المظلة

إبداع ونقد

النفس الحكائي والصورة الشعرية في ديوان على باب معالي الكلام”لنوردين بازين

النفس الحكائي والصورة الشعرية في ديوان
“على باب معالي الكلام” للشاعر نوردين بازين .

منذ بدايتها الأولى ، أضمرت القصيدة العربية الحداثية نيتها المبينة في اختراق المبادئ التي تأسس عليها الشعر العربي عبر مساره الطويل ، مستفيدة من المثاقفة حينا والتحولات الاجتماعية حينا آخر ، فالوعي النوعي الجديد بماهية الشعر ووظيفته حتم على الرواد اجتراح مسالك جديدة في التعاطي مع القصيدة الشعرية… ولعل الميسم الأهم لهذا التوجه الجديد، تجلى – بالخصوص –في رؤيا الشاعر ، باعتبار أن القصيدة كشف و استبصار يحدثان قطيعة فنية مع القصيدة التقليدية بغنائيتها
المفرطة، وأغراضها المتعددة و تفككها العضوي.
وقد توسل الشعراء- على اختلاف توجهاتهم وتعدد مشاربهم- ببعض التقنيات التي تسعفهم في الانعتاق من المطبات التي سقطت فيها القصيدة التقليدية … ومن بين هذه التقنيات التنويع الإيقاعي، وتعميق الصورة الشعرية بحمولتها الجديدة، التي تقطع مع الصورة التقليدية.. تلك التي استنفدت جميع امكاناتها التعبيرية و الجمالية من خلال تركيزها على التشابيه ذات الوظيفة التزيينية بدل الوظيفة الرؤيوية العميقة.
ومن أجل تحقيق الوحدة العضوية للقصيدة التجأ بعض الشع راء إلى استلهام البناء القصصي الذي يساهم بشكل فعال في تماسك أوصال القصيدة، ويؤدي- إن حسن توظيفه- إلى تعدد أصواتها، لتكتسب- بفضل ذلك- نوعا من الدرامية، فتبعد عنها شبح الغنائية.
وفي قراءتنا هاته لديوان < على باب معالي الكلام> سنحاول رصد تقنيتين من التقنيات السالفة الذكر، ونقصد بهما: النفس الحكائي في النصوص و الصورة الشعرية.
I- النفس الحكائي :
انطلاقا من الوعي بالفوارق الدقيقة بين الأجناس الأدبية، يجدر بنا التنبيه إلى أن تناولنا للنفس الحكائي في الديوان ينبع من اقتناع بأن القصيدة الشعرية تنتمي في المقام الأول إلى جنس الشعر وليس إلى جنس القصة… لهذا لا يتملكنا أي نوع من الوهم في توفر القصيدة بشكل كلي على خصائص الفن القصصي، وإنما تكتفي بتوظيف بعض تجلياته بمقصديته شعرية دون أن تتماهى مع الشكل القصصي بجميع أبعاده و الذي تحدده مقصديته الخاصة ورؤياه المختلفة.
ومما أغراني على الخوض في هذا المضمار تكرار لفظة “الحكي” أو ما يدل عليها على امتداد المتن الشعري عند نور الدين بازين .. ولعمري فهكذا تكرار لا يمكن –بأي حال من الأحوال أن يأتي عفو الخاطر.. فقد ترسخ لدي اعتقاد بأن في أعماق الشاعر حكاء يتربص بالشعر، يأبى إلا أن يتسلل خلسة ليبصم القصيدة ببصماته الدالة.. و بالفعل وبعد قراءتي المتأنية للنصوص انتفى لدي أي نوع من الشك في أن افتراضي هذا له ما يدعمه من داخل النصوص المجموعة بين دفتي ديوان ” على باب معالي الكلام” بل ويمكن الدهاب إلى أبعد من ذلك لنزعم بأن الشاعر نوالدين بازين يعي جيدا هذه السمة التي تطبع نصوصه، فقد عمد إلى عنونة إحدى قصائده بعنوان يؤكد هذا الانطباع، أقصد قصيدة “حكاية” التي وظف فيها الشاعر شخصية حكاءة سار بذكرها الركبان أعني “شهرزاد” يقول الشاعر:
مند ليل عميق/ حكت شهرزاد/ لشهريار/صورت ليلا/سرمديا/
على حديث الحكاية:
وكلما أوغل المتلقي في قراءة النصوص شدت انتباهه الحكايات التي تحاول أن تبني لنفسها عالما مستقلا، غير أن الحاسة الشعرية لدى الشاعر تأبى إلا أن تنقعها في ماء الشعر ببهائه ورونقه، يقول الشاعر:
مع مطلع الفجر/كانت خلف السحاب/بجانب القمر نجمة/استحيت أن تراني/لأن هناك حلما قادما.
و الشاعر حين يوظف النفس الحكائي، يعمد إلى الالتجاء لبعض التقنيات التي تجعل القصائد تحافظ على توهجها الشعري كالتكثيف و الصورة الشعرية- التي سنخصص لها محورا خاصا- و هذا في رأينا يبرهن على الوعي الحاد بالفوارق بين الأجناس الأدبية، كما يدلل على استهداف الشاعر لتعميق البعد الرؤيوي لقصائده، ذلك الذي لا يستقيم الشع ر الحديث بدونه، يقول الشاعر:
تحكي حكاية/عش الحمامة/وكيف اسقطتها ريح في بطنها/تختزن الموت/ريح باب الأرض/في القاع/ريح تخر ساجدة في وجه الكلام. وقد تضمنت النصوص بين طياتها حكايا صغرى، لا تكاد تعلن عن نفسها، ترصع في خفاء، حسد القصيدة، لتذكي لدى المتلقي الفطن شهوة كتناه المعنى.
إنها تتمنع على كل متعجل.. وقد علقت بشبكتي المتواضعة درر منها، من بينها ما جاء في قصيدة:همس الكلام”.

عندما تمسحت الكراسي/بالموت/شاخ الزمان/فأتم الحكي تسكعه/
فالحكاية هنا جاءت مستترة، يكتنفها الخجل، تعلن عن نفسها في استحياء، و مثلها ما جاء في قصيدة “صفحة ماء” حين قال الشاعر:
أنا الآن أكسف عيون الضجر/وأكتفي بشرية واحدة/لأحد من عطش المطر.

وقد استوقفتني كثيرا حكاية طريفة أبطالها الألفاظ، حين جعل الشاعر منها شخوصا تؤثت فضاء القصيدة، يقول الشاعر:
في اليوم الأول/ الألفاظ تبدو آلهة/ ينطقها اللسان خشوعا..
في اليوم الثاني/ الألفاظ تبدو رمزا/ يلفظه ا اللسان إشارة…
في اليوم الثالث/ الألفاظ تبدو رقما/ يعدها اللسان هما.

ويمكن للقارئ أن ينتبه إلى البعد الزمني الذي انتظم الحكاية، باعتبار أن الزمن أحد المكونات الأساسية للبناء السردي، إذ لا نتصور سردا يحدث خارج الزمان، ولعل التأكيد على هذا البعد يوحي إلينا بآن الشاعر يهمه جدا أن يلف ت انتباهنا إلى أن لقصائده مسحة قصصية عمد إليها عن سبق إصرار وترصد.. ويبدو أن لعبه الكلمات و الألفاظ استهوت شاعرنا في نفس القصيدة فاستطرد قائلا:
الكلمات مجموعة/ دمى بيدي/ فتنسلخ الحروف على وجه المدينة/ كي أنهي التحاف الحياة/.
ومما يلاحظ على نصوص الشاعر بازين أنها وان توسلت بالحكاية لتخلق لنفسها وحدة عضوية وتؤجج نوعا من الموضوعية لدى المتلقي فان الذات، أقصد ذات الشاعر لا تلبث أن تتسلل إلى نسيج الحكاية لتعبر عن نفسها، فتذكرنا بأننا في رحاب الشعر لا نزال رغم وهم الحكاية، تلك التي لم تنج من تسلل هموم الذات باعتبار هذه الأخيرة إرثا شعريا أذكى جذوتها في الشعر العربي الاتجاه الرومانسي، و بالتالي يصعب التخلص نهائيا من سطوتها، يقول الشاعر:
كلما طلت صبابتي/من المرآة/تقدحني/فعلى المرآة هناك وجه يشبهني
يجادلني/وجه كلما نطقت شفتاه/ تعاتبني/وجه يخضر بالسؤال/ ويسود بالكلمات/وجه/كل
صباح/يغرق باللعاب/وجه/كل مساء يسحب ما سلك/وجه و الأنا نقشه هامسا.
وإذا كان الشاعر قد أجاد في التعاطي مع الحكاية و توظيفها من أجل إكساب النصوص بعدا جماليا ورؤيويا لا يخفى على القارئ فإننا نلاحظ أن القصائد قد خلت من توظيف الحوار الذي كان من الممكن أن يعمق هذه الرؤيا ويساهم في تعدد الأصوات من أجل تحقيق الموضوعية المبتغاة التي لا سبيل غيرها للاطاحة بالغنائية أو الحد منها على الأقل.
II- الصورة الشعرية:
من بين الانتقادات الموجهة للقصيدة العربية التقليدية أن صورها غالبا ما لا تنبع من عمق القصيدة فهي للزينة أكثر مما تعبر عن رؤيا الشاعر، وهي في أكثرها تتكئ على التشبيه أكثر من الاستعارة، واذا ما دققنا النظر في عناصرها وجدناها صورا ساكنة تفتقد للحركة.. هذا فضلا على أنها توظف المحسوس في المشبه و المشبه به والأنكى من ذلك أنها في عمومها مقتبسة من نماذج سابقة، بمعنى أنها لا تنبع من تجربة الشاعر الوجودية، وإنما هي نتاج ذاكرته التي ترسخ فيها –عبر المقروء – مجموعة من الصور /النماذج التي ابتدعها خيال الشعراء الأوائل.
ووعيا منه بالقصور الذي يمكن أن يطال قصيدته إذا ما احتذى النموذج التقلي دي في الصورة الشعرية عمد الشاعر المعاصر إلى إحداث نوع من التمرد على هذا النموذج، و التجأ إلى بناء صوره الخاصة، النابعة من خصوصية تجربته ورؤياه المغايرة وثقافته الشعرية وذائقته الأدبية
و لا يشذ شاعرنا بازين عن هكذا اختيار، فالمتتبع للصورة الشعرية في الديوان يلاحظ أنها تنحو منحى مغايرا لما هو متعارف عليه في الصورة الشعرية التقليدية، إذ أن الاستعارة- بشتى أنواعها – أخذت حيزا كبيرا في بناء الصورة، هاجسه في ذلك تكثيف القول الشعري الذي لا يتحقق –في رأينا- الا من خلال الاشتغال على المجاز و الرمز.. وهكذا فعلى امتداد المتن الشعري عند بازين نلتقط جملة من الصور الشعرية ميسمها الأساس بعدها الحداثي محاولة قدر المستطاع الابتعاد عن النموذج التقليدي، و يمكن أن ندلل على ذلك ببعض النماذج، ومنها قول الشاعر:
سبابة الوقت المخضبة/ بالعار/أضرمت أشطانك النظيفة.
وقوله: وحتى لا يفطر قلبها /رملا/في عيوني
وقوله: وعلى غبار/يجر البيضاء/يضاجع المدينة/صوته المستباح
وقوله: خطواتنا تهمس/أسماء مقتضبة.
ويلاحظ أن هذه الصورة وغيرها توظف –في الغالب- الفعل، لتؤجج لدى المتلقي الوعي بحركتيها، إنها صورة لا تكف عن الفعل، وهي تشي برؤيا مستقبلية للشاعر خاصة حينما تلتجئ إلى الفعل المضارع نقتبس من قول الشاعر:
هذا الانتظار يتلذذ/بظل تنهيدة/تقرأها سيدة/.
ونظرا لاكراهات التراث الشعري العربي، و الذي نفترض أن الشاعر اعترف منع نصيبه فان الصورة الشعرية مسها بعض من التأثير و إن كان ذلك على استحياء، خاصة على مستوى المعجم الدلالي، اذ نلاحظ هيمنة ألفاظ ذات حمولة تراثية واضحة ومنها: الليل الخلخال- السيف- القمر- البحر- الشمس- الدجى…
هذا بالإضافة إلى الصور التي توسلت التشبيه في بنائها ومنها:تسقط كالقمر حينما/ يزداد/
وقوله: تتهاوى كالنغم الأخير.
وقوله: يأتي طيفي كالغريب
ولعل هذا التنازع بين نوعي الصورة: التقليدية و الحداثية عبر عن نفسه في أكثر من موضع داخل الديوان حتى أن الشاعر عمد في بعض الأحيان الى المزج بينهما.
من هناك أحببت /بكائي/على ظهر ريح لا كالعواصف.
ومما يستحق الذكر أن قصائد بأكملها تجشمت عناء بناء صورة متكاملة، لا تكتمل عناصرها إلا بعد إنهاء قراءتها.
ومنها قصيدة “امرأة المساء”.
كما نلاحظ أن بعض الصور اكتسحتها الصبغة الرومانسية، فجاءت مثقلة بهموم الذات ولواعجها ومنها:
ولقيثارتك/التي تنخر سكون الآهات.
وقوله: خذني/وردة عارية/عن وشاح الهواجس/كي أعاكس خيال الليل/ وأحرق رسوم السفر/
وفي ختام هذه القراءة العاشقة لديوان “على باب معالي الكلام” للشاعر نور الدين بازين أرجو أن أكون قد قدمت صورة تقريبية عن الملامح الأساسية للكتابة الشعرية في الديوان، متمنيا للقارئ سفرا سعيدا في أجواء القصائد عله يكتشف أبعاد أخرى لم يسمح ضيق المجال بالتطرق إليها. راجين للشاعر مزيدا من الإبداع و التألق.

 



أضف تعليقا