كثيرا ما يتهم النقد بفرض وصايته على الإبداع ،سواء من خلال محاولة تطويقه بالنظريات الجافة أو إخضاعه للمعايير المتسلطة.. ولعل هذا ما يجعل العلاقة بينهما تتسم بالعدوانية، وفي أحسن الأحوال، بعدم الاستلطاف المتبادل..
فالناقد يعتبر نفسه وصيا على المبدع، لهذا لا يتردد في شق ثوبه مولولا كلما تجرأ الإبداع على خرق القواعد التي سطرها النقاد..والمبدع يعتبر الناقد "مبدعا فاشلا"، همه تثبيط الهمم والاقتيات من فتات موائد الإبداع..
لكن، كيف سيكون عليه الأمر إذا كان هذا الناقد مبدعا، بل ومبدع من الطراز الرفيع، سارت بذكره الركبان، حتى أن هناك من يلقبه بعميد القصة القصيرة بالمغرب..رجل أبدع فأجاد، ونقد فجاءت ملاحظاته دقيقة نافذة تتميز بنظرة ثاقبة، متبصرة.. إنه أحمد بوزفور.
ولعل جولة في أهم مضامين "زرافته المشتعلة" كفيلة بأن تجعلنا نقف على قامة هذا الكاتب المتمددة، تطاول عنق زرافته التي تأججت شعلتها لتضيء سراديب وأغوار الكتابة القصصية بالمغرب.
لا نكاد ننتهي من قراءة مقدمة الكتاب حتى نلمس الحس التحديثي الذي يهيمن على أحمد بوزفور الناقد والمبدع، محددا بنظرة واضحة وكلمات دقيقة الكيفية التي يمكن أن يحدث بها التحديث: "إن الثورة في الفن ليست فكرا ولا شعورا، بل هي عمل وإنجاز، ليست بيانا بل كتابة" ص.6. فلا يكفي أن نعلن عن نيتنا في التجديد أو ندعيه، بل علينا أن نمارسه ويتجسد في كتاباتنا، إنه فعل وليس قولا أو نوايا حسنة.
في القسم الأول الذي عنونه الكاتب ب "عن الطريق" تحدث بكثير من العشق وبلغة شاعرية مبدعة عن محبوبته "القصة القصيرة" تلك "الطفلة الخالدة" فيحس القارئ بما يمثله هذا الفن الجميل لهذا المفتون، العاشق الولهان، حتى أنه يقرر أن "القصة بيت من لا بيت له، أسرة من لا أسرة له، صوت من لا صوت له"ى ص12 ويحدثنا بأسلوب ممتع، بعيدا عن لغة النقد الجافة، عن فلسفته في الكتابة والتي يطلق عليها "نظرية التلويث" ويخلص منها إلى أننا "بحاجة إلى الكاتب الملوث المجرثم المعدي، الذي يسبب الصداع..نحن في حاجة الى (إنسان الشقيقة) الذي يطهرنا بالوحل" ص25 هذا الكاتب الذي تتميز كتابته ب "التردد والنقض والشك والارتباك والتشتيت" ص18.
وبعيدا عن طهارة الحياد والدغدغة واستلاب اللغة، وضد المحرابية والوعظ والارشاد، ضد السكونية واطمئنان السرد.. وهي بعكس كل ذلك ترتمي في أحضان "الصدفة والمفاجأة والفوضى" لا يهتم الكاتب فيها بالتفسير بل فقط بالكتابة في ذاتها ولذاتها، وفي رأيه لا يتحقق ذلك الا بالتلويث.
تلويث اللغة والسرد والحوار..إنها "القصة الملوثة الملتاتة" ص17، وسيلة الكاتب في ذلك "استفزاز السرد..لي عنقه، واللعب به، تحميله مختلف ردود الفعل، والاتجاه في مختلف الاتجاهات حيث تقفز الأرانب فجأة من هنا وهناك، متجولة (صائرة) متناسخة، ذلك ما نحن بحاجة إليه، بذر الحذر والتردد والدهشة، حتى لا تغط اللغة في النوم" ص22.
وفي نفس القسم يتطرق الكاتب الى قراءة في ملامح القصة المغربية في السبعينات من خلال عنوان فرعي أطلق عليه "الدخول الى فريواطو"، فوقف على بعض خصائص هذه المرحلة كالتركيز على تيمة"الطفولة" ليستنتج "أن العودة الى الطفولة أو استعادتها في القصة(…) يمكن اعتبارها من الناحية الاجتماعية رد فعل تلقائيا على التهميش الاجتماعي، كطبقة كفئة، وكمهنة وكفرد" ص29.
أما بخصوص تيمة الجنس في قصص السبعينات فاعتبرها "نوعا من الدخول العميق الى الذات، نوعا من اسخراج الكامن واستحضار الغائب واستصعاد الهابط" ص 29.
وفي سياق تعليقه على اللغة عند الجيل الذي لم يعد كتابه "يتلقون اللغة بتقديس، أو يعبرون بها مصمته ملمومة كما تلقوها من الخارج بل اخذوا يدخلون الى حرمها المقدس، وبأحديتهم أحيانا" ص32 رأى أن التعامل مع اللغة كذات هو ما ميز هذه الفترة "والتصرف فيها كإبداع" وذلك من خلال شعرنتها اعتبره موقفا حداثيا يعتبر الابداع بها ابداعيا فيها" ص33.
ومن بين أهم المحاور، ذلك الذي يتحدث فيه الكاتب عن تجربته الشخصية مع معشوقته "القصة القصيرة" فتوقف عند أهم مراحل مسيرته الابداعية من خلال مجاميعه القصصية:
1- مرحلة "النظر في الوجه العزيز" وتغلب عليها سمة الطفولة وتتميز لغتها بأن "تقدم نفسها فقط، بدل أن تعبر كان عليها أن تنعبر، وبدل أن تبلغ كان عليها أن تنبلغ" ص61.
2- مرحلة "الغابر الظاهر" والتي اعتمدت في التعبير على التراث الشعبي كتقنية لأنه يرى أن "التراث الشعبي يسم القصة بملامح الخصوصية المحلية ويغرسها في بيئتها إنتاجا وفي وجدان قارئها استهلاكا" ص 64.
3- مرحلة "صياد النعام" واهتمت بالكتابة في ذاتها من خلال " البحث عن تقنيات جديدة" وتطوير التجربة واكتشاف آفاق أخرى في النفس وفي الجنس الأدبي وفي الكتابة ككتابة" ص 65
4- أما القسم الثاني فتميز بقراءات في عدد من المجاميع القصصية لمجموعة من الكتاب المغاربة محاولا الوقوف على أهم خصائصهم على مستوى التيمات والأشكال التي تميز كل مجموعة على حدة. ومن بينهم:محمد زفزاف ومحمد برادة ادريس الخوري وأحمد المديني وأحمد زيادي ومحمد الأشعري وعبد النبي دشين.
واختتم الكتاب بحوارات مع كتاب تسعينيين حاول الكاتب من خلالها الوقوف على تجاربهم ونظرتهم للكتابة ورأيهم في القصة القصيرة الحديثة.
وعبر هذه الحوارات نكتشف الوجه الآخر للكاتب أحمد بوزفور الذي يجيد صياغة السؤال الصحفي المستفز والذي يكون في كثير من الأحيان أهم من الإجابة.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية