المظلة

إبداع ونقد

استهلال زاردشت لفريدريك نيتشه

استهلال زاردشت لفريدريك نيتشه
 
 تنرجمة محمد أيت حنا

نيتشه بريشة إدوارد مونش

 

                                                3      
 
لما بلغ زارادشت المدينة المجاورة المتاخمة للغابة، صادف تجمعا بشريا كبيرا في ساحة السوق: فقد تم الإعلان عن عرض سيقدمه راقص على الحبال.       

و هكذا كلم زارادشت الحشد: << سألقنكم الإنسان الأعلى.

إن الإنسان شيء ينبغي تجاوزه. ماذا فعلتم لمجاوزته؟

كل المخلوقات قد استطاعت - لحد الآن - أن تخلق ما يتجاوزها، فيما أنتم تريدون البقاء ظلا لهذا المد والجزر، وتفضلون الرجوع إلى الحيوان بدل الارتقاء فوق الإنسان؟

ما الذي يعنيه القرد للإنسان؟ [إنه] موضوعُ تهكم أو عارٌ مؤلمٌ، و ذلك بالضبط ما يجب أن يعنيه الإنسان للإنسان الأعلى: موضوعَ تهكم أو عاراً مؤلماً.

لقد قطعتم المسافة من دودة الأرض إلى الإنسان، لكن أشياء من الدود مازالت تعتمل بدواخلكم. كنتم فيما مضى قردة، وإلى اليوم مازال الإنسان قرداً أكثر من أي قرد.

لكن حتى الأكثر قرداً بينكم ما هو إلا تركيب متنافر و متشظ من النبتة و الشبح. أوَ أطلب منكم أن تتحولوا إلى نباتات أو أشباح؟

أنظروا! إني ألقنكم الإنسان الأعلى.

الإنسان الأعلى هو معنى الأرض. فلتردد إرادتكم [هذه اللازمة]: ليكن الإنسان الأعلى معنى الأرض!

أرجوكم، إخوتي، ظلوا أوفياء للأرض ولا تصدقوا من يحدثونكم عن آمال خارج الأرض! أولئك هم المسمِّمون [لأفكاركم]، علموا بذلك أم لم يعلموا.

إنهم يحتقرون الحياة، إنهم يحتضرون؛ هم أيضا مسمَّمون. لقد تعبت الأرض منهم: فليرحلوا إذن!

فيما مضى كان سب الله أكثرَ السب جرما، لكن الله مات ومات معه شاتموه. أن تشتم الأرض، وتمنح لأحشاءِ ما لا يمكن اختراقه قيمة أكبر من تلك التي تمنحها لمعنى الأرض؛ تلك هي أشنع شناعة اليوم.

فيما مضى كانت النفس تنظر للجسد بازدراء: وكان هذا الازدراء، وقتذاك، أسمى ما هو كائن- كانت النفس تريد الجسد نحيلا، جائعا ومفرطا في القبح، بذلك كانت تعتقد أنها ستفلت منه ومن الأرض.

آه! تلك النفس نفسها كانت نحيلة، جائعة و مفرطة في القبح: وكانت القسوة منبع لذتها.

لكن أنتم أيضا، إخوتي، أخبروني: ماذا تبدي أجسادكم من أنفسكم؟ أليست أنفسكم [محض] فقر وقذارة، أليست سعادة بائسة؟

الإنسان في الحقيقة نهر متسخ، ولكي تستضيف نهرا متسخا دون أن تتسخ [مثله]، ينبغي أن تكون بحرا محيطا.

أنظروا إني ألقنكم الإنسان الأعلى: إنه هو ذاك البحر المحيط، وفيه [فقط] يختفي احتقاركم العظيم.

ما أعظم لحظة يمكن أن تعيشوها؟ إنها لحظة الاحتقار العظيم، اللحظة التي تأنفون فيها سعادتكم، كما عقلكم و فضيلتكم.

اللحظة التي تقولون فيها:<< ما جدوى سعادتي؟! إنها فقر و قذارة وراحة بائسة، هذه السعادة التي كان من المفترض أن تكفي وحدها لتبرير الوجود في كليته!>>                        

 اللحظة التي تقولون فيها:<< ما جدوى عقلي؟! أَجائع عقلي للمعرفة جوع الأسد للطعام؟ إنه فقر و قذارة وراحة بائسة . >>                                                                    

اللحظة التي تقولون فيها:<< ما جدوى فضيلتي؟! إنها لم تدفعني بعد إلى الهذيان. أن أفرط - حد التعب – في الخير أو في الشر! كل ذلك في نهاية المطاف لن يكون سوى فقر  و قذارة وراحة بائسة >>                                                           

اللحظة التي تقولون فيها:<< ما جدوى عدالتي؟! إني لا أكاد أستبين ما إذا كنتُ الجمرَ  و الفحم، في حين [لا] يكون العادل [إلا] جمرا وفحما. >>                                                                                                                                                                         

اللحظة التي تقولون فيها:<< ما جدوى شفقتي؟! أليس [مجرد] شفقةٍ هذا الصليب الذي نعلق عليه ذاك الذي يحب بني البشر! إن شفقتي [الحقة] ليست صليبا. 

هل سبق أن تكلمتم هكذا؟ هل سبق أن صرختم هكذا؟ آه! فقط لو كنت سمعتكم تصرخون هكذا!

ليست ذنوبكم هي ما يدفعكم لأن ترفعوا صراخكم شطر السماء، إنها هشاشتكم ، بل إن بخلكم وأنتم بين أحضان ذنوبكم هو ما يدفعكم لذالك!

أين هو البرق، حتى يلعقكم بلسانه؟ وأين هو الجنون، حتى يخصب [عقول]كم؟       أنظروا! إني ألقنكم الإنسان الأعلى: إنه هو ذاك البرق إنه هو تلك العاصفة! >>

لما تكلم زارادشت كذالك، انطلق صوت من داخل الحشد: << كفانا حديثا عن راقص الحبال، نريد أن نراه الآن >>  فضحك الكل من زارادشت، فيما بدأ البهلوان - الذي اعتقد أن الحديث يعنيه- تقديم عرضه.

 


أضف تعليقا