حكاية صفراء لقمر النسيان لمحمد فاهي
نصوص دون سواها، تفرض على المرء سطوتها، فلا يملك منها فكاكا..وحين تستهويه ولعبة القراءة وفك الرموز للتواصل معها تواصلا عاشقا، محتفيا بجمال الحكاية ورونقها، يحار في أي السبل هي مسعفة، وأي المنافذ قد يتسلل منها- خلسة- لاكتناه عمق الخطاب وأبعاده..كل هذه الهواجس وغيرها تملكتني وأنا أحاول النفاذ إلى العالم التخييلي لرواية "حكاية صفراء لقمر النسيان" للكاتب محمد فاهي..أخيرا وجدت ضالتي في الشخصيات، فهي علامة فارقة في هذا النص الروائي..دالة في ذاتها وفي علاقتها بباقي مكونات عمل الروائي، أقصد الفضاءات وأزمنة الحكي والأحداث، وأساليب السرد الحكائي.
فمنذ مطلع الرواية- إذا استثنينا بعض المقاطع المتاخمة لحدود الشعر- تنبثق تدريجيا شخصيتان رئيسيتان، تحملان على كاهليهما السير، قدما بأحداث الرواية، هاتان الشخصيتان هما: درواش ورحال..ودون مخاتلة سأعلن أنني سأنطلق في تحليل الرواية من افتراض مفاده أن هاتين الشخصيتين ليستا في حقيقة الأمر سوى وجهين لشخصية واحدة تحمل في المتن الروائي اسمين مختلفين..فلعبة الظهور والاختفاء دالة تؤكد هذا الأمر، لا تكاد هاتان الشخصيتان تلتقيان إلا كالتقائهما في أجواء الحلم. فحضورهما معا في مكان واحد، حضور زئبقي مخاتل لا يكاد المتلقي يقبض عليه، إنه- في أحد مستويات التأويل- يشبه ذلك السراب الذي تتحدث عنه الرواية من خلال سردها لحكاية قديمة تتحدث عن شخص سافر صحبة القافلة في عرض الصحراء، وفي طريقه يستهويه السراب فيهرول نحوه باحثا عن جنة مفقودة فيصبح هو نفسه مفقودا، يحيا في البين بين..هاتان الشخصيتان المترعتان بالحلم والأمل والمتجرعتان للمآسي، تتبع الرواية مسارها بارتباط مع شخصية أخرى فاعلة إنها شمس الضحى والتي وإن كانت الرواية تحتفي بها كجسد مثير للشهوة، من خلال التركيز على ملامحها الخارجية: شقراء، غضة، لدنة، ذات قوام لا يقاوم، تأسر بغوايتها كل من يراها بل ويفتح لها هذا القوام في بلاد الهجرة طرقا نحو الثروة، فرغم ذلك كله تبدو لمتتبع مسارات الحكي في الرواية أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع..إنها عصية وإن بدت في متناول اليد..وكأني بها تمثل ذلك الفردوس الضائع الذي أبدا لا يتسنى للراكض خلفه الحصول عليه..ولعل هذا وغيره مما يجعل الرواية تتميز بدراميتها الملفتة، فالجميع يسعى نحو الثروة من خلال الهجرة، بالقدر نفسه تصبح شمس الضحى حلما لا يتأتى القبض على تلابيبه..إنها رواية تصور عملية التحول في القيم التي يعرفها المجتمع المغربي..وقد استغل الكاتب كل الامكانات المتاحة إليه ليؤجج في أعماق المتلقي التشويق لمعرفة المصير الذي ستؤول إليه الشخوص. فقد وفق فاهي في اللعب على مستويات الزمان ببعديه الواقعي والنفسي، كما استغل تقنية الفلاش باك للقفز عبر الأزمنة، وتأتى له تمديد الأمكنة والفضاءات وتنويعها انطلاقا من دوار العتلة وانتهاء بالمدينة التي لم يذكرها بالاسم، ربما لأنها تمثل جميع المدن بدون استثناء، ومرورا بمحطات رئيسية أهمها إيطاليا التي تعد في الرواية قبلة لهجرة الشخصيات (شمس الضحى- العربي كوكا).
ولعل هذا التلازم بين الشخصيتين الرئيسيتين المشار إليه سابقا عبرت عنه الرواية بطرق مختلفة، فقد جاء على لسان السارد: "رحال رجل درويش" ص:79، وكأنه بإيراده لكلمة "درويش" يريد أن يلمح لنا أن رحال ليس سوى درواش وجاء في ص: 108 "إن درواش ينقصه رحال" إنها لعبة المرآة في أبهى مظاهرها، وحينما ينخرط درواش في عملية البحث عن رحال، فإنه- في حقيقة الأمر يبحث عن نفسه الضائعة، ولما يعثر عليه وقد اندمج في عالم المتشردين، فإن هذا العثور لا يكتمل، لأن رحلة البحث عن الذات ستبقى مستمرة إلى ما لا نهاية..فهذا العالم الغريب والمتآمر أبدا لا يسمح للذات بتحقيق انسجامها مع نفسها أولا ومع محيطها ثانيا، لذا لا يستغرب المتلقي المصير المأساوي الذي آلت إليه كل الشخصيات تقريبا:
-كوكا في السجن.
-رحال متشرد.
-شمس الضحى مصير غير محدد (متشردة- عاهرة- مهاجرة..).
-درواش هائم على وجهه يبحث عن الجميع ومن خلالهم عن ذاته.
إن رواية "حكاية صفراء لقمر النسيان" استطاعت من خلال اللعب على الحبال السردية والحكائية والتلاعب بالزمان، وتداخل الفضاءات أن تخلق عالما ملتبسا ينسجم مع طبيعة الشخصيات، التي تعيش اللايقين وتعاني من أمراض نفسية سببتها طبيعة الصراع في المجتمع، حيث أضحت القيم المشوهة مهيمنة على باقي القيم النبيلة التي آمنت بها الشخصيات وحاولت إلى آخر الرمق الدفاع عنها..فرحال يرفض الهجرة رغم العرض السخي الذي تقدمه شمس الضحى ورغم خيانتها له يبقى لذكراها في قلبه مما يجعله يحن إليها في كل لحظة وحين..إن تعارض القيم أهم ميسم تناضل الرواية من اجل إبرازه في المتن الحكائي.
وقد استغلت الرواية مجموعة من الطرائق الأسلوبية مما يجعلها تجريبية بامتياز:
-الشذرية.
-الرسائل.
-المونولوج.
-تقنية الحكي الشعبي.
وفي نهاية هذه القراءة العاشقة لرواية "حكاية صفراء لقمر النسيان" أستغل هذه المناسبة لأهنئ الكاتب محمد فاهي على هذا الأثر الجميل، لغة وسردا ورؤيا، فقد أثارني على الخصوص في هذا العمل الروائي الجميل الاشتباكات السردية في الأحداث، والغوص العميق في لاوعي الشخصيات والعلاقة الرفيعة بين الواقع والحلم وكأنها بذلك تبني أسطورتها الخاصة فلا غرابة إذن أن تتوشى بهذا العنوان الجميل والشديد الإيحاء "حكاية صفراء لقمر النسيان".
آخر المقالات
- أدوار الأستاذ المرشــــد في التعليم المغربي
- الروائيون العرب «الجدد» ينتهكون النص المحفوظي
- القرار السديد
- وفاة والدة الشاعرة نعيمة الصوري زوجة الكاتب توفيقي بلعيد
- نشيد قريتنا الخالدة
- وفاة والد الأكاديمي المغربي محمد مشبال
- وفاة والدة الكاتب المغربي عبدالاله صحافي المقيم في بريطانيا
- بيت الشعر يهنئ اللعبي
- فوز الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي بجائزة الغونكور
- المسرح المتوسطي والحداثة
الأوصاف
- الأدب و الفن [1]
- تعريف بصاحب المدونة [3]
الأرشيف
- كانون الثاني 2007
- شباط 2007
- اذار 2007
- نيسان 2007
- ايار 2007
- حزيران 2007
- تموز 2007
- اب 2007
- ايلول 2007
- تشرين الأول 2007
- تشرين الثاني 2007
- كانون الأول 2007
- كانون الثاني 2008
- شباط 2008
- اذار 2008
- نيسان 2008
- ايار 2008
- حزيران 2008
- تموز 2008
- اب 2008
- ايلول 2008
- تشرين الأول 2008
- تشرين الثاني 2008
- كانون الأول 2008
- كانون الثاني 2009
- شباط 2009
- اذار 2009
- نيسان 2009
- ايار 2009
- حزيران 2009
- تموز 2009
- اب 2009
- ايلول 2009
- تشرين الأول 2009
- تشرين الثاني 2009
- كانون الأول 2009








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية