المظلة

إبداع ونقد

أدباء يبحثون عن الدفء في الشبكة العنكبوتية

أدباء يبحثون عن الدفء في الشبكة العنكبوتية
ملاذات وهمية لأدباء مأزومين بالحرية والانتشار

عبدالحق بن رحمون
الزمان اللندنية
عندما نفكر في الانترنيت وما أضافه إلي حياتنا الثقافية في عالمنا العربي، والإضافة النوعية التي حققها في انتشاره الواسع لدرجة أن البعض اعتبره معجزة، سيما أنه انتشر بشكل واسع حيث لافرق في استعماله بين عربي وعجمي في الوصول إلي المعلومة إلا الإرادة للجلوس أمام الحاسوب للإبحار في كواكب الانترنيت الواسعة عبر محرك البحث الشهير غوغول، طبعا سنتساءل عن التغيير الذي حدث للأدباء والكتاب والإعلاميين من حيث ربح الوقت والتكلفة في الوصول إلي قراءة ونشر المادة الثقافية والإبداعية، وبكل بساطة هل دخلنا إلي العالم الافتراضي ونحن علي أتم الاستعداد، وعلي دراية بجدواه منذ أن ولد الانترنيت منذ ثلاثين عاما كتجربة. وهل يكفي فقط الآن استيعاب طرق التحكم في البرامج والمهارة في الضغط علي لوحة المفاتيح في المكان المناسب، لكي نعتبر أنفسنا أننا تحكما بشكل قوي علي هذه الشبكة العنكبوتية التي تشبه قارة جديدة، لابد لها من إقامة فيها، وتأسيس تقاليد ثقافية مناسبة لاكتشاف الجديد فيها وتعميرها بما يناسبها في المكان المناسب... أم نتركها لتكون مزبلة للتاريخ يختلط فيها الغث بالسمين والجيد بالرديء إلي أن يفني هذا الانترنيت، ويعوضه اكتشاف آخر وبعده يغربل ما تم حصاده. وبكل اختصار هل صار استعمال الانترنيت في متناول كل الأدباء الذين يكتبون بالعربية أم لا يزال استعمال الانترنيت حكرا علي الذين يتقنون اللغات الأجنبية للاطلاع علي التجارب الأدبية والحداثية في لغاتها الأصلية.والجدير بالذكر أنه مع منتصف التسعينيات، كان من النادر أن نعثر علي موقع في الانترنيت بالعربية وتفتح نوافذه بسرعة، سيما أن وقتها كان الصبيب للمشترك بالانترنت ضعيف جدا وتسعيرته جد مكلفة، في الوقت ذاته كان الرافد الأجنبي علي النيت دائما له حضور متجدد علي شبكة النيت سواء علي مستوي المواضيع أو التصميم الجيد. وبذلك هل يمكن أن نزعم أو نراهن بأن الاطلاع المبكر لبعض الأدباء المغاربة والعرب، ساهم ذلك في تكوين نبرة من الكتابة الأدبية ولغة استعارية مستمدة من قاموس المعلوميات، و بالتالي تجاوز الحدود الوهمية للثقافة العربية، سواء من أجل اللذة الخاصة أوالمتعة الذاتية، بعد أن تبدي التشكيك في جدوي ربط جهاز حاسوبهم الشخصي بالانترنيت.

انصار الكتاب الورقي
وبالنسبة للأصدقاء الذين دعوناهم للمشاركة في الملف الشهري لصحيفة (الزمان) حول: "الأدباءْ والانترنتْ "، فمنهم من تلقي السؤال وجاء جوابه كلمح البصر. وهناك من تردد واعتبر أن الموضوع لايهمه ولايمكن الحديث عنه في الوقت الراهن ، باعتبار أنه من أنصار الكتاب والصحيفة الورقية، وبالتالي منهم من لايزال يتهيب التعامل بالبريد الالكتروني أو أنه كان له بريدا إلكترونيا لكنه لايتعامل به باستمرار نظرا لكثرة المشاغل التي لا تتيح له فرصة الجلوس أمام جهاز حاسوبه الشخصي للرد علي الرسائل أو مطالعة المواقع الثقافية في شقها المكتوب أو السمعي والبصري.
وعلي صعيد سيصرح البعض الآخر بأن من أهم مشاغله في كل صباح مشرق، متابعاته للمواقع الالكترونية التي يستقي منها جديد الساحة الثقافية، من أخبار ونصوص ودراسات نقدية ومواضيع مختلفة، إذ صار لا يبدأ يومه إلا بعد أن يلقي نظرة علي مواقع الصحف العربية الورقية والالكترونية، والأهم في كل هذه التصريحات أنها تؤكد بأن لها موعدا محددا لفتح الحاسوب حتي لا يتحول ذلك إلي إدمان، وبعده إلي روتين. المهم أن الكثير منهم يقضي لما يقارب الساعتين وفق عناوين محددة علي شبكة النيت، وفيها يتم الوقوف عند ما تشتهيه ذائقته الأدبية .
وعلي ذكر البريد الالكتروني ومدي التجاوب مع الرسائل الواردة إليه، فهناك ظاهرة عند بعض الأدباء منهم من يفتح الرسالة التي تصله، ويبقي الجواب عنها مؤجلا إلي وقت غير معلوم قد يكون لحظتها مستعجلا، مع العلم أن الرسالة الالكترونية المختصرة كلما أجل الرد عليها، فمن الأكيد أنها ستصبح في سلة المهملات أو في مقبرة النسيان، حين لايجد مستقبلها العبارة المناسبة للرد عليها ولو بكلمة صغيرة تؤكد الوصول، وهذا هو الفرق بين الرسالة الالكترونية والرسالة البريدية التقليدية التي علي وشك الانقراض.
و كما هو معروف فالانترنيت شغل الناس، وصار حديثهم اليومي، وجزءا من مكونات كل بيت أو مؤسسة أو مكتب، وساهم بشكل كبير في تلميع أسماء عدد من الكتاب ومنهم الشباب الذين وجدوا فيه أملا في فك عزلتهم من صرامة المسؤولين علي الصفحات الثقافية، الذين يجيزون النشر للأسماء المكرسة والمعروفة. وعلي ذكر الأجيال فإن استعمال الانترنيت وبالخصوص في المغرب لا يستفرد به جيل عن آخر، بل صار الكل يبحر في سباق للوصول إلي أوسع نقطة في العالم .
ومن جهة أخري فإن شهادات المشاركين في هذا الملف حسب ما توقعناها جاءت انطلاقا من تجربتهم اليومية والشخصية، حيث أكدوا بأن هذا الموضوع يشغل بالهم باستمرار وهي شهادات حية وواقعية إلي حد كبير، وقد أثرنا أن يكون برفقتنا في هذا الملف شعراء يتحدثون من خلال قصائدهم عن همومهم الأثيرة ومشغالهم مع النيت، و ما أحدثه ذلك علي عواطفهم وصداقاتهم في كل بقاع العالم.
وعلي صعيد آخر سنتساءل هل الكتابة عبر الرقن بالحاسوب، وتحريك الماوس في كل الاتجاهات... ومداعبة لوحة مفاتيح الحاسوب صار ذلك ممكنا للأدباء وبديلا للورقة والقلم، وهل تصفح مواقع الانترنت والتواصل مع الأصدقاء ودور النشر عبر الايمايل بلمسة زر ... والنشر في المواقع الافتراضية غير هذا من مسار طقوس الأدباء اليومية، في اطلاعهم علي نصوصهم المنشورة علي النيت... و بذلك أصبح هذا الحاسوب شر البلية بما ينفع... لذا الجالس أمامه - الحاسوب - لساعات طوال، هناك من يشبهه بفأر يقضم مواقع ثقافية لاحصر لها في رمشة عين، سيما أن إمكانية الكتابة بالحاسوب تمنح الكاتب إمكانية في أن يكون وضعه جالسا أو ممددا... أو في حالة يقظة أو استرخاء، وفي اللحظة ذاتها يكون يرتشف فنجان قهوة أو شاي، أويدخن غليونا أو سيجارة ...
لذا أدعوك عزيزي القارئ للاطلاع علي طقوس الأدباء مع الكتابة بالحاسوب، وذلك من خلال هذا السؤال طرحناه عليهم : ماذا تكتبون....وهل أحسستم بأثر علي تطور كتاباتكم ... وهل الكتابة عبر هذا الوسيط هي البديل في الوقت الذي لايزال فيه بعض الكتاب مشككين في جدوي الدخول إلي العالم الافتراضي ؟

صفحة بيضاء لا تعرف النهاية

سناء شعلان (الأردن)
لا شك أنّ الإنترنت قد فتح آفاق التواصل مع العالم بسرعة خيالية وبأقل جهد وتكاليف وزمن، وفي ظروف خصوصية وخلوة ومرونة زمنية، توافق وضع وحال الأديب في ظرف كان يتعذر بل ويستحيل قبل عصر الانترنيت الذي غيّر وللأبد كلّ معايير التواصل والإطلاع، كذلك الإنترنيت أتاح فرص التواصل مع الأدباء في شتي أنحاء المعمورة والإطلاع الكامل علي تجاربهم ومنجزاتهم الإبداعية، وتبادل الخبرات معهم، والتعرّف علي جديد التقنيات السردية والإبداعية والأدائية.
وأكاد أزعم أنّ الانترنيت عندي قد بات صفحة ورقة بيضاء لا تعرف النهاية، تسمح لي بأن أفكر علي صفحاتها وأكتب عليها، ولكن ذلك في خصوص الكتابة الوظيفية فقط، كالتواصل مع الأصدقاء ومراسلة المواقع وكتابة الردود والبحث عن المعلومات، ومتابعة وسائل الإعلام والمعرفة الإلكترونية. أمّا فيما يخصّ الكتابة الإبداعية والنقدية عندي فما زالت حبيسة الورق ووليدته، فأنا لم أستطع أن أكسر ألفتي الخاصة مع الورق والكتابة، فلهما سحراهما و رومنسيتاهما التي يصعب علي أن أتجاوزها، ولماذا أحاول ذلك؟ مادام الورق والقلم يجريان دفق إبداعي ويتناغمان مع أحاسيسي، ويتجاوبان مع حدود التدفق والتوقف في سيل أفكاري وجملي أحاسيسي، فالمنجز الإبداعي والنقدي عندي ينجز كاملاً عندي علي الورق، كذلك يشهد التنقيح الأول والنهائي علي سطح الورق، ثم بعد ذلك يكون نقله إلكترونياً علي الكمبيوتر عبر طباعته، وإلقاء النظرة الأخيرة عليه بعدما يغدو وثيقة إلكترونية مكتوبة بهدف التنقيح الشكلي بالدرجة الأولي، كالتدقيق الإملائي والأسلوبي والنحوي والصرفي.
لذلك لم يغزُ الكمبيوتر عالمي الإبداعي بشكله البنائي في مرحلة الخلق، ولكنه دخل فقط عالم بروز النص إلي العالم الخارحي عبر طباعته وتوزيعه وعرضه أحيانا علي الإنترنت، وتعريف الأصدقاء عليه.
لا أستطيع أبداً أن أتقبّل أو أفكر بأن الإنترنيت أو استخدام الكمبيوتر قد يكون صاحب الكأس المعلّي في تطوير الأدب والأديب، فلذلك حساباته الخاصة وشروطه التي لا تبالي بالكمبيوتر، فهو ليس خالق أديب، إنما هي أداة تواصل وتعبير لا تفرق إلاّ بالقليل من حيث وظيفتهما الإجرائية والأدائية. لذلك أكاد أجزم أنّ الورق والقلم سيظلان حاضرين في المشهد الإبداعي الكتابي الإنساني، ومتوافقين مع حالته الإبداعية ومنسجمين مع الدفقات الإبداعية للمبدع.

تسكع رقمي

عبد ربه محمد سالم أسليم (فلسطين )
مشاركتي في هذا الملف ستكون غير تقليدية كما هو متوقع. البعض قد يتجه إلي كتابة مقال نثري عن تجربته الشخصية مع الانترنت، أما أنا فستكون تجربتي عبر قصيدة تسكع رقمي :
( 1 )
والسلطعون يتسكع في ظل قصيدتي
فأصاحبه إلي فندق رقمي في ركنه القصي
غرفة رقم 13 ...
(2 )
واختطاف الــ Hotmail من حويصلات المساء
ومساومته علي ضوء القمر
وما في رجلي المقطوعة من بيوت عنكبوت !
ومساءلته عن موعد سقوط الأمطار علي غزة هذا الصيف !
( 3 )
يدخل كلمة السر
ويحفر نفقا رقميا بين ضلوعي
يلطم وجه الجفاف بيده اليسري
العشب يده اليمني ...
يرسم الصمت ،
ويصفعه علي قفاه الليلي برائحة القرنفل المخملي

( 4 )
أبحث في أوراقي عن ميناء ترسو عليه قصيدتي
وما في رجلي المبتورة من وشم نبوي !
( 5 )
تبول أوراقي كمساء أخضر
وأنا أنتصب فوق مقعدي الرقمي كصقر مغناطيسي
وألهو مع العنكبوت ...
أحاول أن أدخل تفاصيل الفراغ
وما في نفسي من شجر برتقال ...
أدفع به إلي حائط إلكتروني
وأصغي كالضباب إلي سريري الرقمي !

السيد (الأنترنيتي)

نورالدين بازين (المغرب)
أول ارتباط لي مع شبكة الإنترنيت كان سنة 2002، فقد كنت أصاحب أحد رفاقي الذين كان لهم الفضل الكبير، في غرس شوكة الذهاب إلي أحد الصالونات الأنترنيتية، الكائنة بالحي المجانب لحينا بالدار البيضاء..
في بداية الأمر كان ولوجي إلي هذا العالم الغريب محتكرا من طرف أشخاص يمثلون النخبة في وسطنا الشبابي، ومع أني كنت صفر الجيب كان علي أن أصاحب رفيقي الذي كان يجلس ساعات طوال، أحدق فيه لأني حينها كنت "أمي أنترنيتي" لا أفهم ما يجري علي شاشة الحاسوب، وكم كانت دهشتي ورفيقي يخلق لي عنوانا إلكترونيا خاصا بي، حيث استقبلت أول رسالة من إحدي الفتيات التي أدركت فيما بعد أن رفيقي هو الذي منحها إياه.
وسط ذاك الصالون الذي تعدد فيه الحواسب والمقاعد، اكتشفت عالما آخرا أرهقني في أول الأمر وسبب لي مللا لعدم درايتي الكاملة به، وهذا ما جعلني أتشجع وألج عالم المعلوميات لوحدي، أصيب مرة وأخطئ مرات، وكل ذلك كان ثمنه مكلفا، ولازلت اكتشف هذا الكائن العميق والمجهول المسمي الانترنيت.
كان أول تعامل جدي بيني وبين هذه الوسيلة هو عندما اضطررت للبحث في (كوكل العملاق) عن عنوان بعض الجرائد العربية للتواصل معها، وهذا جعل من عملية التواصل سهلة بيني وبين الجرائد العربية، وفيما بعد بيني وبين المواقع الأدبية والغير الأدبية وحتي مع الأصدقاء داخل المغرب وخارجه، وفعلا عجلت هذه الوسيلة في التواصل السريع بين ذاتي وبين الآخر..
أما النشر فذلك مرتبط حتميا بعملية البحث والتواصل الذي خضته فيما قبل، وأنا اليوم تجد أعمالي منشورة في مواقع الجرائد وحتي المواقع الأدبية..وكم تكون دهشتي كبيرة وأنا أستعيد كل إبداعاتي المنشورة في صفحات هذا السيد (الأنترنيتي) العملاق..
لا أعتقد أن شبكة الانترنيت تشكل بديلا لوسائل الاتصال التقليدية كالجريدة والمجلة والكتاب.. فرغم أن هذه الوسيلة أصبحت تختزن أكبر جمهور متلق في العالم، فإن الوسائل الاتصال الأخري لا زالت تلعب دورها التثقيفي والتواصلي، وإلي فكيف نفسر حركة المعارض الكتابية والمقاولات الإعلامية التي تشغل عدد لابأس به من العاملين..؟
وأنا أعتقد كذلك أن شبكة الأنترنيت وسيلة إعلامية إضافية جاد بها الزمن التكنولوجي، جاءت بعد الجريدة والمجلة والكتاب، وحرضت علي القراءة أكثر عكس ما يتداول في بعض الأوساط، وربما في المستقبل سنري أداة أخري تواصلية.. ولما لا..؟.
أعتقد أن الانترنيت خلق آفاقا أخري لكثير من المبدعين الشباب، أو حتي الذين كانوا في فترة معينة يواجهون بالإقصاء من الملاحق الثقافية الورقية.. وأكيد أن هذه الوسيلة جعلت كثيرا من الأقلام تظهر بشكل ملفت للنظر، بل حلقت بإبداعهم عبر العالم من دون قيد أو شرط..فقد تكسرت مسألة الحزبية والأصدقاء والوساطة، وكل هذه الصفات معروفة في ملاحق ثقافية عديدة، ليس في المغرب وحده بل في العالم العربي بأسره.
أكيد أن هناك من يتضايق من الانترنيت، وأنا أعرف أن بعضهم من كثرة حقدهم علي هذا الكائن فقد قرروا عدم الخوض في عوالمه، وكذلك بعدم انخراطهم في هذا الركب الحضاري الذي يجسده الحاسوب مكوناته، وحين تسألهم عن عناوينهم الاليكترونية لا يستجبون، وهذا دليل واضح علي عدم رضاهم، لسبب واحد هو أنهم يريدون أن يظلوا في الساحة وحدين.. وهذا في حد ذاته إقصاء للآخر وأنانية يمتاز بها بعض كتابنا..هناك الكثير من المواقع الثقافية علي الشبكة تثير إعجابي، ولسبب وحيد تثيرني هو أن هذه المواقع الثقافية تستقبل كل ما يمكن أن نقول عليه إبداع بدون إقصاء وتمييز، في وجود مواقع ثقافية أخري تخلق التمييز، إلا أني ألاحظ أن النقد متخلف في متابعة ما يكتب رقميا، مع العلم أنه متخلف أصلا مع ما يكتب ورقيا. فأنا أري هذه الحالة عويصة الفهم، ولا أريد الخوض فيها..و لا يسعفني إلا جلوسي أمام الحاسوب لأستنشق رائحة الحضارة عبر الإبحار داخله، وإدراك ما يجري في المجال المتعلق باهتماماتي الثقافية والأدبية والصحفية.

قدرة المبدع علي التكيف مع التطور التكنولوجي

فاطمة بوزيان (المغرب)
في الواقع رغم معرفتي المتواضعة في مجال استخدام الانترنيت إلا أني من المتحمسين كثيرا للنشر عبر الانترنيت، وأنشر في بعض المواقع الأدبية لأني أعتبر أن التواصل مع القارئ من خلال الشبكة العنكبوتية إضافة هامة وسهلة، وغير محدودة في المكان والزمان، مقارنة مع النشر الورقي، ولكن لا أعتقد رغم مزاياه الكثيرة أنه سيعوض النشر الورقي، ومن ناحية أخري لايزال استعمال الانترنيت في المغرب محدودا، وأتمني من وزارة الثقافة أن تتحمل مسؤولية إنشاء مواقع للكتاب الكبار للتعريف بإبداعاتهم ونشر أعمالهم الكاملة فيها، وألاحظ إقبال الأدباء الشباب علي النشر والتواصل عبر الانترنيت بشكل متزايد وهذه ظاهرة إيجابية جدا تؤكد قدرة المبدع علي التكيف مع الظهور مع التطور التكنولوجي والاستفادة منه.

كتاب الإنترنيت نوابغ حقيقيون في الثقافة والأدب
المهدي لعرج (المغرب)
اقتنيت حاسوباً شخصياً لأول مرة عام 1999 . قبل ذلك كنت أستعمله من خلال خدمات الآخرين. كان الحاسوب، في حد ذاته أمراً محيراً بالنسبة إلي، وكان شيئاً ينطوي علي كثير من الأسرار والإغراء . وأذكر أنني عندما هممت بطبع مجموعتي الشعرية: "عودة الخريف " اشتدت حاجتي إلي استعمال الحاسوب لرغبتي في إخراج العمل في الوقت المناسب وللإشراف شخصياً علي أعمال الضبط والتصحيح. ولم يكن بد حينها من الاستعانة بالراقنة، وهي موظفة بإحدي الإدارات، كانت علي ما يبدو تختلس بعض اللحظات من أجل القيام بالمطلوب. كنت أريد أن أقتصد في الجهدين المادي والمعنوي، لاسيما وهي من معارف أحد أصدقائي ويفترض أن تتواصل معي باستمرار في عملية الطبع التي قيل إنها لها بها حنكة ما . ثم تبين لي فيما بعد أنني دفعت لها أجرها كأوفر ما يكون الأجر، و وقع أجري في مسعاي علي الله . فقد دفعت إلي العمل بدون ضبط ومليئاً بالأخطاء مشوهاً لا حظ له من جمالية الإخراج التي كنت أتوق إليها. ثم قصدت راقنة أخري محترفة واتفقت معها علي رقن العمل وفق نظام "الماكنتوش" حتي أيسر الأمر علي دار النشر التي أتعامل معها فلا أضطر إلي الانتظار وقتاً إضافياً آخر. و قد أخذ مشغلها الأجر مني وفق متطلبات الطبع علي "الماكنتوش" طبعاً، هذا كل ما أتذكره الآن. وأنا مقيم في مدينة سطات حيث البدائل محدودة . ثم عن لي أن أقصد أحد تلامذتي في مدينة برشيد، كان قد افتتح إحدي مدارس تعليم الإعلاميات.. فلم ينفع ولم يضر. في خضم ذلك كنت كثير التردد علي مؤسسة آل سعود بالدار البيضاء والخزانة الوطنية بالرباط حيث توضع الحواسيب رهن إشارة الطلبة بكل حرية. لكنها حرية لكي أمارسها كان علي أن أتدرب علي استعمال الحاسوب أولاً .
من هنا إذن دخلت فكرة الحاسوب إلي حياتي، ومباشرة بعد اقتناء الحاسوب بدأت أطل علي عالم الإنترنيت. من خلال الآخرين طبعاً. فقد عرفت فعلاً ما معني أن يأخذ أحدهم بيدك، بعيداً عن المعني المجازي المشهور. و لست أدري الآن لماذا كان وضع اليد علي الفأرة و تحريكها يكتسي كل ما كنت أحس به من توجس وارتباك.
و فيما بعد تمكنت من الإطلالة علي الإنترنيت. اكتشفت أن الحاسوب لا يعدو أن يكون آلة استقبال عادية، و أن المدهش هي الأنظمة المعقدة والبرامج الفائقة الدقة، التي توظف هذه الآلة . وجاء وقت وقد أصبح من العبث حقيقة أن يتساءل المرء عن بعض المستجدات في هذا السياق. و ما حك جلدك مثل ظفرك. واكتشفت أن بعض الأصدقاء كانوا قد فتحوا بريدهم الإلكتروني وأقاموا مواقعهم الشخصية فتمتعوا و انتفعوا .
المهم أنني دخلت في دورة النيت، من خلال الكتابة والنشر والتعليق . ولأول مرة كان بالإمكان أن أكتب شيئاً يقرأه غيري للتو، دون حذف أو مراجعة أو تنقيح. فقد يحدث أن أكون في حوار مع أحد الأصدقاء، و تمس الحاجة إلي أن أرد عليه شعراً، أو علي الأقل بطريقة فنية فيها من مظاهر الجمال والإبداع ما يجعل ذلك الرد/الحوار حواراً أدبياً. و بطبيعة الحال، الحاسوب نفسه أصبح بالإمكان حمله والكتابة علي شاشته دون توصيل كهربائي مباشر، أي أنه أصبح أكثر قابلية للاستعمال واقتصاداً في طاقة الجلوس في مكان ووضع محددين. ومن الواضح أن مكان الجلوس للكتابة وتوقيتها و الوضع المتخذ من أجل ذلك قد يؤثر في عملية التفكير وإيقاع إنجاز النصوص. لم أهجر القلم تماماً، لكنني لم أعد مرتبطاً به كل الارتباط . الكتابة المباشرة علي شاشة الحاسوب تغني عن عملية نقل النص إليه بعدما يكون قد خط علي الورق، كما تغني عن عملية التصحيح إذا كان غيري هو من يقوم بتلك المهمة. و مع ذلك فما يزال للكتابة علي الورق سحرها وجاذبيتها و رسوخها. و لا أنكر أنني أنظر بعين الشك إلي كل نص يكتب مباشرة علي شاشة الحاسوب و ينشر بين القراء. عالم النيت عالم افتراضي، و لا حدود لمفهوم الكتابة فيه. لا أنكر أيضاً أنه قد ينبغ من بين كتاب الإنترنت نوابغ حقيقيون في الثقافة والأدب، ولكنه بالنسبة إلي لم تتبين بعد ملامح وحدود ما يسميه البعض أدب الواقعية الرقمية. البعض يراهن علي الحاسوب والإنترنت، وأري أن الرهان ينبغي أن يبقي في الفكر والأدب دوماً علي التأمل والرؤية و الشكل، وعلي تماسك اللغة و انسجام الخطاب.

الانترنيت يتيح الرؤية للأعمي

أحمد العمراوي (المغرب)
المتنبي في الشعر العربي القديم منه والحديث كالانترنيت في التواصل العالمي، كلاهما ملأ الدنيا وشغل الناس. شعر المتنبي يتيح الرؤية للأعمي، والسمع للأصم، قدرة علي البوح عوض آخرين كثيرين، أنا لأنا الآخر. هذه المقارنة عديمة المعني في الظاهر، لكنها تطرح السؤال العريض: من الذي يشغل الناس أكثر المتنبي أم الانترنيت؟
يتيح الانترنيت القدرة علي التواصل الداخلي والخارجي بشكل سريع، يتيح القدرة علي التيه في أرض الله وسمائه، يتيح التحليق بالعين، بالذهن بكل الحواس، وبالأعضاء الأخري الأقرب والأكثر حساسية والتصاقا بظل الجسد . انتقال إلي عوالم المشاهدة والتلذذ والأحلام الملونة والعادية، تواصل تواصلي يصل الظاهر بالظاهر من أجل فك عزلة هاته الظواهر وربما تعقيدها أكثر فأكثر، بأمل فك الالتباس، التباس الذات وظلها.
لِمَ لمْ تحضر الرواية وحضر المتنبي ؟ هل سندخله في الأوائل في زمن ما، حين يأتي نقاد آخرون في الآتي يبحثون في أوائلنا؟ لايهم الاستناد إلي تحليلات التحكم، وإرجاع الأسباب إلي أسبابها، والعولمة إلي أمركيتها، والتحكم في محركات الانترنيت إلي قوي مالية معينة تعيش في منطقة من العالم هي نفس المنطقة التي أنتجت المتنبي جغرافيا، ما يهم هو دلالة الأولية هنا، بغض النظر عن عنصر التحكم، وبلغة أخري، وعلي نفس اللسان: هل نستطيع القول إن المتنبي مازال يتربع المشهد الثقافي؟ هل يمكن الاطمئنان إلي موقع الشعر الآن مادام يحمل مواقعه الكثيرة علي الانترنيت. نتحدث عن هذا بدلالة رمزية، ولا نقارن بين مواقع الفكر والسياسة والدين والتاريخ فهي كثيرة تستعصي علي العد.
من داخل الشعري بالشعري وبتنبؤ الشاعر نقول: حضور الشعر، وشعر المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، داخل الشبكة التواصلية، بجهاز كومبيوتر يشغله فيشتغل به الآن، له أكثر من دلالة تدعو إلي دخول هذا العالم بتواصل بين الشعراء العرب الذين تزداد ظروف انفصالهم عوض تواصلهم أكثر فأكثر.

الشاشة عليكم

طه عدنان (بلجيكا)
صباح الخير أيها العنكبوت
يا وابل المعني ويا شفيرة النور
بيتك من أبهي البيوت
وأنا سادنه الأمين
من أول النقر
إلي أقاصي الدهشة الساطعة.
صباح الموج أيها الأزرق الهادر العظيم
يا شرفة الضوء المشرعة علي خيوط المستقبل
أيتها اللحظة الباهرة التي تؤلب الروح
ضد عزلة الجسد
والحواس ضد ما يشدها إلي رتابة الأعضاء
أيتها اللحظة التي لا عمر لها
سأقيم فيك لأرحل
بعيدا عن جهامة رجال الجمارك الانكشاريين
وتحذلق الخصيان من موظفي المطارات.
صباح الخير أيها العنكبوت
صباح الرضي يا زقزقة الكهرباء
أنا جاهز فخذيني إلي عالمي الذي من ضوء
فلدي جيران طيبون في هوتمايل
وأتراب ودودون في ياهو
وعشيقة سرية في كارامايل
لدي رفاقٌ هنا وهناك ...
لدي رفاق الدرب القديم
يغرقون بريدي بالمقالات الغاضبة
والبيانات النارية
وفائض الإدانات،
ورفيقاتٌ في عمر الزهور
أناضل إلي جانبهن بشراسة سبرنيتيّةٍ
من أجل حماية الحقوق الثقافية للاسكيمو.
غودمورغن إيلس.
صباح الخير يا محمد.
بونجور كارين.
أسعدت صباحا إياد.
غود مورنينغ بيتر- 550
طاب نهارك عبدو م.م
صباح الخير أيها الأخ الأكبر
ياعين النت التي لاتنام.
صباح الخير يا قراصنة الضوء
أهلا ومهلا،
سأجيئكم بقهوة الصباح
ببيجامتي الزرقاء وبرائحة الفراش.

تكنولوجيا

عبدالهادي السعيد (المغرب)
أيها الحاسوب
خُذ قصيدتي فِي صمْتِ
واطبعها حواليك علي مهل
ثم إياك أن تومئ إليَّ
فقطعا لن أشكركْ !

أصبع علي الزناد

أحمد الكبيري(المغرب)
اعتبرت الكتابة دائما وجعا والتخلص من هذا الأخير، بأية وسيلة، تفريغا.
ذلك أن الكتابة ليست هي ذلك الفعل اللصيق بالريشة أو القلم أو الكومبيتر بقدر ما هي ذلك الألم العميق الذي يجعل فعل التفريغ اللاحق له يكتسب صفة المكتوب. أتذكر، وأنا مراهق كيف كنت أصعد الجبل وأختفي بين أشجار التين والزيتون بعيدا جدا عن الناس وضوضاء المدينة، أتأبط دفترا أو كتابا، أطارد أوهاما جميلة تسكن بواطن القلب وحنايا الروح، أصطاد الكلمات كما أصطاد فراشات بين أشجار حديقة يانعة ورودها وأزهارها. حذرا في كل خطواتي كي لا تفلت مني الفراشات، وحذرا أيضا كي لا أقبض عليها ميتة أو ممزقة الأجنحة... والآن أمام الحاسوب، أصطاد الكلمات بنفس تلك اللذة كي أعبر بصدق عن ذلك الحريق العذب الذي دفع بي ذات يوم، أن أهرب إلي الخلاء وأعيش توحدي معه بعيدا عن كل المشوشات... لكن وسيلة التفريغ في فن الكتابة، كما في أية عملية إبداعية راقية، قد تكون هي البراق الذي يسري بك إلي مجاهل الذات وأسرار الكون البعيدة ويجعلك تنظر إلي أفكارك ورؤاك كما لو كنت أمام مرآة سحرية بديعة، وقد تكون تلك الوسيلة سببا وجيها يجعلك مجرد فقاعة صوغ لها غرورها أن تقفز في الهواء إلي حين. وإني ما زلت في زمن النيت والكومبيتر أصطاد كلماتي وأفكاري كما كنت أصطادها في الماضي...أي أبحث عنها في أعماقي وروحي وخيالي.



أضف تعليقا

هشام الصباحى من مصر
29 نوفمبر, 2007 03:57 م
الادب العربى جاء فى عمومه متاخرا الى شبكة الانترنت على الرغم من اهتمامى بالادب
كانت علاقتى بالنت من اكثر من عشر سنوات

h.alsabahi@gmail.com
د حنان فاروق من المملكة العربية السعودية
29 نوفمبر, 2007 05:19 م
السلام عليكم
الإنترنت بالفعل فتح نافذة نشر لانهائية لكل صاحب قلم أو حتى محب له...لكن المبدعين والكتاب المحترفين احتاجوا لوقت طويل ليشاركوا بفاعلية...
أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً..
تحياتي