| رحلة ثريا إقبال على خطى آن ماري شيميل إلى تركيا |
| أرض العجائب ... الزهور تسبح بالجمال في قونية |
|
انطلقت يوم 13 ديسمبر/كانون الأول من باريس والرباط وأبوظبي، بعثة “ارتياد الآفاق” لزيارة مدينة قونية وحضور الاحتفالات بالمئوية الثامنة للشاعر والحكيم الصوفي الكبير مولانا جلال الدين الرومي. ضمت البعثة الروائي السوري والرحالة خليل نعيمي، الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة ،2006 والشاعر والمسرحي المصري وليد علاء الدين، مقيم في أبوظبي، والباحثة المغربية ثريا اقبال، المقيمة في مراكش، ولها دراسات في التصوف وترجمات. كل من الرحالة ذهب ومعه خطته الخاصة في رحلته، ومع ذلك حط الثلاثة رحالهم أخيراً في قونية، وحضروا ليلة الاحتفال الكبير في 17 من الشهر الجاري، حيث يقام مرة كل عام، ويحضره آلاف المحبين المعجبين بشعر الرومي ومتبعي الطريقة المولوية المنتشرة خصوصاً في تركيا وسوريا، ويأتون إليه من كل مكان في العالم. وبعد لقاء الرحالة الثلاثة، تفرقوا ليواصل كل منهم طريقه في تركيا التي سيضع كل منهم عنها كتاباً مستقلاً، وتصدر أجزاء من أعمال الثلاثة في كراس جامع، وفي مجلة “أدب الرحلة” التي سيصدر عددها الفصلي الأول في ربيع العام 2008. وبرنامج بعثات “ارتياد الآفاق” عادة ما ينطلق في كل عام على اثر الاحتفال بالفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة التي يقدمها “المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق” وفاز بها العام الماضي الروائي خليل نعيمي، وفاز فيها هذا العام الشاعر التونسي خالد النجار الذي سيقوم بدوره برحلة إلى التبت والصين. والشاعر العراقي شاكر لعيبي الفائز بالجائزة عن تحقيق المخطوطات إلى سمرقند، وطشقند وبخارى، والوصول إلى مرصد الفلكي نصيرالدين الطوسي في مراغة. ويعد هذا البرنامج الذي يشرف عليه الشاعر نوري الجراح، مدير “المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق” ويرعاه الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، حلقة في مشروع اكبر يهدف إلى إحياء أدب الرحلة، وجسر الفجوات المعرفية بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى، وتشجيع الأدباء العرب على ارتياد الآفاق، لإحياء خطوط السفر القديم في عصور الازدهار العربية، وكتابة الذات على مفصل علاقتها بالآخر. وكان برنامج بعثات “ارتياد الآفاق” أوفد في السنوات الماضية عدداً من الفائزين بالجائزة في رحلات حول العالم، منهم الشاعر العماني محمد الحارثي إلى الهملايا والتيبت، والروائي العراقي علي بدر في رحلة من مصر إلى باريس عبر مرسيليا على خطا النهضوي رفاعة رافع الطهطاوي في رحلته المشهورة “تخليص الإبريز،”. والكاتب والمحقق السوري قاسم وهب في رحلة من مصر إلى الشام على خطا ابن خلدون في رحلته للقاء تيمور لنك تحت أسوار دمشق المحاصرة بجيوش التتار. هنا ننشر حصراً في “أرض العجائب”، ما وافتنا به من قونية الشاعرة والباحثة في التصوف ثريا إقبال، حيث تقول في مخطوطها للرحلة: انطلقت الرحلة من مراكش، مدينتي المغربية في وقت مبكر من يوم 13/12/2007. ففي الساعة الخامسة صباحاً كنت بالمطار الذي عرف توسعاً كبيراً في الآونة الأخيرة، الجو دافئ والفجر لم يطلع بعد، يزعجني السفر ليلاً، أشعر كأنني أترك عالمي وأشيائي تحت رحمة العتمة. المطار هادئ ولا يعج بالمسافرين كعادته، إذ أصبحت المدينة في الأعوام الأخيرة قبلة لعدد هائل من سياح العالم. عادة أدون أحداث رحلاتي للحفاظ على ذكرياتها خوفا من غدر الذاكرة المحتمل، لكن هذه أول مرة يطلب مني ذلك في إطار مشروع يقوم به “المركز العربي للأدب الجغرافي - ارتياد الآفاق” الذي دعاني لحضور الاحتفالية بالألفية الثامنة لمولد مولانا جلال الدين الرومي. وجهتي، إذن، هي قونية مدينة مولانا وتربة الأولياء كما كان يطلق عليها. شعور غريب ينتابني يتراوح بين الفرحة والرهبة والتطلع والتشوف إلى هذا المكان القصي جغرافيا والقريب جدا إلى قلبي، أعرف المدينة من خلال المستعربة الألمانية الراحلة آن ماري شيميل، التي كانت تربطها صداقة بوالديَّ، ونزلت ضيفة عليهما لمدة أسبوع سنة ،1997 كانت تقول عنا “عائلتي المغربية”.
في أثر المريدة:
هي التي حكت لي بإسهاب شديد عن تعلقها بقونية وحبها الشديد لمولانا، هي من عرَّفتْ بفكره وشعره وفلسفته في الغرب، لذلك عندما قدمت لي الدعوة من المركز لحضور فعاليات الاحتفالية كباحثة في التصوف الإسلامي لم أتردد للحظة أن اقترح أن تكون مساهمتي اقتفاء أثر مولانا على هدى خطوات مريدته ومحبته العالمة الجليلة الفقيرة (كما كانت تسمي نفسها) آن ماري شيميل تغمدها الله برحمته.
على طريق الحب والمحب سيكون سفري إليك يا مولانا، أنت من كرست حياتك للدفاع عنه، أنت العاشق الأكبر الذي ما فتئ مفتوناً بمعشوقه، مشاهداً له في كل شيء، ومتأملاً عبر جماله أصلَه الإلهي، وباحثا عن الحقيقة في دروب الطريقة دون أن يحيد عن الشريعة. ألست أنت القائل في مقدمة الجزء الخامس من المثنوي: “الشريعة كفانوس يضيء الطريق، وطالما لم تتسلح به فلا يمكنك السفر. وعندما تصل إلى الطريق تصبح مَحجَّتُك هي الطريقة وعندما تنتهي إلى غاية السفر فتلكم هي الحقيقة العليا”. لم أزل منغمرة في العلائق بين الشريعة والحقيقة والطريقة في المفهوم الصوفي، عندما أعلنت المضيفة أننا سنحط في مطار الدار البيضاء وهذه أول محطة من رحلتي، فالوقت بين مراكش والدار البيضاء لا يتعدى 25 دقيقة من الطيران. وعندما وصلنا إلى مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً. هو أيضا تغير تماماً صار أكبر بكثير مما كان عليه وقاعاته أصبحت تشبه قاعات المطار الدولية، لكن الأشغال فيه لم تنته بعد. ما الذي أصاب مطارات المغرب هل صارت مثل مدنه كلها ورشا؟!
اكتشافات محمد إقبال:
حسب آن ماري شيميل في كتابها الضخم (التصوف والأبعاد الروحية في الإسلام) لم يتم تناول أعمال جلال الدين الرومي بمنهجية مختلفة أتاحت فهمه الحقيقي إلا في بداية القرن العشرين. ولا شك في أن محمد إقبال هو أول من فهم الطاقة المتحركة المختفية وراء تجارب مولانا رغم أنه لم يكشف إلا عن جزء من الجوانب الكثيرة للشاعر الصوفي والمحب العاشق، وعلى أي حال يبقى فهم إقبال للرومي من بين الأوجه التي تستهوي الباحث المعاصر أكثر من تلك التي تتناوله بطريقة تقليدية، وتربط بين فكره المأخوذ بالحرية وبين التوجهات الفلسفية الروحية الكلاسيكية.
ومن الأهمية والسعادة بمكان أن نرى شعر الرومي يحمل في كيانه طاقات عجيبة على الفهم والتأويل المتجدد وأن الباحثين من الشرق والغرب ما زالوا ينهلون من معين كنوزه التي لا تنضب.
صديق في اسطنبول:
نصل إلى مطار اسطنبول الساعة الثالثة والربع بالتوقيت المحلي. الفارق الزمني بين تركيا والمغرب ساعتان، أخرج من دون صعوبة من المطار فقد سبق لي المجيء إلى تركيا صيف العام الماضي مع عائلتي الصغيرة لقضاء العطلة، أستقل المترو إلى نهاية سيره بمحطة أكساراي ومن هناك آخذ تاكسي للوصول إلى فندق جولدن كراون الذي يقع بوسط المدينة قرب ساحة السلطان أحمد.
أول ما أدخل إلى بهو الفندق تقع عيناي على السيد أومير (عمر) يانيس الذي يجلس في انتظاري، أسعد برؤيته، ويعبر عن فرحه بلقائي. قصة معرفتي بأومير أعتبرها من لطائف رحلتنا التركية في السنة الماضية. تعرفنا اليه في الباخرة التي كانت تقلنا إلى جزيرة الأميرات في جولة إلى هذا المكان الساحر من اسطنبول، كان يقوم بدور مرشد سياحي لفوج غير فوجنا، كان يتحدث بطلاقة بالفرنسية وبحب شديد لبلده ويعطي معلومات غاية في الأهمية من الناحية التاريخية والثقافية. شدتني إيضاحاته فوجدت نفسي أنا وابنتي ليلى نتتبع خطاه ومن وقت لآخر نطرح أسئلة قال عنها بعد ذلك إنها في منتهى الذكاء والفضول الجميل. سألنا عن بلدنا وعملنا واهتماماتنا، تفاجأ أن تكون ليلى ابنتي وقال إننا نبدو مثل الأختين، تحدثنا عن أشياء مهمة ومفيدة حول البلد والأماكن التي تستحق الزيارة. عندما علم أنني متخصصة في التصوف، كلمني طويلاً عن تأثير فكر وشعر (ميفلانا) في الأتراك إلى اليوم وكيف يعتبرونه تركياً محضاً، سألني لم لا أذهب لزيارة مقامه في قونية، قلت إن ذلك حلم حياتي لكن الزيارة غير مدرجة في فقرات الرحلة المنظمة تحدثنا عن المحبة في شعر مولانا وعن كل القيم التي كان يدافع عنها، حدثته بدوري عن ابن عربي وعن المشترك الروحي والإنساني بين الشيخين، سُرَّ بلقائنا جدا وقال إنني أحمل اسمي بمنتهى الانسجام فالثريا تشع الضوء والحديث معي يتسم بالقبول والمودة، ترك لنا رقم هاتفه وقال “ربما تحتاجون إلي يوماً ما”، لم أتوقع أن تنبؤه سيتحقق في شهور قليلة.
في ضيافة عائلة تركية:
عندما دُعيت إلى السفر كان من المفروض أن تبدأ رحلتي من يوم 14 في قونية، لكني لم أجد رحلة سفر مباشرة من الدار البيضاء إلى اسطنبول يومها، فاضطررت إلى السفر يوم 13 على أن أذهب ثاني يوم إلى قونية لذلك اتصلت به ليساعدني على حجز غرفة باسطنبول لليلة ،13 عندما كلمته بادرت بالتحية والأسف على الإزعاج، سألته إذا كان يذكرني فقال بطيبة متناهية “كيف تُنسى الثريا؟” ألح علي أولاً أن أنزل ضيفة على بيته وفي عائلته لكنني رفضت تجنباً للإزعاج ولأنني نادراً ما قضيت ليلة عند أحد، احترم رغبتي لكنه ألح أن يقدمني إلى زوجته وأبنائه وأن نتعشى جميعاً. قبلت الدعوة.
بعد أن أخذت حماماً سريعاً نزلت إلى السيد أومير، شعرت بالخجل من طيبة الرجل لأنه أجرى من أيام قلائل عملية في عموده الفقري ويرتدي حزاماً عريضاً من جراء ذلك. كان يمشي ببطء وكلما اعتذرت عن الإزعاج أو شكرت صنيعه يعيد علي ما قال من قبل في الهاتف: “يا سيدتي من فضلك اتركي لي فرصة عملِ دون أن أُشكَر عليه”. أخذنا المترو قرب الفندق إلى برج جالاتا حيث تقطن ابنته، وتنتظرنا زوجته التي ترعى حفيدها يومياً من الساعة الثامنة صباحاً إلى الخامسة مساء حتى عودة والديه من العمل. وصلنا إلى عمارة في زاوية من شارع منحدر، صفّر السيد أومير، وقال لي ضاحكاً “هذه علامة وصولي” وفي اللحظة ذاتها أطلت من النافذة سيدة تحمل طفلاً وسلمت علينا بإشارة من يدها. توجهنا إلى الشقة في الطابق الثالث والسيد أومير يصعد بحذر شديد، رفض أن أساعده قائلاً إنه يتعود ألا يتكل على أحد ما دام يستطيع أن يفعل شيئاً بنفسه. فتحت لنا ايميني (آمنة) زوجة السيد أومير واستقبلتنا بضحكة عريضة. بادرتني بالسلام بالعربية، وعرفت قبل ذلك من زوجها أنها بعد تقاعدها من تدريس اللغة التركية بالجامعة سجلت في معهد لتعلم اللغة العربية. تحدثنا طويلا بالفصحى وحكت لي عن حلمها في زيارة بلد عربي، ورغبتها في قراءة تاريخ بلدها وما كُتب عنه باللغة العربية في الفترة العثمانية. أما أومير فدرس التاريخ في الجامعة، واشتغل في مؤسسة مالية قبل أن يلتحق بعد تقاعده من العمل بالإرشاد السياحي نظراً لمعرفته بتاريخ الأماكن والأحداث ولثقافته الرفيعة. عندما سألتهما عن رأييهما في ما قام به باني الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك وعن منعه لاستمرار دور التكيات المولوية، أجابني أومير إن التطور الذي عرفته تركيا اقتصادياً وسياحياً وديمقراطياً يرجع بالتأكيد إلى ثورة أتاتورك، لكنه يرى أنه من المؤسف جداً أن يعمل قطيعة مع تاريخ الدولة وأن يمنع اللغة العربية من التدريس، لأنه حرم بذلك أجيالاً كاملة من فهم تاريخها، ومن استيعاب فترة من أرقى فتراتها، أحسست في نبرته بحرقة المثقف المهتم بتاريخه، المتحسر على الشرخ الشديد الذي أصاب بنيانه، لم يشف غليلي حول مسألة إغلاق الزوايا المولوية وأثره في نفوس الأجيال الحالية. بعدما جاء ابناه وابنته الوحيدة وزوجها تم التعارف بيننا، لا يتردد أومير أبداً في أن يقدمني متخصصةً في التصوف ومحبةً لمولانا.
مطر خفيف:
ذهبنا بعد ذلك إلى المطعم الكائن في شارع الاستقلال، مشينا برهة تحت قطرات خفيفة من المطر، تارة أتحدث بالعربية إلى آمنة وتارة بالفرنسية إلى عمر وبين ذاك وذاك يتدخل الأبناء ليطلبوا الشرح من أبيهم فتشتغل اللغة التركية، لكن القاسم بين اللغات الثلاث هو التفاني في الاحتفاء بي كضيفة عزيزة حلت على هذه العائلة الطيبة.
حول طاولة العشاء دار الحوار حول المطعم التركي والأكلات الشهيرة والمعروفة، حاولت السيدة آمنة أن تشرح لي بالعربية طريقة طهي طبق يتكون من الباميا والطماطم والباذنجان واللحم المفروم، أتعنى في ذكر اسم الوجبة الآن لكن الذاكرة لا تسعفني، أتذكر فقط مذاقه الطيب لا سيما وأنني جائعة اللحظة. بعد العشاء أصر أومير على أن نذهب إلى بيته الذي لا يبعد كثيراً عن شارع الاستقلال لنشرب شايا ونأكل حلوى تركية، لكن غايته في الواقع هي أن يريني عياناً أن بيته كبير ويتسع لضيفة (عزيزة) قادمة من الطرف الأقصى من العالم الإسلامي “لا تنسي أبداً أن الإسلام ومبادئه وحب مولانا يجمعنا يا ثريا” قال لي أومير.
أشعار عصية على الفهم المباشر
بعد طقوسي المسائية، أخذت أقرأ بعضاً مما كتبته مرشدتي في هذه الرحلة آن ماري شيميل حول قونية التي سأصلها غداً عند الساعة التاسعة صباحاً على متن طائرة داخلية: “لا يمكن فهم أشعار جلال الدين الرومي التي تتغنى بالربيع إلا ممن يعرف بالتجربة كيف تصبح هضبة قونية فجأة ترتدي حلة خضراء بعد عاصفة الربيع التي تُفَتِّحُ الوردَ والياسمين، وتجعل الفضاءَ يعبق بروائح عطرة، هذا الربيع يشكل فعلا (قيامة) تبعث من التراب الداكن وروداً ورياحين تحت تأثير نسمات الحب الربيعية ترقص الأوراق والزهور، تدعو الله في لغتها الصامتة، ولقد سمع مولانا دعواتها وشاركها في ذلك بل ترجم هذه الأخيرة إلى أشعار شجية، حيث رأى جمال الخالق في الزهور والياسمين وجداول المياه. كل هذه المخلوقات تعكس جمالَه رغم أنها تشكل حجابا زاهياً لهذا البهاء المشع الذي لا يمكن إدراكه مباشرة . في أشعاره روائح قونية، حقولها، طيورها، رقة حرير سجاداتها، نكهة أطباقها الشهية وحلوياتها الشهيرة”. |









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية