المظلة

إبداع ونقد

باتجاه البر الثاني لرشيدة عدناوي

باتجاه البر الثاني لرشيدة عدناوي
بخطوات متأنية ،لكنها راسخة تسجل الكاتبة المغربية حضورا قويا ولافتا في المشهد الأدبي المغربي ،شعرا وقصة ونقدا..،ولايتخذ هذا الحضور طابعا رمزيا ،بل يتعدى ذلك إلى حضور فعلي وفعال ، لتساهم مع زميلها الكاتب في تأثيث المدونة الأدبية المغربية بلمستها الدالة والموحية.
ومما لا شك فيه أن إصرار الكاتبة المغربية على مراكمة نصوصصها الإبداعية ،سيفرز لا محالة ،مع مرور الزمن سمات فارقة تميزها عن ما سواها..فالطابع المتميزللمرأة وجوديا ونفسيا واجتماعيا، لا يمكن إلا أن يخلف آثاره الواضحة على ما تجترحه يداها من نصوص.
في تناولي لمجموعة الكاتبة رشيدة عدناوي "باتجاه البر الثاني "لامست عن كثب ذلك النوع من المغايرة المميزة للكتابة النسائية بصفة عامة، والذي يمكن إجماله في الإحساس المفرط تجاه الذات والعالم من حولها..هي بحق لمسة ضاربة في أعماق الأنوثة ،تصبغ على الأشياء دفقا من الرقة ،حتى ليحسبها القارئ قد اغترفت من ذات الكاتبة ، فغدت - نتيجة لذلك- انعكاسا لما يعتمل داخلها من أحاسيس.
ثنائية الذات و الواقع حاضرة بقوة في نصوص المجموعة، فلا يمكن تجاهلها، تأخذ في كثير من الأحيان صفة الداخل والخارج..ففي قصة الصبار مثلا نلمس هذا الميسم من خلال التوازي ،الذي أقامته الكاتبة بين ذات الساردة المتعبة الباحثة عن الطمأنينة والأمان، وبين الواقع العدواني العنيف..تقول الساردة كاشفة ذاتها" كلما انتابني الضجر من طول الانزواء والتفرد، واكتسحني أفعوانات الوحدة والاغتراب،أطل برأسي من أعلى نافذتي المشرعة على رياح الصويرة".. هذه الذات الوحيدة والتألمة تطل علينا مرة أخرى من خلال قصة "حوار في ليل متأخر" متلفعة بوحدتها ،تقول الساردة.."وأنا هنا على سرير متآكل ،أسامر وحدتي على قمة جبل قصي وارتعاشة الأغصان ترقص ضعفي على إيقاع الخريف".
إذن نحن أمام ذات أو ذوات تحن إلى عالم هادىء مطمئن ومنسجم ،لكن الواقع بقسوته وعنفه يأبى إلا معاندتها ، فتصب الساردة جام غضبها على المدينة باعتبارها رمزا للعنف الحضاري المناقض لنعومة الطبيعة وألفتها تقول.." أيتها المدينة البلقاء-كنت أنبس- انفثي أنفاسك في خياشيمي، ولتسكرني محركاتك المثرثرة.. ولتركب سمائي أعمدة الاسمنت المسلح بأعشاش تختنق الرؤيا وراء زجاجها المفحم، فلتدسني عجلاتك الملساء، ولتضج بدبيب صخبي هذه العربات الثكلى، لعلها تثكلني".

وهذا الاحساس المفرط تجاه الواقع ولد في نفس الساردة الخوف من المدينة، تقول.." وأنا أخاف هذه المدينة..أشعر بالاختناقها، ربما أصبت بالربو".
تحاول الكاتبة حل هذا الصراع مع الواقع العنيد المشاكس بالارتماء في أحضان الطبيعة، ولكن ذلك لا يغني عنها شيئا، فالطبيعة هي الأخرى مهددة بهذا العنف الحضاري، الذي لا يبقي و لا يذر، فلا تجد حينئذ بدا من التوحد مع عناصرها رغم سوء المصير ، تقول الساردة " اجتثت شجرتي من تربتها و سقطت أوراقها ..فصارت نبتة هجينة لا تثمر غير الأسى"
تتسم علاقة المرأة بالرجل في المجموعة عموما بنوع من الانسجام ، يرجع ذلك في رأيي إلى أن الساردة في كثير من النصوص ومن ورائها الكاتبة قد وعيتا أن الماساة مشتركة ،ولا سبيل إلى إلقاء اللوم على طرف دون آخر ، فالرجل في النصوص يتسم بطابعه الديمقراطي المتفهم لهموم الساردة ، فلننصت إليه حين يخاطبها قائلا.."فأنا ديمقراطي في علا قتي مع النساء" ، ولا أدل على ذلك الوعي من الاحتجاج العلني للساردة على قيم المجتمع البالية ،حين تقول " ألقت بها الأقدار التي جعلت منها كائنا بنصف إرث و نصف دين ،و نصف وجود، في طريقها العثيق الأنيق، رغم بساطة معماره وضواره".
وقد وظفت الكاتبة تقنيات أسلوبية عدةتمزج بينها دون تكلف أوتصنع ،ومنها توظيف تقنية الأحلام والاسترجاع ،نلمس ذلك بوضوح في قصة " قربان العشيرة " التي وظفت الكاتبة فيها أجواء الطفولة مما جعلها مترعة بالحنين ، حيث تحالفت الطفلة مع المعلمة لمواجهة الواقع العنيد الذي يسعى جاهدا لإلغاء" كينونتها وتذبح قربانا على محاريب العشيرة".
في قصة "جيل هاريس" نقف من جديد إزاء ثنائية الداخل والخارج.. الداخل يرمز إلى الأمن والطمأنينة تقول الكاتبة ،" فوصوله إلى بيته متعة لا يماثلها شيء في حياته".. أما الخارج فيرتبط غالبا في نصوص عدناوي بالعنف والقهر" أقدامه الوجلة ترف على شفير رمال موشك على التداعي والأيادي العملاقة لا تخطئ طريقها إليه".
بعد هذه المصاحبة القصيرة للمجموعة القصصية " باتجاه البر الثاني" أتمنى أن أكون قد قدمت فكرة ولو مقتضبة عن الأجواء التي تضطرب فيها القصص، متمنيا لصاحبتها الكاتبة رشيدة عدناوي رحلة موفقة نحو بر ثالث أقصد إصدارا ثالثا ،يجلي بوضوح أكثر معالم الكتابة السردية عند هذه المبدعة.




أضف تعليقا