المظلة

إبداع ونقد

عبد الدائم السلامي ...متن هوية أو "بورتريه"

عبد الدائم السلامي  ...متن هوية أو "بورتريه"

 

 سلم المساهلي- شاعر وإذاعي تونسي

 

هناك ...في القرية الهادئة الوادعة المطمئنة التي تتوسد تلال الصنوبر وتتعطر بعرق الفلاحين وسيرة علي بن غذاهم ..هناك في "جدليان" ارتشف عبد الدايم السلامي حليب عروبته الجامحة وهو يتحسس وجه الأرض وملامحها ويستنشق عبير التراب الندي ونسائم الإكليل والسعترويسبح في تموجات السنابل السكرى بمواويل الحصاد وحداء الفلاحين وأغاني الرعاة ...هناك تألفت لدى عبد الدايم حميمية التواصل بين الذات الشاعرة ومفردات هويتها وهناك انطبعت ذاكرة القرية / العالم  وانبثق حبه البدوي الصادق الذي ظل يرعاه إلى اليوم ...

تجاوز عبد الدايم المهمة التربوية إلى مجالات الابداع شعرا ومقالا ونقدا وتأثيثا للمشهد الثقافي العربي والوطني والدولي ، وهو يتقدم في خطاه الواثقة متخفيا عن ضوضاء الإشهار غير عابئ ببريق الصور العابرة ..وما ذاك إلا لأنه يدرك أن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض أما الزبد فيذهب جفاء ..

هو سائس كلمات وراكب صهيل ، عنفوانا في تعالي النخل وكبرياء العفة ، يقد كلماته صدقا شعريا ...تتألق معانيه ثخونة وإنسانية رفيعة تحتفي بالألم/الأمل وتنتشي ببيارق الجرح / الوردة ، وتغتني بالكدح / الكفاح ...من أجل الإنسان وحده معنىً وارف الحضور والانتماء وخطى واثقة حرة ، وإرادة خلاقة مبدعة للحياة ...الأستاذ عبد الدايم السلامي انتمى إلى عالم الكلمات مربيا ، يفتق بصائر المريدين ويفتحها على العالم بكل أطيافه وألوانه ، ويفتح معها رؤاه المتفردة وتأويلاته المفارقة في نصوصه عامة الأدب والمقالة ...هي نصوص حافلة بنشيد الهوية وصخب البعث والقيامة ...من أجل ملامح مختلفة للإنسان والعالم ، فنصوصه رسالية التوجه إنسانية الطابع عربية الوهج ، وهي تختار طريقها خارج أدبيات الصدى السيار لواقع الاستهلاك الرتيب والساذج لما ينتجه الاعتباط والعفوية ...لا يكتب عبد الدايم السلامي للمتعة الذاتية وإن كان ذلك مشروعا ولا للتفلسف وإن كان ذلك متاحا ، ولكنه يكتب في ظلال مشروع أدبي وفكري يعنى بالانتماء أي بهوية الكلمات والمعاني في عالم يذوب فيه كل شيء طوعا وكرها ، ويتمثل خصوبة أسئلة الناس والأمة والأرض والتاريخ من خلال نبضها القلق وتوقها الواعد . يكتب عبد الدايم للروح معناها الذي لا ينضب قيما وانبجاسات إشراقية تقاوم ببسالة واقع التشيؤ والتلاشي الإنساني  وتفتح بوابات للحضور المختلف أسئلة مغايرة تحرض العقل على المبادرة والمبادأة ، وتخاتل سدنة الايديولوجيا بشجاعة السؤال .

يدخل عبد الدايم الكتابة من باب الجدّ لذلك نجده أقرب ما يكون إلى الصدق الجاد وهو يمزح سواء في كتاباته أو حواراته المباشرة ، وهو لذلك ملتزم بالدفاع عن القيم الإنسانية متخم بالوجد الحارق للإنسان الحر ، وهو على علو همته شديد الالتصاق بالأرض والناس البسطاء لين الجانب طيب المعشر لطيف العبارة رقيق المشاعر وهي شروط الاكتمال الإنساني في عصر يكتظ  بالمفرغين المتضخمين كِبرا ورياء .

يصافحنا عبد الدايم يوميا في جريدة العرب العالمية في رواق "شيء من معنى" ليعيد إلى الكلمات انتماءها الروحي ونبضها الانساني ...ولأنه رضع حليب البداوة النقي فإنه مازال محافظا على نقاء طبعه وكلماته بوحا صادقا وبساطة عصية على التعقيد ، لا يبخل على قرائه بتلك الصراحة المريحة والعفوية العاقلة في مقالاته ..هو يحل في كلماته وصلا و تغريبة للعاشقين ، واقفا نخلة شماء يشدها التوق إلى الأعالي أصلها ثابت متجذر في أحضان الأرض قلبا دافىء الجنبات يمدها بالسكينة والصبر على الأيام وهي تصارع رياح الشرق والغرب .

عندما نصافح عبد الدايم في كلماته "شيء من معنى" نؤمن بقدرة الرجل على السباحة عكس التيار، تيار الكتابة الصحفية العابرة لأنه ينحت كلماته بطين العاطفة وزيت الروح ..ذلك أن من يريد الوصول إلى النبع يسبح عكس التيار، ولا أخال الأستاد عبد الدايم إلا ذلك الرجل المسكون بالينابيع    

تتسع رؤية الأستاذ والكاتب عبد الدايم السلامي باتساع الأرض وينبض قلمه بعدد مفردات الحياة وأسسمائها التي لا تحصى وينفتح على المغايرة المحلية والعالمية دون عقد أو نرجسية في رؤية كونية تلهج بنشيد الانسان وتوقه الدائم إلى الانتصار على العبث والفوضى والشكلانية ... على الصمت والرداءة والجمود ..

لدى عبد الدايم السلامي آمال تطاول حلم الكلمات العربية في تراثها الأزلي المستنير وتقدح زند الوعد الواثق بالغد الوضاء ... ينوع مشاغله ومشاعله ويسلك دروبا مختلفة للإعلان عن ذاته  ويحتفي بعربيته أما يلثم مفرداتها ويشم ريحها صباح مساء فكأنه لا يحيا إلا بها وليس لها ابن سواه ...

 



أضف تعليقا