الشخصية الهامشية ، وهذا يؤشر على نقلة نوعية في الممارسة القصصية ، كما تميزت هذه الفترة بظهور بعد المتابعات النقدية للمنجز القصصي ، ،و قد توقف عبد الرحيم مؤذن كثيرا عند المرحلة السبعينية التي وسمها بالعصر السبعيني مبرره في ذلك "الثورة " الشاملة التي عرفتها أنماط الحياة خلال تلك الحقبة ، فطالت أذواق الناس ومعيشهم ، وتميزت على مستوى الكتابة القصصية برفض النموذج التيموري ، معوضة غإياه بالتداخل السردي ، والإنصات الجيد لواقع فائر ومضطرب ، وحالم ، أما مرحلة الثمانينات فأطلق عليها الناقد مرحلة "الحساسية الجديدة" ، وأصبحت خلالها القصة تفكر في ذاتها، تطور المونولوغ ، استمرت في تنمية الحس التجريبي ، الذي ابتدأ مع السبعينيين ، أنا مع التسعينيات ، فيمكن للمرء أن يلاحظ بسهولة- يضيف مؤذن- التصاعد الكمي للإصدارات القصصية ، وظهور منابر و نواد تهتم بالقصة القصيرة ، وازدهار الممارسة النقدية المهتمة بالقصة القصرة ، على الأقل على المستوى الكمي ، وتتميز هذه المرحلة عند بعض القصاصين بتدمير الحكاية ، وبكثير من الادعاء التجريبي ، وقد ختم الناقد مداخلته بطرح جملة من الأسئلة تضع التجريب في المحك ، ومنها هل استطاع أن تخلق هذه القصة التي تدعي التجريب جمهورها..
الناقد محمد الزرايدي اختار أن يفتتح مداخلته بمساءلة المحور الذي اختاره الصالون الأدبي للقاء ، لينتقل بعد ذلك إلى تحديد مفهوم الجنس الأدبي ، محاولا وضع تعريف للقصة وللكتابة ، مركزا على أهمية الحكاية في جنس القصة القصيرة ، طارحا عددا من الأسئلة العميقة حول التجربة القصصية بصفة عامة ليخلص الناقد إلى أن تناول راهن القصة القصيرة المغربية من منظور التقليد و التجريب أصبح في الوقت الراهن أمرا ملحا وأساسيا لإنتاج معرفة بجنس القصة القصيرة ، الذي غدا الجنس المناسب للتعبير عن واقعنا ومفارقاته..
وبعد جولة موفقة في وهاد المتن القصصي ، توقف الناقد عند التجربة التسعينية، فخلص إلى أن هناك أنماطا متبياينة داخل المتن القصصي التسعيني ، ومنها نصوص قصصية مسايرة للركب القصصي السابق ، ونصوص قصصية قررت اللجوء إلى التعتيم والإبهام ، ونصوص أخرى تحاول الاقتراب من لغة الفن و تبتعد قدر الإمكان عن لغة الأدب ، إذ تستلهم إيقاعات الموسيقى و مشاهد اللوحات ولقطات السينما و لغة المسرح الدرامية حسب أحد كتاب القصة التسعينيين ، وقد عمد الناقد إلى إدراج مجموعة من الأقوال للكتاب التنسعينيين تدور حول تصورهم للكتابة القصصية ، ليخلص إلى ان القلة القليلة منهم تنطلق من تصور واضح للكتابة القصصية ، مبنية على رؤيا محددة لفعل القص.
وبعد هذه المداخلة تناوب القصاصون على إلقاء قصصهم ، واختار جلهم قصصا من إصداراتهم الجديدة ، وهذا استمتع الحضور بقراءات جميلة لكل من مليكة نجيب ، وعبد العالي بركات و منى وفيق وعبدالواحد كفيح وربيعة عبد الكامل و عبد الله البقالي ، لامس من خلالها الجمهور مدى التنوع الذي يحبل به مشهدنا القصصي لا من حيث المضامين فقط بل ومن حيث الأشكال كذلك .
بعد استراحة قصيرة تم فيها توقيع الإصدارات الجديدة من طرف أصحابها استؤنف اللقاء بمناقشة لأهم المضامين التي تفضل بها الناقدين في هذا اللقاء ، الذي استطاع أن يطرح أسئلة القصة القصيرة العميقة ، وأن يجمع بين أحضانه القصاصين والنقاد ، الذين تشعبت مناقشاتهم على هامش اللقاء، فتوجت بصداقات جديدة ومشاريع مستقبلية مشتركة ، فكان ذلك بالتحديد مبعث فخر واعتزاز للصالون الأدبي والساهرين عليه
مصطفى لغتيري
عن الصالون الأدبي
.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية