المظلة

إبداع ونقد

باشلار فكر في بودلير بطريقة متميزة عن كل الشعراء الآخرين

باشلار فكر في بودلير بطريقة متميزة عن كل الشعراء الآخرين
الفيلسوف كان قارئا مولعا بالشعراء:
بقلم: مارسيل شاتيل ترجمة: سعيد بوخليط
عن القدس العربي 
29/10/2007

نعلم بأن باشلار في المرحلة الأخيرة من وجوده المثابر والخصب، كان قارئا مولعا بالشعراء المعاصرين. لكنه ظل، وفيا للشعراء الذين افتتن بهم أثناء سنوات مراهقته، وخاصة بودلير: تلتهم العالم حينما تكون سعيدا. وعندما تعود إلي ذاكرتي الروائح الكبيرة التي تهيئ الولائم، أتصور، وقد أضحيت بودليريا، أنني ألتهم الذكريات (2).
لا يتركنا، لكي نسرف كثيرا في توظيف الماضي، فإن باشلار وهو يكتب هذه السطور في نهايات عمره، ظل يحلم بطفولته وذكرياتها. وفي كل هذا المقطع حول الروائح الغابرة، وأريج الطفولة، يتحدث باشلار مثل بودليري مقتنع، أو كشاعر أحيانا، ثم في الغالب كفيلسوف مرهف يرفض الغنائية، لكنه يقبل ذلك الارتجاج، الذي بدونه يبقي الأسلوب باردا: الروائح ! أول شهادة عن انصهارنا في العالم (...) معطف مبلل، كل طفولاتنا لشهر تشرين الأول (أكتوبر)، وكل تلك الجرأة وأنا تلميذ، تنبعث ثانية في ذاكرتنا. لقد استمرت الرائحة بين ثنايا الكلمة (3). فباشلار، أولا وقبل كل شيء حالم بالكلمات.
يفكر باشلار في بودلير، بطريقة متميزة وخاصة عن باقي كل الشعراء الآخرين، أو يقاربه بروح أخري مضطربة مثل باسكال. كان دائما لشاعر أزهار الشّرّ هذا الإحساس بالدوامة: يا للحسرة! كل شيء هاوية، فعل، رغبة، حلم، كلام!... . يعلق باشلار علي بودلير، ببعض الصيغ الغريبة : كل العناصر لها هاويتها، كل الأفكار لها لجتها. إن بودلير يضاعف باسكال (4). هل نصدق؟ بأن الفيلسوف نفسه أصابته دوخة، أحس بها حينما صعد إلي غاية برج سهم كاتدرائية ستراسبورغ: حصل لدي انطباع بانهيار فظيع داخلي(5).
ميز باشلار في كتابه عن الشاعر لوتريامون ، وهو يدرس المجازات والانمساخات الشعرية، بين تطابقات محض شكلية ، كما تبلورت مع نصوص إيلوار ، ثم التطابقات البودليرية التي تميزت ب ماديتها القوية . لذلك، اقترح تصنيف الشعراء إلي أسرتين كبيرتين : أولئك الذين يعيشون في زمان حميمي، عمودي، وآخرين، يتماهون بزمان أفقي، يظل في صيرورة أبدية. ينتمي للصنف الأول بودلير ومالارميه، في حين نجد ضمن النوع الثاني شعراء أمثال لوتريامون وإيلوار. لكل واحد، من هؤلاء، شعريته، جدليته، ديناميته وكذا تخيله الخاص.
يمثل نيتشه بالتأكيد، عند فيلسوف المتخيل، ذلك الهوائي ـ هنا تكمن أصالته ـ الذي لا يحتفظ من مزايا الهواء بغير قوة انقباض العضلات : البرد والخلاء. يجسد الهواء الخالص، وعيا باللحظة الحرة (6). حر، منفتح، ومتوجه إلي المستقبل. علي النقيض، فإن أرضيا مثل بودلير، متأثر بالروائح التي تجره إلي الماضي، (روائح، أرواح، أفكار، أسرار: مجموعة كلمات من أجل تحديد عالم الذاكرة) يكتب سارتر.
بالروائح اللطيفة أو الثقيلة، يتخلص شاعر أزهار الشّرّ : من الزمان والضجر، أي وضعه القاتل. تعمل الروائح علي فك مرساة حلم اليقظة الشعري، بشكل أفضل من الأصوات والأشكال والألوان (علي الأقل إذا لم يتم إعادة اكتشاف ذلك ثانية، داخل سمفونية أو لوحة بخيال فوق طبيعي).
هكذا يلعب الخيال دورا جوهريا عند بودلير وباشلار. تمثل هذه القدرة عند الأول ملكة الملكات ـ وفق تعبيــــر استعاره من إدغار ألان بو فالخيال يدرك التماثلات والتطابقات. في حين عند باشلار، يعطي مجالا لحلم اليقظة، المبدع والمنفتح المرتبط بالإرادة أو الذاكرة، ثم نشوة الكتابة والتكلم. سواء مع بودلير أو باشلار، فالخيال أساسي للمبدع، للقارئ والناقد.
ألمح باشلار كثيرا إلي التطابقات البودليرية، كإشارة عن الفعل التركيبي للروح الغنائية : فسيح مثل الليل والوضوح (7). هذه التطابقات، قد توحد الأعلي والأدني، اللامتناهي في الكبر باللامتناهي في الصغر، أو بشكل دقيق ضخامة أو قوة الحميمية. تخلق جدلا حيا : فالتطابقات في أساسها، تحتضن شساعة العالم وتحولها إلي قوة لحميمية كائننا (8). قراءة الشعراء ـ نثرا أو قصيدة ـ توقظ فينا تطابقات صحية بين مختلف الحواس، تخول لنا التلاعب بتماثلات علي آلة كاتبة. قراءة الرسامين أيضـا، راشل! أية سعادة للأذن، أما شاغال، فهو متعة حقيقية للأعيـن (9).
يعرف باشلار، كيف يدرك ارتجاج ودوي المقاطع الفلسفية الكبري لبودلير : جانب بأكمله من روحنا الليلية،تفسره أسطورة الموت التي يتم إدراكها كانطلاقة فوق الماء (...). أيضا كم هو مدهش سمو هذا المقطع الشعري عند بودلير . صورة مثيرة تذهب إلي عمق سرنا : O mort, Vieux capitaine, il est temps ! levons l'ancre ! وكما، لو يريدنا الحلم بشكل أفضل بخصوص هذا المقطع الشعري الكبير الذي يرفع المرساة عن الحركة الأخيرة لشاعر: أزهار الشرّ فإن باشلار يهيئ بياضـا وشاطئ صمـت، بعد الاستشهاد الذي ينهي العرض (10).
باشلار منذهل لهاته الصورة الجديدة. مع أنها كتومة، فهي تجمع بين المتناقضات، وتخلق تآلفا بين الازدواجيات، ارتجاف ملتبس ومناخ شعري : بالتحسر المبتسم، الذي يعيشه الشاعر، يبدو بأننا نحقق التآلف الغريب بين الحسرة والسلوي. إن قصيدة جميلة، تدفعنا للصفح عن حزن قديم جدا (11).
نعلم بأن باشلار ابتعد عن التأويل النفساني، لكي يوصي مثلا بالتطبيق الفينومينولوجي، حيث العمل علي إحياء وإطالة صور الشعراء. لذا، يمكننا توخي الاحتفاظ بعمق ولغز اللاوعي، وكذا الأشياء الجميلة التي نتذكرها عن ماض بعيد وحياة سابقة، داخل الأروقة الواسعة التي تشبه المغارات البازلتية، ومن خلال الغسق الساحر بالقرب من البحر، يجد الشاعر ثانية حياة سابقة، وأحلاماً أولية : قبو اللاوعي ولاوعي القبو (12).
من الضروري، أن تكون القصيدة عند بودلير انتزاعا للروح، تمجيدا، وتساميا. ومع باشلار تجعلنا نحلم، ما دام أنها انبثاق وتعالٍ للخيال، أو أيضا خلق لكائن جديد، لأكثر من كائن. القصيدة والفن، يضيف بودلير يعملان علي انتشالنا من الوضاعة والسأم والزمان. أما باشلار، فيؤكد بأن قصيدة أو لوحة يمثلان دعوة إلي السفر وحلم اليقــــظة والسعادة. لكن ألم يكن لبودلير وباشلار، إضافة إلي كل ذلك : توق إلي الأفكار المتناسقة بشكل صارم (13).
لا يجب نسيان أن آخر صور باشلار وكذا أحلام يقظته وتأملاته كما جاءت بين طيات عمله la flamme d'une chandelle تمحورت حول حلم اليقظة الخاص : الذي يصنع تطابقا، فوق ـ بودليري، توخيا للعيش في القمم (14). يعمل باشلار علي تمديد بودلير : يشتغل الخيال في قمته مثل شعلة، وبين ثنايا حيز مجاز المجاز (...) علينا التنقيب عن سر الطاقات الفجائية (15). صور النار مهمة عند باشلار بقدر كذلك أهمية صور الماء، ليس بمتناقضين. لقد حاول الشعراء المماثلة بينهما : كل شعلة، نار مبللة يكتب جوبير. وجاء في قولة شعرية لأوكتافيو باث شجرة صفصاف ناريـة، نافورة ماء (16).
لقد لاحظ هنري لوميتر، بأن كلمة روح تشكل إحدي الكلمات المفاتيح للشعرية والنقد البودليريين. وقد سعي باشلار، في أعماله الأخيرة، الي رد الاعتبار لكلمـة روح : القصيدة التزام للروح (17).
بقدر، ما قد يظهر غريبا ومتهورا، هذا الإقرار فيمكننا القول بأن القصيدة عند باشلار وبودلير، عبارة عن صلاة : لأنه في حقيقة الأمر، كل شيء يصلي انطلاقا من الموقع الذي يشغله داخل الطبيعة، وينشد مديحاً للنسق الإلهي حيث ينتمي، مديحاً روحياً وعقلياً، وفيزيائياً أو حسياً (18). يحاكي فيلسوف الخيال المنفتح، فيلسوف الأفلاطونية الجديدة : شعلة الحياة والكائن الذي يزهر، هي نزوع نحو عالم النور الخالص (19).
كاتب من المغرب
Saidboukhlet@hotmail.com
هوامــش :

(1) Marcel Schaeel : et , Bulletin des Amis de Gaston. N? 8, 2006, . 90/95.
(2) Gaston : La Poژtique de la rگverie, P. 123.
(3) Ibid, Page 118/119.
(4) Gaston : La Terre et les rگveries de la volontژ, Page 352.
(5) Ibid, Page 344.
(6) Gaston : l'air et les songes, pages 158.
(7) درس باشلار، التغيرات التي تعرفها كلمة Vaste في النص البودليري. أنظر بهذا الشأن كتابه : La poژtique de l'espace ، ص 174/181.
(8) Gaston : la poژtique de l'espace, P173.
(9) Introduction ˆ la bible de chagall (Verve n? 37/38- 1960).
(10) Gaston : l'eau et les rگves, P 103.
(11) Gaston : la poژtique de la rگverie, p.99.
(12) Gaston : La terre et les rگveries du repos. P204/205.
(13) Gaston : La flamme d'une chandelle, P.111.
(14) Ibid, Page 85.
(15) Gaston : La psychanalyse du feu, PP 215/216.
(16) Gaston : La flamme d'une chandelle, P. 23.
(17) Gaston : La poژtique de l'espace, P. 5.
(18) يستشهد باشلار بذلك علي ضوء هنري كوربان.
(19) Gaston : La flamme d'une chandelle, P.86.



أضف تعليقا