المظلة

إبداع ونقد

القصاصون المغاربة و سؤال الشأن العام

تحقيق صحفي:
القصاصون المغاربة وسؤال الشأن العام

* أنجز الملف: هشام حراك

منذ ما سبق حصول المغرب على الاستقلال عام 1956، ورواد ورموز القصة المغربية يلحون على الخوض في الشأن العام: شأن الاستقلال مع البدايات الأولى لتشكل ملامح القصة المغربية المناهضة للاستعمار ونخص بالتحديد هنا: المؤسس الفعلي للقصة المغربية القصيرة عبد المجيد بن جلون في شخص مجموعته القصصية الرائعة والمناضلة لأجل تحرر الانسان المغربي: “وادي الدماء” … ثم، فيما بعد الاستقلال مع مجموعة من الأقلام القصصية المناضلة لأجل التأسيس للحرية والتنمية والديموقراطية وحقوق الإانسان وبالتالي لبناء الدولة المغربية الحديثة مع أسماء بصمت تاريخ القصة المغربية، بل والعالمية، من قبيل محمد زفزاف ومحمد شكري وعبد الجبار السحيمي والطاهر بن جلون وإدريس الشرايبي وغيرهم …وصولا إلى الجيل القصصي المغربي الجديد، الجيل المخضرم بين الألفيتين: الثانية والثالثة: جيل التسعينيات ، تحديدا، جيل الأزمات والانتكاسات الاجتماعية والسياسية المتلاحقة.. وجيل ظهور موجة التجريب حيث الدعوة مركزة على الانكفاء على الذات.. لكن: من داخل هذا الجيل القصصي الجديد توجد أسماء قصصية جميلة ما تزال تؤمن بجدوى الكتابة والالتزام بالشأن العام، قصدنا بعضا منها بخصوص سؤال القصة الجديدة وسؤال الانخراط في هذا الشأن العام، فكان لنا جميعا هذا الملف.

**********

القاصة : زهرة رميج

اهتمام المبدع بالشأن الخاص على حساب الشأن العام
سيكرس واقع التخلف و سيعيدنا إلى عصور الانحطاط

الأدب ابن بيئته كما يقال. فهو يعكس واقع المجتمع في حركته و سكونه و في توهجه و انطفائه. و من هنا، يأتي الفرق بين كتاب مرحلة الستينيات و السبعينيات و مرحلة ما بعد الثمانينيات.
لقد كانت المرحلة الأولى كما هو معلوم، مرحلة المد الثوري في العالم كله، بما فيه العالم العربي. و كانت درجة الوعي السياسي عالية و النظرة إلى العالم شمولية إلى أقصى حد. كان الكاتب بناء على ذلك، لا يرى نفسه ذاتا فردية معزولة عن واقعها العام، و إنما جزءا لا يتجزأ من واقع لا بد له من الإسهام في تغييره. لقد تأثر كتاب الستينيات و السبعينيات بالكتابة الملتزمة التي تفرض على الكاتب أن يكون منخرطا أو على الأقل متعاطفا مع تيارات سياسية تقدمية مناهضة للسلطة المهيمنة، و بالتالي أن يكون مهتما بالضرورة، بالشأن العام.
و كان مفهوم الكتابة آنذاك، منسجما مع هذا التوجه. ف”الفن من أجل المجتمع” كان له التأثير الأقوى الذي لم يكن تيار ما يسمى ب”الفن من أجل الفن” ليحضى به في مثل تلك الظروف و هو يهدف إلى التعبير الجمالي المحض خارج علاقة هذا الجمال بالواقع.
كان الفكر الاشتراكي مهيمنا، و معظم الكتاب يؤمنون به و يسعون من خلال كتاباتهم إلى إبراز التناقضات الاجتماعية و الصراع الطبقي و تصوير واقع الطبقة العاملة و الفئات المهمشة المسحوقة. و كان الكتاب قصاصين كانوا أو روائيين أو شعراء يرفعون أصواتهم عاليا و ينددون بما يحدث في المجتمع و يتخذون المواقف التي تثير الجدل على الساحة الثقافية و الساحة السياسية.
لقد تربى هؤلاء الكتاب على رفع الصوت و الإجهار بالرأي و اتخاذ المواقف سواء في شكل نصوص إبداعية أو مقالات أو عبر الحوارات. و كانت ميزتهم الأساسية الصراع مع السلطة التي تحد من حرية الإبداع و تقمع كل الأصوات المناهضة للفساد السياسي و الاجتماعي. و هذا ما عرض الكثيرين منهم للاعتقال و النفي.
كان الكاتب يقف على الطرف النقيض للسلطة ليحافظ على استقلاليته و قدرته على ممارسة دور الكاتب الحق الذي يوظف قلمه لتعرية الواقع و ملامسة الجراح بمختلف أنواعها.
لكن، مع سقوط جدار برلين و تفكك الاتحاد السوفياتي و هيمنة القطب الواحد ممثلا في النظام الرأسمالي تحت ما يسمى اليوم بالعولمة، انكسرت الأحلام المجنحة و سقط ” النموذج”. و ما يعيشه العالم العربي منذ أوائل التسعينيات من انكسارات متتابعة في العراق و فلسطين، و من مد أصولي متطرف اكتسح الساحة السياسية و الاجتماعية، جعل كتاب هذه المرحلة يعكسون هذه الهزائم بالانغلاق على الذات الفردية و الغوص في أعماق أعماقها. و أصبح السعي وراء المعنى في الكتابة مثار سخرية من طرف الكثيرين إما لكونها أصبحت موضة متجاوزة في رأي بعض الكتاب بمن فيهم كتاب من تلك المرحلة نفسها، أو لكون العالم الذي نعيشه أصبح خال من أي معنى و من أي وضوح في الرؤيا لاختلاط كل الأوراق. ( و هنا أذكر ما قاله الكاتب إيميل حبيبي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي: ” لم يعد هناك ما يقال.” دلالة على الصدمة العنيفة التي عاشها كتاب تلك المرحلة).
لقد بدا لجيل ما بعد الثمانينيات، لا جدوى الخوض في الشأن العام و لاجدوى الكتابة عن المجتمع و قضاياه الجوهرية نظرا للإحباط و اليأس الذي عم العالم العربي و لا يزال. فصوت الكاتب لا يمكنه أن يسمع في ظل أصوات المدافع و القنابل و كل أسلحة الدمار الحديثة. و هذا التمزق الذي يعيشه الكاتب انعكس بالضرورة، على كتاباته و مواقفه بحيث لم تعد كتاباته تعكس الهموم العامة و لم يعد صوته يسمع. لقد أصبح يسير “جنب الحائط” كما يقول المثل المصري و لا يرى شيئا غير ظله.
و لكن دور الكاتب، في اعتقادي الخاص، يظل هو هو لا يتغير بتغير الزمان و المكان. فالكاتب بحكم ثقافته و وعيه الحاد، ليس إنسانا عاديا، و من المفروض ان تكون نظرته شمولية و أن لا ينحصر اهتمامه فقط بداته الخاصة و إنما يرتقي بهذه الذات لتلتقي و تنصهر في ذوات أخرى. و أن يسلط و لو بصيصا من النور على ما يحدث من حوله و أن يتصدى بما يملكه من وسائل بسيطة - و لكنها فاعلة و لو على المدى البعيد - لجحافيل الجهل و الظلام التي تكتسح محتمعنا و تجعله يتراجع إلى الوراء بعشرات السنين.
إن اهتمام المبدع بالشأن الخاص على حساب الشأن العام سيكرس واقع التخلف و سيعيدنا إلى عصور الانحطاط التي لاحت تباشيرها في الأفق. ذلك أن دور الكاتب كما يبدو لي، دور فعال و تأثيره أكبر بكثير من تأثير السياسي لما يتميز به من قوالب جمالية مثيرة تزداد إثارتها بعمق التجربة الحياتية و اتساع أفق الرؤيا.
و في الختام، أستند إلى نظرية فرويد في رؤيته للأديب على أنه إنسان “غير سوي” بالمعنى الإيجابي للكلمة. أي أنه مريض بالوعي و بهم التغيير و أنه لا يستعيد توازنه إلا من خلال رؤيته الجديدة للعالم. و بذلك، تكون الكتابة في عمقها، أداة لتغيير الواقع الذي يضغط بكلكله على وجدان المبدع. و لا يتحقق ذلك أبدا، مع اللامبالاة بالشأن العام و الغرق الكلي في الشأن الخاص.

القاص مصطفى لغتيري

الأمر مشروط بظروفه الإجتماعية والسياسية

أظن أن الأمر ليس مستغربا تماما ،لأن هذا الجيل عاش على إيقاع انطفاء جذوة الحماس للأفكار والإيديولوجيات الكبرى ،فسقوط الاتحاد السوفياتي و استئساد الرأسمالية بعدما ارتدت أزياء العولمة، وتراجع دور اليسار على المستوى الوطني ، وانتصار المخزن بالضربة القاضية .. كل ذلك أدى إلى انكماش الأديب على ذاته ،واهتمامه بنصوصه.. إذن فالأمر مشروط بظروفه الإجتماعية والسياسية.
ومع ذلك فإنني أتمنى أن يلتفت المبدعون إلى الشأن العام ليشكلوا قوة ضغط من أجل التغيير، فلا يعقل أن يظل الكتاب يتفرجون على وضعنا البائس، الذي لم يحسم في مسألة التحاقه بالركب العالمي ،خاصة فيما يتعلق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ،والتوزيع العادل للثروة.

القاص عبدالعالي بركات

الإسهام في مناقشة الشأن العام يأخذ أبعادا مختلفة

الإسهام في مناقشة الشأن العام يأخذ أبعادا مختلفة ولكل مواطن لأن “القاص هو مواطن قبل كل شيء” .. الكيفية التي ينخرط بها في العمل المرتبط بالشأن العام ، صحيح أن نسبة كبيرة من المبدعين “قصاصين وشعراء وتشكيليين وغيرهم..” غير متحزبين ، إلا أن هذا لا يعني أنهم ليسوا موجودين أو أنهم عدميون،لقد انتهى زمن المثقف العضوي . الجيل الجديد من المبدعين حاضر بإبداعاته وتلبيته لدعوات المشاركة في الأنشطة الثقافية، وهذا في حد ذاته عمل نضالي ، وشخصيا ما زلت أومن بقدرة الإبداع على تغيير المجتمع ، أكيد هناك إكراهات يواجهها النشاط الإبداعي، من قبيل ، عدم التفرغ وأزمة النشر والعزوف عن القراءة والتهميش والإقصاء ..كل هذه العوامل وغيرها تؤدي إلى إحباط المبدع وبالتالي ، فإن حضوره لا يبرز كما ينبغي ، ولهذا يسود الإعتقاد أن هناك استقالة للمبدع عن الإسهام في مناقشة الشأن العام.
أنا أعتقد أن لفظ”استقالة ” هو لفظ قاس شيئا ما.

القاصة حسنة عدي

القصة القصيرة هي خطاب يومي لا خطاب مرحلي

القصة القصيرة هي خطاب يومي لا خطاب مرحلي.. خطاب يسعى لبناء الإنسان في مختلف أبعاده الفكرية والروحية والجمالية، والقاص مسؤول عن تطور المجال الذي يبدع فيه، وهذا التطور يتطلب إلى جانب الموهبة وعيا عميقا بالمواضيع المتطرق إليها، والتي هي نتاج تفاعلاته مع الوجود المحيط به بكل عاداته وتراثه وعقيدته وانتمائه السياسي والفكري…
فهو يكتب لا لكي يملأ فراغا، أو يستجدي مدحا مقنعا بل ينبغي أن ينحث بالكلمة قطعة أدبية فنية تجمع بين الشكل والمضمون، أن يكتب بصوت الناس لا بصوته فقط، أن يحمل في داخله همومهم وانشغالاتهم وأحلامهم وانتظاراتهم من الحياة…
والملاحظ أن جيل الستينيات والسبعينيات ومجموعة من المبدعين المنتمين إلى جيل الثمانينيات انكبوا في كتاباتهم القصصية على الاهتمام بالشأن العام في حين نجد أنفسنا حاليا أما جيل من القصاصين المنغمسين في صياغة مواضيع ذاتية مكررة في قوالب جامدة، مبتعدين بذلك عن الخوض فيما يشغل الناس أكثر.
ربما ظروف العصر الراهنة هي السبب الرئيسي في إفراز هذا النوع من الكتابة : أي الكتابة عن الذات وما ينتابها من نكسات وانكسارات أو البوح بما يعتمل في دواخلها من مباهج الحياة.
فالمطلوب إذا ألا يستسلم القاص لإغراءات الكتابة عن الذات حـد التماهي، وألا يلغي ذاته أو يهمشها من أجل فسح المجال للخوض في الشأن العام الذي نفهم الحياة والإنسان من خلاله بشكل أفضل، ومن أجل ذلك فالقاص مطالب دوما بإعادة تأهيل ذاته المبدعة حتى يتسنى له مواكبة عملية الانخراط في الحياة اليومية، لِيُكْسِبَ محاور كتاباته القصصية التنوع المطلوب الذي يمكِّنُهُ من المحافظة على موقعه التفاعلي بين الشأنين معتمدا في كتاباته على حسه المرهف ووعيه العميق بذاته وبالحياة والناس والكون والطبيعة.

القاص محمد سعيد الريحاني

الحاءات الثلاث

مع كل أفق مسدود، يبدأ التفكير والحلم بمسار مغاير وأفق أفضل. وهذه هي مهمة القصة: إعادة تشكيل العالم وإعادة تفسيره وإعادة تجديد الرؤية وإعادة رسم المجرى للحرية الانطلاق والركض… لأن القصة القصيرة تبقى بحثا فنيا عن معنى الوجود وسعيا حثيثا للإمساك باللحظة المنفلتة وإيقاف الصور والذكريات الهاربة أبدا وتخليدها.
إن القصة القصيرة شكل من أشكال التعبير والتغيير معا .فالقصة القصيرة كلمة ، والكلمة صورة، والصورة مشروع حياة. لذلك، فالكلمات والصور والأحلام تصبح أشياء واقعية حقيقية إذا ما واكبتها إرادة التحقيق والرغبة في الإنجاز. إن القصة القصيرة الواعية تفتح الخيال على نوافذ جديدة وتنتج عوالم جديدة وتشيع مثلا جديدة وقيما جديدة… وهي في دلك تسلك احد السبيلين: “الصرخة” أو”الومضة”. “فالقصة-الصرخة” تفجر موقفا سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا معلنا وتشحذ الهمم وتعبئ القراء سعيا لتوسيع دائرة التأييد عبر قراءة نص “يفترض” أن يكون فنيا. و”القصة–الصرخة” هذه هي سليلة الأدب الملتزم والعمل الثوري والتعبئة الآنية للمعارك القريبة المدى باستهداف فئات عريضة من القراء وهو أحد النوعين الخالدين في التعبير القصصي لكنه ارتبط في تاريخ القصة المغربية بزمن القطبية الثنائية على المستوى الدولي وبقوى التغيير الاجتماعي والسياسي على المستوى الوطني .. وبانهيار جدار برلين، بدأ الإبداع المغربي يتداول مفاهيم سقوط الأوهام، سقوط الأقنعة، سقوط المعايير الجاهزة، سقوط… والتي لا تعني في نهاية المطاف غير سقوط الشكل القصصي الأول في تاريخ القص المغربي: ” القصة-الصرخة” وهو ما يمكن اعتباره بداية لتبني شكل قصصي جديد: “القصة-الومضة”.
تركز ” القصة-الومضة” على ” تصوير” لحظة هاربة ثم تضمنها المواقف والرؤى لإيقاظ القرارات في القارئ. والفارق بينها وبين “القصة–الصرخة” أنها تستهدف تغيير القارئ وليس التغيير بالقارئ. ولذلك ف”القصة–الومضة” ليست سليلة العمل الثوري ولكنها سليلة العمل التدرجي….
لكن في الحالتين، تبتعد القصة القصيرة عن أن تكون ” شكلا خالصا” مثل الموسيقى أو الرقص أو التشكيل. القصة القصيرة مضمون يعبر عن جوهره بشكله ، أو هو شكل يعبر عن مظهره بجوهره. وما دامت القصة مضمونا فلا يمكنها أن تكون إلا ذات رسالة. والرسالة القصصية تدرجت في تطورها من الشكل الموضوعي المسرود بضمير الغائب والمرتب كرونولوجيا حول وقائع مألوفة على خلفية وعظ أو تعليم أو تحريض أو تشفي … إلى الشكل الذاتي المسرود بضمير الأنا وغير المنضبط للترتيب الزمني حاصرا موضوع النص في “مضامين” و”إيحاءات” ذاتية غير مألوفة. إنه تطور من سيزيفية السعي لتفعيل الحق في المساهمة في ترشيد مسارات الشأن العام “الموصد” في وجه العموم نتيجة تعقد السبل والإرادات المؤدية إلى دلك، إلى العودة للدات والغوص في اغوارها واكتشاف مكنوناتها واستنشاق قواها واستلهام طاقاتها في أفق انبعات جديد يعدي بإشعاعاته السعيدة المحيط البئيس ويلهمه الطاقة على التجدد والبداية من جديد…
صحيح أن روح جيل كتابة القصة القصيرة في التسعينيات لا زالت لحد الساعة غير واضحة نظرا لغياب تنظير فكري ونقدي يجمع شتات نصوص هده الفترة (التسعينيات) من تاريخ القصة القصيرة في المغرب. ويشرفني أن أؤكد دائما وأبدا نيتي في المساهمة في التأسيس لمدرسة مغربية في القصة القصيرة تجعل المغرب يحتل مكانته بين دول المغرب العربي كعاصمة للقصة القصيرة إلى جانب الجزائر عاصمة الرواية في المغرب العربي وتونس عاصمة الشعر.
ولأن التنظير هو حجر الزاوية نظرا لقيمته المرجعية في فهم كل إنتاج إبداعي، فقد أعلننا عن إطلاق مشروع ترجمة القصة المغربية القصيرة إلى اللغة الإنجليزية تحت شعار » الحاءات الثلاث « على خلفية الطابوهات الثلاث (الدين و الجنس والسياسة). وهدا المشروع الثلاثي الممتد على ثلاث سنوات يتوزع على ثلاث حاءات: حاء الحلم في “انطولوجيا الحلم المغربي” (بمشاركة 15 كاتبة وكاتبا) وحاء الحب في انطولوجيا الحب المغربي” (بمشاركة 20 كاتبة وكاتبا) وحاء الحرية في “انطولوجيا الحرية” (بمشاركة 15 كاتبة وكاتبا) سيمكن من ترجمة 50 كاتبة وكاتبا مغربيا إلى اللغة الإنجليزية. ولكن الأهم هو دور المشروع في فتح آفاق جديدة لمضامين الكتابة القصصية في المغرب، آفاقا واعية بمسؤولياتها التاريخية في رفع سقف الحرية في الإبداع القصصي المغربي عن طريق جعل» الحاءات الثلاث« حاءات خضراء وليست حاءات حمراء. وقد وقفنا بأعيننا خلال توزيع النصوص المشاركة على شح عناية المبدع المغربي بالمضامين المرتبطة ب» الحاءات الثلاث« وخصوصا حاء الحلم وحاء الحرية كما يظهر دلك عدد المشاركين في كل انطولوجيا.
» الحاءات الثلاث« مشروع قصصي “نسقي متكامل وحر” أريد من خلاله مناهضة عيبنا الأول في عيوننا وعيون الآخر (الغرب): التجزيئية في التفكير. فالفكر العربي فكر غير نسقي فكر تجزيئي نما وترعرع بيننا نتيجة تغذيه على المنع التاريخي للفكر المنظم و التفكير الحر (الفلسفة) و هيمنة الرأي الواحد (السياسي والثقافي) الذي لا يسمح بنسق فكري متكامل و مغاير بجانبه. كما يناهض عيبنا الثاني في عيون العالم أجمع: غياب الحرية في التعبير.
فإدا كان البعض يرى في الكتابة القصصية التسعينية استقالة من تناول الشأن العام، فربما اعتبر هدا المشروع القصصي الطموح، » الحاءات الثلاث«، محاولة في التأسيس لوعي قصصي جديد يتجاوز أعطاب الماضي الإبداعي لتجربة التسعينيات القصصية. ولعل أهمها هو اقتحام دوائر العتمة: دوائر المحظور…
فقد عرف المغرب في العقود الماضية منع العديد من الكتب مثل: رواية محمد شكري “الخبز الحافي”، ورواية عبد القادر الشاوي” كان وأخواتها” ، وكتاب فاطمة المرنيسي “الحريم السياسي: النبي والنساء”… وهو المنع الذي يستمد مرجعيته من اقتحام الدوائر المحرمة: الجنس والسياسة والدين.
الطريف أن الروائي المغربي الراحل محمد شكري يحكي أنه ذهب للاستفسار عن سبب منع روايته”الخبز الحافي ” لدى الجهات المسؤولة فقيل له أنهم لم يمنعوا روايته، وهو ما يعني أن الرقابة أو المنع كانت في مرحلة سابقة “مطلبا جماهيريا” في المغرب قبل أن تصبح أداة في يد الدولة لمراقبة وضبط الخطاب العام… لكن أخطر أنواع الرقابة التي على الجميع الوعي بها والعمل على التحرر منها هي “الرقابة الذاتية” وهي نتيجة عصور من الرقابة على الواجهتين الجماهيرية والنظامية على الذوات الفاعلة عبر التاريخ. أما اليوم، فإن كانت هناك مناطق محظورة اليوم على الكاتب المغربي فلا أحد يحظرها عليه غير نفسه. فإن وعى بها وتحرر منها أنار واستنار، وإن جهلها أعاد إنتاج البهرجة والتهريج واللعب بالألفاظ والتصنع المقيت المعروف في تاريخ أدبنا العربي. فما معنى الكتابة والإبداع عموما إن لم تكن دعوة للحرية وإضاءة للمناطق المعتمة من حياتنا؟ ما معنى الكتابة إن لم تكن رفعا لسقف الحرية كل مرة إلى ما هو أعلى؟…
أتذكر مقالة بليغة للكاتب و الصحفي المتفرد إبراهيم أصلان عنونها «نحن ما نقرأه » وهي عبارة بليغة تحاكي المثل العربي المعروف:«كل إناء بما فيه ينضح»، فإن كانت كتابات مبدعينا حرة عاشقة وحالمة، قرأنا معهم الحلم وتنفسنا معهم الحب والحرية؛ وإن كانت كتابات قصاصينا غير الحرية وغير الحب وغير الحلم، قرأنا معهم غير الحرية وتنفسنا معهم غير الحب وعشنا معهم بغير حلم.

القاص خليفة بباهواري

لا تنتظر من كاتب هو نتاج تربية ممنهجة أن يكون
” شيئا “آخر غير ما أراد له المدمرون أن يكون

الكتابة… القراءة… الأدب.. الثقافة…الإنتماء.. الإنسان… الحياة..
هي سلسلة تشكلها الإختيارات الإنسانية.. الإنسان و كينونته مرتبطان بالإمتدادات.. لكن هناك من يرى الإمتداد و يعيش مشاكل الوصول الى مداه البعيد.. و هناك من يقف نظره عند قدميه.. من هؤلاء الناس أولائك الذين يقطعون الطريق دون أن يفارق بصرهم مرمى أقدامهم فلا يلتفتون الى يمين و الى يسار و كأنهم لوحدهم في الخلاء.. و من هؤلاء أولائك الذين ينهبون خيرات الأوطان و يقدمونها هدية لأسيادهم دون أن يستفيدوا هم منها بشيء و كأنهم ” حمار الطاحونة”.. ومن اولائك الناس من يُضَيِّع عمره باحثا عن أهدافه التي يجعلها أهدافا مشتركة مع الآخرين.. من لا يهمه أمر نفسه الا بقدر ما يهمه أمر القاصي و الداني..
الكاتب.. و كذلك القارئ.. يمكن أن يكون من هؤلاء أو من أولائك..
لماذا نكتب؟..
طبعا لكي يقرأنا الآخرون..
و ماذا يريد الآخرون أن يجدوا في كتاباتنا؟
“ولكل وجهة هو موليها، فاستبقو الخيرات”( البقرة ، 148).
هناك من يبحث عن المتعة.. و هناك من يبحث عن الذات.. و هناك من يبحث عن التماهي في قضايا الوجود و معها.. و لن يكون الكاتب كاتبا و الشاعر شاعرا و المسرحي مسرحيا الا إذا استطاع أن يحقق لقارئه هذه الأهداف الثلاثة..
الكاتب و الشاعر و المسرحي… و الناقد أيضا هو من يستطيع ان يحقق أحد هذه الأهداف.. و الذي يستطيع ان يحققها مجموعة هو المبدع.. ” وقليل ما هم”( ص، 24).
“الأديب ابن بيئته” كما علمونا.. و عندما تكون البيئة مشاعا للأنانية و الإفراط في الذاتية ( إذا لم تنتبه عند قطع الطريق، فلست فقط من هواة الإنتحار، بل ،و أيضا، أمر الآخرين الذين يشتركون معك في الطريق لا يهمك)..عندها لا تنتظر من كاتب هو نتاج تربية ممنهجة أن يكون ” شيئا “آخر غير ما أراد له المدمرون أن يكون…
عندما ” يستقيل جيل قصصي من الاسهام في مناقشة الشأن العام” فالأمر لا يعدو أن يكون أحد سببين:
- التدجين قد وصل الى أعلى مراتبه ..”و تمت رشوة القاضي.. و أعيد القتلى الى ملكوت قاتلهم”( محمود درويش) و تعلم الجميع و طبقوا المقولة :” أنا و من بعدي الطوفان…”
تكون اختيارات الكتاب موجهة من لاوعيهم بما سكنهم من التعليمات الغير-مباشرة التي مرت الى الأذهان عبر التعليم و الإعلام و التربية التحذيرية التي نتلاقاها في المجتمع..
- الرفض السلبي لواقع يتجاوز حجم المبدع ،الذي لا يفوق عندنا ثلاث مائة نسخة، و عوض المقاومة التي يعتبرها المبدع غير مجدية ينـزوى الأخير الى ركن ذاتيته معيدا ما عرفته اوروبا في فترة ما بين الحربين..
شخصيا أرفض السببين / الخيارين.. و كنت قد قلت زجلا :” مَنْ كَانْ لْنَفْسُه عَاشْ.. خِيرْ ليهْ يَتْرَكْ حْيَاةْ الناس”
إذا لم أنفع و أستنفع فلا معنى للكتابة..
يجب على كتاب الجيل أن يعيدوا النظر في توجهاتهم و اختياراتهم.. لا نطلب منهم أن يغيروا مساراتهم الإبداعية – فهذا ليس من حق أحد - و لكن يجب أن يحسوا بقدر المسؤولية الملقاة على عواتقهم ، و نحن كأمة نعيش في لحظة تاريخية حرجة.. الكاتب للناس و ليس لنفسه .. الكاتب للأجيال كذلك .. الكاتب للبقاء.. و للتاريخ أيضا .. هو الجمال طبعا لكنه النضال أيضا.. لا نطلب من الجميع أن يكونوا واقعيين – بالمعنى الأدبي- و لكن نود لو نلتفت جميعا الى معنى حياتنا الجماعية بصيغة تمكننا أن نساهم جميعا في اعطاء هذه الحياة رونقا و جمالا يقضيان على القبح الذي غزانا و ما زال ينخر ذواتنا الفردية و المجتمعية..


أضف تعليقا