بقايا لعبد السلام المودني مصطفى لغتيري
مع ظهور كل مبدع جديد ، تنبثق إلى العلن أسطورة جديدة ..فالأدب هذا الكائن الهلامي ، الزئبقي ، المخاتل ، الضارب بجذوره في أعماق رمزيته ، يؤهل كل من اكتوى بلوعته ، لرسم ملامح أسطورته الخاصة و الشخصية.. تلك الأسطورة التي ،يلزمه بعد ذلك، أن يتعهدها بكثير من الحرص و الأناة ..يشذبها بأنامل ، كلما احترقت أكثر ، توهجت الأسطورة ، وفتنت بسحرها ألبابنا التواقة إلى عبق العوالم المنفلتة من صرامة الزمان و واقعيته.
"بقايا" هي بحق مجموعة قصصية ، امتلكت كل مقومات السحر الإبداعي الجميل ، لغة وفضاءات وتخييلا.. ،لذا ما إن نتواصل مع نصوصها ، حتى نجد أنفسنا قد تملكتنا عوالمها الساحرة ..حينها نصيخ السمع بافتتان إلى ذبذباتها ، فيخترقنا ،بوهج ، فيض من الأحاسيس المتاخمة لعوالم الحدس والتوقع و الحلم..
نصوص " بقايا" حكايات تغازل الواقع ،دون أن تتورط في سياقاته الجافة و الرتيبة.. تنتقي من الاحداث و الشخوص ما يسعفها في التحليق في الأجواء البعيدة و الأثيرة ، هناك حيث الخيال المجنح ، ومتعة التحليق على شفير الحدود الوهمية بين الواقع والأ فتراضي، حيث تكتسب كل لفظة و عبارة وحكاية دلالات مضاعفة ،أبدا لايمكن اختزالها أو محاصرتها بآليات القراءة الصارمة.. هي بحق دعوة للتخلص من كل الأحكام المسبقة، و الانغماس في بحيرة سحرية، ميسمها الفانطستيك والغوص العميق في لاوعي الشخصوص والفضاءات واللغة..
في قصة المحاكمة مثلا يتأسس الحكي على الغرابة والغرائبية ، فما إن يغوص القارئ في أعماق المتن الحكائي ، حتى ينتصب أمامه " كافكا" بهالته العظيمة ، مشكلا خلفية قوية للنص، ولا يتحقق ذلك من خلال العنوان فحسب ، وإنما كذلك من الأجواء الغرائبية التي التي تنسجها القصة، حيث يجد القارئ نفسه أمام محاكمة غريبة، تتهم فيها الشخصية الرئيسية في القصة بقتل ظلها، فينتهي بها المطاف أمام محاكمة، هي في حقيقة الأمر، ليست محاكمة للبطل بقدر ماهي محاكمة للمحكمة نفسها، أو بمعنى آخر محاكمة لسياقات اجتماعية وثقافية ونفسية أنتجها عالم معاد للقيم النبيلة، وعلى رأسها الحرية الفردية.. وقد يسعفنا التأويل في فهم مقصدية الكاتب من إيراد هذه النازلة الغريبة ..فقتل الظل هو في عمقه قتل رمزي للذات ، لتتخلص من أزمتها الناتجة أساسا عن عدم انسجامها مع عالم يغتصب إنسانيتها..
وبالمثل تضعنا قصة " اللوحة" أمام إشكالات الإنسان العميقة، التي هي - بلا ريب- نتيجة حتمية لهيمنة قيم اقتصاد السوق و العولمة.. فالإنسان في هذا النص مقهور ،وقد تحول إلى مجرد وسيلة لاغتناء الغير، فيشعر - نتيجة لذلك- باغتراب مضاعف" عندما فتح باب غرفته، اتسعت عيناه دهشة. كل ما يحدث معه اليوم غريب جدا لا يقبله عقل ، إذ خاله للخظة أنه دخل المكان الخطأ ".
وقد وظف الكاتب في قصة "قلق" تقنية جميلة في الكتابة ، حيث عمد إلى استلهام بعض معطيات التنحليل النفسي ، وخاصة ما يتعلق بالمرآة كما نظر لها جاك لاكان ، فاستغلها بألمعية في بناء قصته ، وهو نفس التوظيف الذي نجده في قصة "وجه في المرآة" وإن اختلف السياق .. ومن خلال هذا التوظيف تطفو على السطع لعبة الذات و الآخر ، فتبدو بارزة و موحية .. الذكر والأنتى هنا وجهان لعملة واحدة ، إنها سيكولوجيا الأعماق في أبهى صورها وأزهاها" جعل يتصفحها ، تطلع فيها وعيناه تزدادان اتساعا دهشة و استغرابا. المرأة تركت وجها في المرآة. وجه جعل يرقبه بدهشة كأنه فوجئ بفضول غريب أخذ يتطلع إليه. ألقى المرآة جانبا بيأس وهو يتساءل دون أمل في رد هذه المرة."ترى أين ذهب وجهي".
في المجموعة نلمس تلك العلاقة المشروخة بين الإنسان والمدينة ، وهذه الأخيرة - أعني المدينة- تمثل في النصوص نوعا من القهر الممارس على الشخوص ، ففي قصة " المتنازع عليه ، االشخصية تائهة في سراديب المدينة تبحث عن هويتها المفتقدة، وسط سيل من البشر، الذن هم في الغالب الأعم مجرد متفرجين ، لايعنيهم في شيء مصير الفرد أو تميزه" و بدأت الدائرة الكبرى بالتلاشي مع سقوط آخر حبة من سبحة المدينة ، وكما الجميع وجدتني أدفع معهم للتلاشي ".
وتعزف قصة "فات القطار" على نفس الوتر، فالمدينة حاضرة بكل قوة والشخصية الرئيسية تتنازعها رغبتان قويتان .. من جهة الرغبة في الاستقرا ر و من جهة أخرىالرغبة في الهروب من المدينة."لطالما حاول أن يتركها بلا جدوى. وفي كل مرة يلصقه بها عذر طارئ وأمل في التغيير كامن، لكنه اليوم عازم على طلاقها طلاقا بائنا لا عودة بعده و لا رجوع".
وتمتاز اللغة عند عبد السلام المودني بسلاستها ،وسلامتها النحوية والتركيبية ، مما يضفي قيمة خاصة على هذه المجموعة المتألقة ، التي أتمنى أن تنال حظها من القراءة والاهتمام ، فليس في كل يوم نظفر بمثل هذا الأثر الجميل شكلا ومضمونا،والذي بلا شك سيلفت الانتباه إلى صاحبه كأحد الأقلام الجديدة التي- بلا شك - ستضيف إلى المتن القصصي المغربي الشيء الكثير
"بقايا" هي بحق مجموعة قصصية ، امتلكت كل مقومات السحر الإبداعي الجميل ، لغة وفضاءات وتخييلا.. ،لذا ما إن نتواصل مع نصوصها ، حتى نجد أنفسنا قد تملكتنا عوالمها الساحرة ..حينها نصيخ السمع بافتتان إلى ذبذباتها ، فيخترقنا ،بوهج ، فيض من الأحاسيس المتاخمة لعوالم الحدس والتوقع و الحلم..
نصوص " بقايا" حكايات تغازل الواقع ،دون أن تتورط في سياقاته الجافة و الرتيبة.. تنتقي من الاحداث و الشخوص ما يسعفها في التحليق في الأجواء البعيدة و الأثيرة ، هناك حيث الخيال المجنح ، ومتعة التحليق على شفير الحدود الوهمية بين الواقع والأ فتراضي، حيث تكتسب كل لفظة و عبارة وحكاية دلالات مضاعفة ،أبدا لايمكن اختزالها أو محاصرتها بآليات القراءة الصارمة.. هي بحق دعوة للتخلص من كل الأحكام المسبقة، و الانغماس في بحيرة سحرية، ميسمها الفانطستيك والغوص العميق في لاوعي الشخصوص والفضاءات واللغة..
