"رقصات الخلاء" عنوان جميل، بين ثناياه يتضمن معاني، تقدح في النفس جذوة الافتتان بعشق الكلمات، حين تنتظم فيما بينها بلمسة فنية، تفرض على المتلقي الغوص في أعماق الدلالة طورا، وتحلق به في أجواء الفانطازيا والحلم طورا آخر..ليست العناوين محايدة.. إنها تذكرة العبور نحو عالم المسطور..كلما اختيرت بحنكة، يسرت الانتقال، بل وأسست لأفق انتظار، غالبا ما يمسك بناصية القارئ ويدخله آمنا مطمئنا إلى عالم مجهول، لا يكاد يدري عنه شيئا.
أكاد أجزم- عل مسؤوليتي-أن العنوان الذي ارتضاه القاص اسماعيل غزالي لمجموعته القصصية الأولى، قد حالفه كثير من التوفيق. فهو عنوان يعد بالكثير، ويشترك في ذلك مع باقي عناوين القصص التي تتضمنها المجموعة، فقد حافظت على توهجها الدلالي وصياغتها المتأنقة، نذكر منها: إيقاع الدائرة، العشاء الأخير، مخالب الغياب، تفاحة ميدلت…
وإذا كانت عتبة العناوين قد أدت وظيفتها على أحسن وجه، فإن المتلقي للنصوص لن يخيب مسعاه في الحصول على ما يبتغيه أو يتوقعه.. إننا أمام قاص-وإن كان حديث عهد بالنشر-قد أظهر براعة قلما تتوفر لغيره..ليس هذا الحكم مجانيا، أو أطلقناه على عواهنة..فالقراءة المتأملة والمتكررة للقصص، ولدت لدينا هذا الانطباع، وهذا ما سنحاول البرهنة عليه من خلال رصد نصوص المجموعة القصصية "رقصات الخلاء"..إن أهم ميسم فرض على سطوته خلال قراءتي للمجموعة، هو ذلك الانسحاق في البيئة المحلية، فالقارئ وهو يقتفي خطوات السارد، لا يملك إلا أن ينبهر يقدرة القاص غزالي على التقاط تفاصيل الحياة في ربوع الأطلس، بتقاليده وطبيعته، بأفراح الناس وأتراحهم. ولا يمكن لهكذا توظيف إلا أن يضفي على النصوص قيمة فنية مضافة، فقد أثبتت التجارب المختلفة على امتداد خارطة الإبداع العالمي، أن أي كاتب لا يستغل معطيات بيئته المحلية فقد أضاع الكثير مما لا يمكن تعويضه.
ففي النص الأول الموسم ب"الشيخات" يستمتع القارئ بأجواء عرس محلي بكل بذخه الإنساني وخصوصيته المحلية، وقد برع الكاتب في تقريبنا من هذا العالم بوصف أجاد فيه وأفاض، يقول السارد "وأخيرا ظهرت الشيخات..مائسات..متمايلات على البساط الأحمر..كتل لحمية مشتهاة..تدغدغ جرذان الرغبة المختبئة في ثقوب الأجساد..يلبس الأبيض كالكفن..تلتمع أقراص الموزون النحاسية في أحزمتهن فيصدر عنها صوت الهسيس كأنه صوت الأعضاء المتنافرة وهي تذعن لإيقاع الرقص الوحشي ص 11. ويترسخ هذا الاعتقاد لدى المتلقي، والذي مفاده أن القاص اسماعيل غزالي معني إلى أقصى الحدود بإشراكه في متعة تفاصيل الحياة المحلية، حين نقرأ القصة الثانية "إيقاع الدائرة" حيث أجواء القنص مضمخة بأحلام الطفولة..يصاحب الطفل أباه في عملية القنص، فيبرر-تدريجيا-تعارض في الأهداف. الأب يترصد طريدة من صنف الحيوان. والطفل يجد نفسه منغمسا في البحث عن طريدة بشرية. يتفجر الصراع الصامت، فتتعارك -في الخفاء الإرادتان، يدل على ذلك الأوصاف التي ينعت بها الطفل أباه، حتى أن القارئ يجد نفسه وجها لوجه مع عقدة أوديب بكل تجلياتها، فالابن الحامل للرغبة الجنسية يسعى لتحقيقها من خلال الفتاة شامة، والأب بما يمثله من سلطة، يمنع تحققها. دليلنا على ذلك ما جاء في القصة نفسها، فالأب بلباسه العسكري يحمل بين يديه بندقية ولا يتواصل مع الطفل إلا من خلال الصفع. يقول السارد" صفعة من صفعات صاحب البندقية" لكن الإغراء القوي لا يمكن لأية قوة أن تمنعه خاصة لما نقرأ ما يلي:"ضحكت وسمع لضحكتها رنين شق منطقة مجهولة بداخلي وانساب فيها".
ويصل الصراع أوجه حين تنبثق من لاوعي الطفل فكرة القتل يقول السارد "المهم هو متعة القتل" بل ويضعنا في صلب المفارقة "ما كنت أعرف أن موسم الحب هو نفسه موسم القتل" هل نحن أمام تجسيد لعقدة أوديب بكل حيثياتها أو "الطوطم" ببعض إيحاءاته؟ قتل الأب هو قتل لسلطة المجتمع "الأنا الأعلى" هذا الأب الذي يبعث الرعب في نفس الطفل. يقول السارد:"…يفصل بين رعب الرصاص والرعب الذي يحدثه ذو اللباس العسكري في نفسي".
وإذا كان القاص غزالي قد أبدع في خلقه لهذه الأجواء الممتعة فإنه وظف في سبيل تحقيق ذلك لغة سلسة، بذخة، تتاخم حدود الشعر أحيانا، لكنها في قصص بعينها لا تتجاوز ذلك، بيد أنها في قصص أخرى، تتجاهل الحدود الفاصلة بين الأجناس، فتتماهى مع قصيدة النثر بمقصدية قصصية.
وإذا كان من دليل لتأكيد هذا الزعم، فيكفي الاطلاع على بعض المقاطع التي تدعم ما ذهبنا إليه، فبالنسبة للنوع الأول وأقصد به توظيف اللغة التي تتميز بالرشاقة والرقة، نأخذ المقطع التالي: "حطمت زجاجة وأخذت ترتدي قطع ثوبها، تساقطت فوق الإزار الأبيض، لن تنطلي عليه أكذوية ابن عربي" ص 30.
أما حين تنزاح اللغة عن وظيفتها وتسقط في التأمل حتى تصبح أقرب إلى الشعر منها إلى القصة، بل قل هي الشعر عينه، فنورد لها المقطع التالي:
"سئمنا الأرصفة والجدران ومقاهي الانتظار..هو انشطار أكيد يحدث في الوقت والمكان..يتعثر كل خطو نحو إنسانية الإنسان..من الوجود الآسن في بطن الرونق الأزرق" ص 35. وفي مكان آخر "هآنذا أطرز نسغ الذكرى في وشم تلك المرأة الراقصة.. أصطدم بما كشفته ردهات العشق المأساوي عن الذي تحقق والذي ضاع وانفلت عن الذي أبهج المخيلة وأيقظ الماء العميق في بئر الكلمة وعن الذي هدم الحلم والمعنى والإنسان" ص 24. إن هذه المقاطع المقتبسة من المجموعة تشي بما لا يدع مجالا للشك، يأن التعامل مع اللغة سيف ذو حدين، وأن الحدود بين الأجناس من الدقة بحيث إن القاص مطالب بالحذر في التعامل معها، فاللغة الرشيقة، الجميلة، ذات الإيقاع الداخلي ضالة القاص، يسعى إلى امتلاكها بكل إصرار ومثابرة، لكن عليه الاحتراس من الإغراق في الافتتان بها، لأن ذلك قد يؤدي به إلى السقوط في براثن التأمل والتجريد، أو الانزلاق في مهاوي العبارات المنمقة التي لا تخدم الفن القصصي بقدر ما تسيء إليه. أقول ذلك وأنا أفكر في أن مجال اشتغال القاص هو الملموس أو المحسوس وتجنب التجريد قدر المستطاع.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية