كان الماء ولا يزال -باعتباره عنصرا حيويا للحياة- مصدر إلهام للإنسان منذ أن خط أول مسودة، تحاول التفكير في ماهية الكينونة و متاهات الإنوجاد.. احتفت ببعده الرمزي أساطير بابل الموغلة في القدم، وحذت حذوها الديانات باختلاف مصادرها وتعدد مرجعيتها،حتى أضحى الماء أحد أهم الرموز المؤسسة للاوعينا الجمعي ،رغم تباين توظيفه من حضارة إلى أخرى ومن كاتب إلى آخر.. فهناك من اعتبره مبعثا للفرح والإبتهاج باعتباره مولدا للحياة ،فيما عده الآخرون قرينا للحزن والألم ،"يقول الشاعرفي هذا السياق ” أشد من الماء حزنا
وقد كان لتوظيف الكاتبة زهرة الرميج لرمزية الماء في العنوان أبعاد دلالية وجمالية واضحة، فهذا الربط بين الماء والأنين لا يمكن إلا أن يستدعي جملة من التأويلات ،تحرض عليها هذه الإستعارة المتاخمة لفضاءات القول الشعري،..الأنين صوت المريض والمتألم، إذا ارتبط بالماء ،فإن المعنى يكتسب توهجا أبدا لا يمكن للمتلقي أن يتجاهله.. وقد أضافت الإضاءة اللامعة التي أوردتها الكاتبة في بداية المجموعة حمولة دلالية لا تخفى على العين والقلب..فالطفلة وهي تنتبه لأنين الماء تخلق الدهشة وتشرع عوالم التخييل والحكي على مصارعها..
وأنت تلج عوالم زهرة الرميج التخييلية،أول ما يثير انتباهك أن هذه الكاتبة تتعامل مع اللغة القصصية بنضج ، فلغتها بسيطة شفافة لا تحول دونك والتوغل عميقا في دروب الحكاية..أما جملها فسلسة في متتالية يأخذ بعضها بأعناق بعض ، فتخلق سردا ،يحتفي بالإقتصاد في اللغة، والدقة في اختيار الأحداث،دون إفراط أوتفريط.. حتى أنك حينما تبدأ قراءة قصة أبدا لا تستطيع الإنفلات من غوايتها.. كل نص في المجموعة يؤسس عالما مختلفا متنوعا،توحدها جميعا -أعني النصوص- رؤيا الكاتبة التي تميل إلى الإنتصار للجوهر الإنساني من خلال الإحتجاج على المظاهر السالبة لحرية الإنسان وكرامته..جاء ذلك في قصة عتبة البيت أو الراوي المحايد ،فقد أوردت الكا تبة فصة تحبل بالأبعاد الرمزية انحازت فيهاإلى الأهالي البسطاء الذين يسعون إلى حماية قريتهم بأنفسهم أمام لامبالاة السلطة.. وتكرر هذا الانحياز إلى الأهالي في قصة ثمار الصبار المثيرة خاصة من خلال الوسيلة التي ابتكرها الأهالي للاحتجاج على السلطة هذه الوسيلة أترك للقارئ اكتشافها، ولعل ذلك ما أعطى للقصة بعدها الساخر الذي لاريب يضفي على الكتابة نكهة خاصة.
وللمرأة حضور لافت في هذه المجموعة من خلال عدد من النصوص منها المرآة المشروخة -وليمة على إيقاع الهدير-على أجنحةالسراب.- كانت تراقبني. وتتكاثف هذه القصص للكشف على مجموعة من المظاهر السلبية التي تحيا على إيقاعها المرأة في مجتمع تعاني فيه الأنثى من الاستغلال بشتى أنواعه،بل ويضرب في الصميم كينونتها،فهي -في عرفه وممارساته - ليست سوى وسيلة للمتعة،كما جاء في قصة المرآة المشروخة ،التي تضعنا أمام رجل ذي مكانة اجتماعية مرموقة، إلا أن الموروث الثقافي والإجتماعي الذي رمزت له القصة بالأب ،هو الذي يحدد له نظرته للمرأة وطريقة التعامل معها،مما يجعله يعاني من ازدواج الشخصيةأو الشيزوفرينيا.
أما قصة وليمة على إيقاع الهدير فتصور امراة تتعرض لمحاولة اختطاف من طرف رجل يتصيد طرائده في الأزقة ،ومن خلال عملية الإسترجاع الفلاش باك ،تحكي الشخصية الرئيسية قصة طالبة اختطفت من الحديقة حيث كانت تراجع دروسها،فيمارس عليها أعتى أنواع الإستغلال الجنسي ،لينتهي بها المطاف منتحرة.
ولا تخلو القصص المحتفية بالمرأة من الحنين ببعده الرومانسي ،من خلال التقاء الشخصية في قصتي على أجنحة السراب وإنها ترفبني برفيقات الصبا ،محاولة الوقوف على البعد الزمني ،ومدى تأثيره في مسار المرأة ،عبر رصد أهم التحولات النفسية والإجتماعية التي تطرأ عليها
ولعل هذه الرومانسيه المشار إليها فيما سبق ،تصل ذروتها في قصة أحلام التي وظفت فيها الكاتبة تعدد الأصوات إذ تناوب على الحكي أفراد الأسرة،ليحكي كل منهم حلمه ،فنجد أنفسنا أمام أحلام اليقظة أكثر من الأحلام المصاحبة للنوم،لأن ما جاء في هذه الأحلام عبارة عن تمنيات في أغلبها.
وإن كانت المرأة متواجدة بقوة على امتداد المتن الحكائي عند زهرة الرميج ، فإن الرجل لا يعدم حضورا،فاعلا حينا ومتواريا حينا آخر، نذكر من ذلك قصة لعبة البوزل،التي تحكي عن شاب تخرج بتفوق من الجامعة إلا أنه يعاني الأمرين من أجل الحصول على وظيفة ،فلا يتأتى له ذلك إلا من خلال وسائل تتناقض مع مبادئه.
وأخيرا لا يسعني سوى أن أحييى الكاتبة على هذا المجهود القصصي المحتفي بالحكاية، التي تختزل إلى حد بعيد رؤ يا ها و تصورها للحياة ،محاولة تصريف بعض مواقفها النبيلة من خلال لعبة الحكي، موظفة في سبيل ذلك أسلوبا سلسا ولغة رشيقة شفافة ،تشي إلى حد بعيد بقدرة الكاتبة على الخلق والإبداع.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية