قراءة في مظلة في قبر
كتبها محمد عدناني
أصدر القاص مصطفى لغتيري آخر أعماله القصصية تحت عنوان “مظلة في قبر” وهو ثالث اصدار لهذا المبدع بعد مجموعته القصصية القصيرة:”هواجس امرأة”(2001)، وقصصه القصيرة: شيء من الوجل” (2004).
وبذلك يظل هذا القاص مخلصا لجنس السرد المجسد أساسا في الابداع القصصي. بل انه آثر أن تكون قصصه الأخيرة قصيرة جدا لا تشغل من بياض الصفحات الا القليل، ولا تشغل من وقت القارئ أيضا الا لحظات، وقد حسم المؤلف أمر التجنيس الأدبي لابداعه حين أثبت على واجهة الغلاف( عبارة: “قصص قصيرة جدا”، وربما كان هذا الاختبار في الكتابة صادرا عن وعي بضرورة إراحة القارئ من عناء المكتوب الطويل الذي لا حول ولا قوة له بتتبعه، وهو في ذلك منسجم والمناخ الثقافي العام سواء تعلق الأمر بالأغنية أم القصيدة أم القصة.
ويمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين ترتبطان بشكل هذه القصة.
أ- التجاء لغنتيري الى تكثيف الدلالة في أقل عدد ممكن من الكلمات حتى أن نصف القصص أو أقل بقليل لا يستغرق الا نصف الصفحة أو أدنى من ذلك.
ب- اختياره لأشكال هندسية تقترب اقترابا كبيرا من شكل قصيدة التفعيلة، وكأن الأمر يتعلق بكتابة الشعر لا النثر. ولولا هيمنة اللغة التقريرية المباشرة التي يوجهها الحكي حينا والحوار حينا آخر، لظن القارئ أنه أمام مقتطفات من قصائد شعرية، خاصة وأن منطق الشعر تحول بدوره ليجافي لغة التصوير والإيحاء، ويقترب من لغة اليومي المتداول.
ولأن المقام لا يسمح بجلب الكثير من الأمثلة نكتفي بإثبات هذه القصة التي تختزل ما أشرنا اليه في الملاحظة الثانية، يقول لغتيري في “قمر”:
قبيل جلائها، أهدتنا فرنسا قمرا..
تسلينا كثيرا برؤيته..
لكن بعد اختفائه،
اكتشفنا أنها رحلت..
وقد أخذت معها الزر الذي يشعله.
(ص 28)
تضعنا هذه القصة على مشارف الأبعاد الدلالية لمختلف القصص التي تتجه في مجملها الى تعرية الواقع ومساءلته إما بطريقة مباشرة لا تتكئ على الرموز والاستعارات لشخصيات ووقائع وإسقاطها على الواقع الحاضر، وإما بطريقة موحية تجعل من الرمز عمودها الفقري بمختلف تجلياته، فلا يشكل على القارئ تلمس ما في هذه القصص من غنى وثراء على مستوى المرجعيات التي ينهل منها لغتيري لبناء الدلالة، فقد استلهم الكثير من الأحداث التاريخية العالمية التي كان العرب طرفا فيها، أو كانت أرضهم مسرحا لها، مبديا الكثير من الصمود في وجه الطامعين، في قصة “المومياء”:
في كل خطوة خطاها “نابليون” نحو مصر، ظل يداعي خياله حلم بأن يعتبر هنالك على “كليوباترا” أخرى، ينسج صحبتها قصة حب، تخلد ذكراها في وجدان البشر.
جد نابليون في البحث، ونصب عينيه ما حدث منذ زمن سحيق بين “أنطونيو” ومعشوقته “كليباترا: لم يأل جهدا في سبيل تحقيق مبتغاه، لكن بعد مدة طويلة من التقصي، اقتنع أخيرا، أن المرء ليس بوسعه السباحة في نفس النهر مرتين.
حينذاك حمل معه مومياء، وعاد قانعا بغنيمته الى فرنسا.
ولا يعدم القارئ وجود أصول ومرجعيات مختلفة يعود اليها لغتيري لتشكيل عالمه القصصي خاصة وأن الشكل الذي ارتضاه لإبداعها يستوعب استيعابا كليا هذه المرجعيات المتعددة، فمنها التاريخي والاجتماعي والسياسي والديني..، بل ان الموروث الشعبي كان شفاء كريما للمبدع في بناء بعض قصصه، فلنتأمل قصته: “النورسة”. يقول:
هنالك في أعماق المحيط حلقت نورسة جائعة… عبثا ترقبت ظهور سمكة.. قوة الرياح أنهكتها. فهدها التعب، فجأة لاح لها، من بعيد، مركب صيد صغير، يتقاذفه الموج تمنت لو تستطيع أن ترسو عليه هنيهة لتستجمع أنفاسها، وتحلق من جديد… لمحها الصياد،وقد أنهكه تقلب الموج..تمنى، لحظتها، لو كان له جناحاها، لغادر المحيط في لحظات..ص 26.
تجد هذه القصة مرجعيتها الكاملة في المثل الشعبي المغربي الذي يختزل تعارض الرغبات البشرية وتناقضها بحسب أصحابها، حيث إن أحدا يغريه وضع الآخر ويتمنى تملكه، في حين يتمنى هذا الأخير وضع الأول ويجهد لتبوئه حتى وان كانت هذه الأمنيات صادرة عن جهل بما يعانيه صاحب المقام الأول، وهذا المثل هو: “الراكب تيكول مصاب ننزل، والنازل تيكول مصاب نركب”.
إن هذه القصص القصيرة جدا حبلى بالدلالات العميقة التي لا يمكن فهمها من القراءة الأولى ودون احاطة واسعة بالمحيط الثقافي المتنوع الذي يغرف منه لغتيري قصصه.
بقي أن نشير في هذه القراءة المختزلة لهذا العمل الإبداعي الى غلبة السخرية على جل القصص. فبالإضافة الى قصة “قمر” التي أثبتناها في بداية هذه القراءة والتي تسخر من سذاجة المغاربة المتمثلة في حرية مبثورة وموجهة، نجد فصصا أخرى تنحو نفس المنحى حتى وإن كانت أحداثها واقعية كما أثبت أسفل قصته “ثورة” نقرأ:
أطلت زوجة الحاكم من شرفة قصرها
رأت جحافل الشعب ثائرة
سألت وصيفتها قائلة
لماذا يفعلون ذلك؟
أجابت الوصيفة:
إنهم يطالبون بالخبز، لقد أنهكهم الجوع
مستغربة تساءلت زوجة الحاكم:
ولم لا يأكلون الحلوى؟ ص 61
وللسخرية من الواقع المتردي الذي يعيشه الانسان والعلاقات التي تحكمه وطبيعة النظم الثقافية التي تحكم سلوكاته تجليات أخرى تقترب من النكتة كما في قصته “كابوس” ص 55 التي يعالج فيها قضية الأحلام المزعجة وسبل علاجها، حيث ثقافة الفقيه والتعويذة مهيمنة على العقول. إلا أنه وجد السبيل لإبداء موقفه الساخر من كل ذلك حين جعل بطل كابوس الطفلة مزدوج بعدما كان مفردا، فالأول كلب، والثاني كلب آخر، لن يجد القارئ صعوبة في إدراك أنه الفقيه الذي يسعى إلى مداواة الفتاة من مطارد الكلب الأول، فتحول إلى كابوس مزعج يضاف إلى الكابوس الأول.
المنعطف الثقافي 18-02-2006









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية