المظلة

إبداع ونقد

من كنوز أمريكا اللاتينية: إيزابيل الليندي وإرنستو ساباتو وجها لوجه

 
ترجمها عن الأسبانية: وليد سليمان
وليد سليمان
عن دروب

تمهيد

كثيرة هي كنوز أمريكا اللاتينية الأدبية التي لم تصل بعد إلى العالم العربي. وكثيرة هي النصوص المجهولة لكبار كتاب جنوب القارة الأمريكية التي تحتاج إلى الترجمة والنشر باللغة العربية، فمما لا شك فيه أننا نتعلم من هذا الأدب الخصب والحي الكثير. ومن بين هذه الكنوز نكشف النقاب في ما يلي عن حوار نادر أجرته الكاتبة الشهيرة إيزابيل الليندي عندما كانت في بداياتها مع واحد من أكبر كتاب أمريكا اللاتينية على الإطلاق: إرنستو ساباتو الذي انطلقت شهرته من الأرجنتين ليصبح أحد أهم رموز ازدهار أدب أمريكا اللاتينية.
و/س

الكاتب الأرجنتيني الشهير، صاحب “حول الأبطال والقبور” و “النفق”، هو رجل تائه في متاهته الداخلية، و ملاك/ شيطان لا يعرف للسعادة سبيلا و يعشق بشكل خاص الشجاعة و الولاء.
و بالرغم من أنه محاط دائما بنساء يتبعنه مشدوهات، فهو ينفي كونه “دون جوان”، إلا أنه يعترف أنه قد كانت له ثلاث نساء أساسيات في حياته. ويقول إن أليخاندرا، بطلة روايته الخالدة، تعتبر أفضل شخصية تمثله.
لقد كان ساباتو يكره الكتابة، و يسخر من “ازدهار أدب أمريكا اللاتينية” ويخاف خصوصا من أن تبتذل أفكاره و تؤول بشكل خاطئ.
ايزابيل الليندي

بالنسبة لأي صحفي يسافر إلى بوينس آيرس، يكاد أن يكون إجباريا أن يسعى إلى القيام بحوار مع واحد من عمالقة الأدب الأرجنتيني، غير أن ذلك ليس بالأمر الهين، إذ أنهم يحتمون بقدر ما يستطيعون من الأسئلة والفضوليين. وأعتقد أن اسم عائلتي (الليندي)، في هذه المرة على الأقل، قد أفادني في شيء، حيث توصلت بفضله إلى أن يستقبلني ساباتو في منزله، وهو حرم نادرا ما يطؤه من ليس له مبرر لذلك.
- أنا أحب التشيلي كثيرا، وقد فكرت في بعض المرات في حياتي أن أرحل إلى هناك- كان هذا أول شيء قاله لي إرنستو ساباتو بينما كان يدعوني للدخول.

لا أدري لماذا كنت أتخيل منزله مختلفا جدا. ووجدت نفسي في منزل صغير وكأنه قد بني من اللصق، مجنون تماما، مثل متاهة، ذي سلالم بلا جدوى، وغرف موزعة حسب جغرافيا غير مألوفة ونباتات نادرة متكونة من أشجار هرمة ونباتات نخرها السوس.
برد يكاد يكون جليديا ومدفأة مشتعلة في غرفة الجلوس التي تملأ الكتب أرضيتها وحيث يرن الهاتف كل أربع دقائق، وكأننا في إدارة عمومية. كل هذا على الساعة الواحدة والنصف بتوقيت بوينس آيرس. لقد كان وحيدا و بدا لي أنه حزين بعض الشيء، وقد تحولت المقابلة، التي كان من المفروض أن تدوم 30 دقيقة، إلى حوار / حديث امتد لساعات نسيت خلالها البرد والوقت وحتى سبب وجودي هناك: التحقيق الصحفي.

حتى أنا لا أعرف من أكون

لقد اشترط علي إرنستو ساباتو أن أعطيه الأسئلة مكتوبة وبعد ذلك أجاب (كتابيا أيضا) في شكل أجوبة قليلة بالغة الإيجاز حتى أنها تبدو مثل أقوال مأثورة. وعندما شرع في الكلام، مستندا إلى أريكة بالية في غرفة الجلوس بمنزله، أخرجت أوراقا و قلما، ولكنه انتزع ذلك من يدي.

- لا أريدك أن تنشري أي شيء زيادة على ما أعطيك إياه مكتوبا، قال. لقد كلفني الوصول إلى بعض النتائج سنوات عديدة وتطلب مني الأمر عديد الصفحات لكي أعبر عن أفكاري، فلا أريدها، بتلخيصها في ثلاثة أسطر، أن تحرف أو تبتذل. إما أن أكتب دراسة بالغة الضخامة مثل موسوعة، وإلا فمن الأفضل أن أصمت و لا أقول شيئا.
وهكذا وجدتني جالسة وأنا أشعر بالإحباط كصحفية، في حين كنت مبهورة كامرأة، ففتحت أذني وعيني بينما كان هو يتكلم ويتكلم، محولا كل حبة إلى قبة. (في أوقات كهذه يرغب الإنسان في أن تكون له تلك الآلات الصغيرة التي يستعملها جيمس بوند والتي تخفى في مشبك الزينة وبإمكانها أن تسجل كل شيء بداية من طيران الذبابة إلى هدير الصاروخ، بل والأفضل من ذلك أفكار رجل مثل ساباتو).

من العبارات الأولى التي تلفظ بها الكاتب خالجني انطباع بأنه رجل معذب بشكل رهيب يبحث بلا كلل عن حقيقة تفلت منه في متاهات الأحلام.

- إنك تسألينني من أكون… ليتني أعرف!…إني أجهل من أكون مثلما أجهل إلى حد الآن من هو إلهي.

إن ساباتو هو واحد من الأبناء الصغار في عائلة تتكون من ثمانية إخوة ذكور. وقد نشأ في مناخ كله انضباط وصرامة وذكورية مما جعله صعب المراس تجاه الحياة ومحبا للشخصيات الذكورية والولاء و الصداقة بين الرجال والشجاعة.
و حاليا يعرض في بوينس آيرس عمل مسرحي لساباتو عنوانه : “أغنية لموت خوان لابايِّ”، وهو نشيد حول ولاء 170 رجلا يتبعون جنرالهم إلى أن يلاقي الموت الذي لا مفر منه. وهكذا يهرب الضباط، الذي يجمعهم عهد بأن لا يصل رأس الجنرال أبدا إلى العدو، إلى الحدود البوليفية ويخبون طيلة أيام وليال، نائمين على الأرض أو في البرد القارص، وهم يحملون الجثة التي بدأت بالتفسخ إلى أن يقرروا في النهاية أن ينزعوا منها اللحم ويحملون معهم فقط العظام ملفوفة في معطف عسكري والقلب في جرة مليئة بالعرق. وقد ألهمت هذه المغامرة المجنونة -التي أنجزها 170 رجلا شديدي الشجاعة والولاء- إرنستو ساباتو وعن هذا تحدث كثيرا. وقد شرح أنه بالنسبة اليه لا يوجد شيء مؤثر ومدهش مثل الشجاعة وصداقة الرجال. وهو يعتقد أنه لا يوجد شيء أكثر نقاء من الحب الذكوري وان ذلك يصعب أن يحدث مع امرأة، لأنه دائما في الحب بين رجل وامرأة تدخل عوامل تلوث الأمور، الصراع الناتج عن حب التملك، الصراع من أجل إظهار من هو الأقوى، الجنس، حب الذات ومتطلبات أخرى. وهو يعتقد أيضا أن النساء في ما بينهن قادرات على الشعور بأحاسيس نبيلة، على انه يعترف بوجود نساء رائعات. وبعيدا عن “التعصب الذكوري” يجيب ساباتو دون تردد أن أكثر ما يجذبه في المرأة هو أنوثتها. فالمرأة المسترجلة تثير فيه الذعر ويحزنه أنه في الصراع حول المساواة في الحقوق قد ضاع ما هو جوهري وهو أن الرجال والنساء مختلفون و”ليحيا الاختلاف!”.

حول الأبطال والقبور

وفي حديثه عن أعماله يقول ساباتو أن عمله الأكثر نجاحا هو “حول الأبطال و القبور”.

- انه العمل الذي أحاول أن أعطي فيه النسخة الكاملة لواقعي. كل واقعي. حول الأبطال والقبور، حول الآمال والإحباطات، حول الحياة والموت، حول الخير والشر.
وبالرغم من أن عديد المواضع في الكتاب فيها كثير من البحث وغامضة بما فيه الكفاية فقد سحب منه 200.000 نسخة. ويعتقد المؤلف أن رسالته قد وصلت للجميع.
أعتقد أن الجمهور العريض قادر على فهمها، وإن كان ذلك على مستويات متفاوتة وباختلاف في العمق.

و أليخاندرا التي يمكن اعتبارها شخصية أدبية كلاسيكية، هي نتاج للواقع والفانطازيا. فلم ينقلها ساباتو عن أي امرأة محددة وهو في الآن نفسه قد نقلها على كل النساء عموما.

- لقد كان إبسن يقول إن كل شخصياته قد خرجت من قلبه. وقال فلوبير: “مادام بوفاري هي أنا نفسي”. ان الشخصيات المركزية لأي رواية هي أغلى من التهويمات المختلفة التي تعيش في أعماق ذاتنا. المراهق، العجوز، المفكر، الفنان، الملاك، الشيطان. كل شيء يخرج من هناك. وأليخاندرا أيضا تخرج من هناك. خصوصا أليخاندرا. إنها من الشخصيات التي ربما تمثلني أكثر من غيرها.

- و برونو وفرناندو بيدال؟

- هما أيضا ، بالطبع. ولكن برونو بالكاد يكون نتاج أفضل أحاسيسي، التي هي أقل.

و يعترف ساباتو (الذي لا يبدو لي انه رجل ذو تواضع زائف) أن له نقائص أكثر بكثير من المزايا. وهو يلوم نفسه خصوصا على صعوبة طبعه الذي يسبب الشقاء للذين يحيطون به والذين يتمنى ان يجعلهم سعداء. غير انه رجل غير قادر على أن يكون سعيدا، وتعذبه وتمزقه دائما الشخصيات العديدة التي تعيش في داخله. انه رجل متعدد الوجوه، ورغم انه تزوج مرة واحدة فهو يعترف انه كانت له في حياته عديد النساء المهمات اللواتي أشبعنا أوجه شخصيته المتعددة. ورغم كل شيء، فان إهداء كتابه موح جدا: ” اهدي هذه الرواية إلى المرأة التي شجعتني بعناد في اللحظات الكثيرة التي فقدت فيها ايماني. فبدونها ما كنت أبدا سأملك القوة اللازمة لإنهائها. وبالرغم من أنها تستحق شيئا أفضل، فانه كتابها حتى على حالته تلك، بكل نقائصه”. هذه المرأة هي زوجته.

يكره أن يكون كاتبا

إن ارنستو ساباتو لا يعتبر نفسه سجينا لمدرسة محددة.

- كلا. أنا جندي غير نظامي. وعلاقتي بالأدب هي العلاقة ذاتها التي يمكن أن تربط المحارب بالجيش النظامي. أنا لست كاتبا محترفا. وأكره الأدب والأدباء.

- لو لم تكن كاتبا ماذا كنت تحب أن تكون؟

- كوني كاتب أمر لا يعجبني. كان بودي أن أكون عالم آثار أو عالم لغة. أو أن تكون لي ورشة ميكانيك صغيرة في حي غير معروف.
و بحديثه عن السياسة وعن الواقع الأرجنتيني والشيلي، أشار إلى أن الإنسان لا يمكنه أن يظل على هامش عمليات التغيير التي يتعين على الدول النامية أن تواجهها.

- لا يمكن لأي رجل عاقل وشريف ومحترم أن يدعم الظلم بأي شكل من أشكاله. أنا أقف الى جانب التغيير الاجتماعي. ولكني أريد العدالة الاجتماعية مع الحرية. ولا أريد أن تحل العبودية السياسية محل العبودية الاقتصادية. فكل العبوديات تثير اشمئزازي.

- هل تؤمن بالإنسان؟

- نعم، بالرغم من انه الحيوان الأكثر شؤما من بين كل المخلوقات. كيف يمكنني أن أواصل العيش إن لم أكن أؤمن بالإنسان؟

أثناء الحديث في غرفة جلوس-مكتب ساباتو لاحظت عديد المرات احتقار الكاتب للأسماء المقدسة للأدب في أمريكا اللاتينية، وهو أمر يعتبره “موضة” اشتهر خلالها عديد الكتاب الأحياء الذين انتفخوا دون أن يتمتعوا بموهبة حقيقية، وفي المقابل ثمة آخرون، مثل خوان رولفو، يعتبرون عباقرة حقيقيين، ولكنهم اشتهروا أقل بكثير.
- لا أؤمن بـ”ازدهار” أدب أمريكا اللاتينية. فالموضات ليس لها أي علاقة بالتاريخ العميق للأدب. إن كافكا لم ينتم لأي حركة ازدهار في الأدب التشيكي.
- ما رأيك في القارئ؟
- من أجله اكتب، أجاب باقتضاب.
- هل توصلت إلى أن تعبر من خلال أدبك على كل ما كنت تريد؟
- كل عمل هو مسودة لما يحاول الإنسان قوله. فالأعمال المتعاقبة تقترب أو أنه عليها أن تقترب، في كل مرة أكثر من هذا اللغز المحير للإنسان ذاته. فالهاجس الأساسي في أعمالي هو أنا نفسي، أي الإنسان. وقد كان كيركغور يقول إن الإنسان بقدر ما يتعمق في قلبه يتعمق في قلوب الآخرين.
و لكن لكي نتعمق في قلب ساباتو ربما كان الطريق الوحيد هو أن نحلل “تقريره حول العميان” الذي ينتهي بهذه العبارات الرمزية: “إن الحيلة والرغبة في الحياة واليأس، كل ذلك جعلني أتخيل ألف مهرب، وألف طريقة للإفلات من القدر. ولكن كيف يمكن للإنسان ان يهرب من قدره المحتوم؟”

عن مجلة باولا الشيلية
العدد 90/ جوان 1971

ترجمة: وليد سليمان



أضف تعليقا