في قصة المحاكمة مثلا يتأسس الحكي على الغرابة والغرائبية ، فما إن يغوص القارئ في أعماق المتن الحكائي ، حتى ينتصب أمامه " كافكا" بهالته العظيمة ، مشكلا خلفية قوية للنص، ولا يتحقق ذلك من خلال العنوان فحسب ، وإنما كذلك من الأجواء الغرائبية التي التي تنسجها القصة، حيث يجد القارئ نفسه أمام محاكمة غريبة، تتهم فيها الشخصية الرئيسية في القصة بقتل ظلها، فينتهي بها المطاف أمام محاكمة، هي في حقيقة الأمر، ليست محاكمة للبطل بقدر ماهي محاكمة للمحكمة نفسها، أو بمعنى آخر محاكمة لسياقات اجتماعية وثقافية ونفسية أنتجها عالم معاد للقيم النبيلة، وعلى رأسها الحرية الفردية.. وقد يسعفنا التأويل في فهم مقصدية الكاتب من إيراد هذه النازلة الغريبة ..فقتل الظل هو في عمقه قتل رمزي للذات ، لتتخلص من أزمتها الناتجة أساسا عن عدم انسجامها مع عالم يغتصب إنسانيتها..
وبالمثل تضعنا قصة " اللوحة" أمام إشكالات الإنسان العميقة، التي هي - بلا ريب- نتيجة حتمية لهيمنة قيم اقتصاد السوق و العولمة.. فالإنسان في هذا النص مقهور ،وقد تحول إلى مجرد وسيلة لاغتناء الغير، فيشعر - نتيجة لذلك- باغتراب مضاعف" عندما فتح باب غرفته، اتسعت عيناه دهشة. كل ما يحدث معه اليوم غريب جدا لا يقبله عقل ، إذ خاله للخظة أنه دخل المكان الخطأ ".
وقد وظف الكاتب في قصة "قلق" تقنية جميلة في الكتابة ، حيث عمد إلى استلهام بعض معطيات التنحليل النفسي ، وخاصة ما يتعلق بالمرآة كما نظر لها جاك لاكان ، فاستغلها بألمعية في بناء قصته ، وهو نفس التوظيف الذي نجده في قصة "وجه في المرآة" وإن اختلف السياق .. ومن خلال هذا التوظيف تطفو على السطع لعبة الذات و الآخر ، فتبدو بارزة و موحية .. الذكر والأنتى هنا وجهان لعملة واحدة ، إنها سيكولوجيا الأعماق في أبهى صورها وأزهاها" جعل يتصفحها ، تطلع فيها وعيناه تزدادان اتساعا دهشة و استغرابا. المرأة تركت وجها في المرآة. وجه جعل يرقبه بدهشة كأنه فوجئ بفضول غريب أخذ يتطلع إليه. ألقى المرآة جانبا بيأس وهو يتساءل دون أمل في رد هذه المرة."ترى أين ذهب وجهي".
في المجموعة نلمس تلك العلاقة المشروخة بين الإنسان والمدينة ، وهذه الأخيرة - أعني المدينة- تمثل في النصوص نوعا من القهر الممارس على الشخوص ، ففي قصة " المتنازع عليه ، االشخصية تائهة في سراديب المدينة تبحث عن هويتها المفتقدة، وسط سيل من البشر، الذن هم في الغالب الأعم مجرد متفرجين ، لايعنيهم في شيء مصير الفرد أو تميزه" و بدأت الدائرة الكبرى بالتلاشي مع سقوط آخر حبة من سبحة المدينة ، وكما الجميع وجدتني أدفع معهم للتلاشي ".
وتعزف قصة "فات القطار" على نفس الوتر، فالمدينة حاضرة بكل قوة والشخصية الرئيسية تتنازعها رغبتان قويتان .. من جهة الرغبة في الاستقرا ر و من جهة أخرىالرغبة في الهروب من المدينة."لطالما حاول أن يتركها بلا جدوى. وفي كل مرة يلصقه بها عذر طارئ وأمل في التغيير كامن، لكنه اليوم عازم على طلاقها طلاقا بائنا لا عودة بعده و لا رجوع".
وتمتاز اللغة عند عبد السلام المودني بسلاستها ،وسلامتها النحوية والتركيبية ، مما يضفي قيمة خاصة على هذه المجموعة المتألقة ، التي أتمنى أن تنال حظها من القراءة والاهتمام ، فليس في كل يوم نظفر بمثل هذا الأثر الجميل شكلا ومضمونا،والذي بلا شك سيلفت الانتباه إلى صاحبه كأحد الأقلام الجديدة التي- بلا شك - ستضيف إلى المتن القصصي المغربي الشيء الكثير









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية