البيضاء :20- 10 -2007
التبوريدة الشاوية في الصالونات الأدبية
هشام بن الشاوي
كان تيها جميلا ...
في طريق عين الذئاب ، بعيدا عن جحيم البيضاء .. الإسفلت يلمع ، والسكون يرخي ستائره على الفيلات المطوقة واجهاتها ..
يتدفق صوتها العذب مطرًا يروي ظمأ القلب ، تحذرني من انفعالي الأهوج .. ألا أكثرمن المزاح ، وأثق بنفسي .. ألاّ أحس أني أقل منهم ، وأرتكب أية حماقة ..!! ربما من حسن حظي أني وصلت قبل الموعد .. حتى أحظى ببعض التسكع الجميل في رحاب هذه البيضاء الأخرى ، بعيدا عن بناياتها الشاهقة ، وسيارتها المارقة كعفاريت نزقة ...
****

وصلني صوت " مصطفى لغتيري" عبر الهاتف ، يحثني على أن أسأل عن شارع ابن سينا أو أستقل أية سيارة أجرة .. المكان يشبه صحراء قاحلة ، و يتعذر أن أجد من أسأله .. بين مسافة وأخرى أصادف حارساً أو بستانــيــّا يشذب شجيرات أحد المساكن الفخمة .. وألعن المكان .
أسأل سائق التاكسي عن وجهتي ، فيجيبني بالنفي .. أتصل بمصطفى ،أناول السائق الهاتف حتى يرشده ... وأصر الصديق عبدالرحمن مولي على دفع الأجرة تعبيرا عن حفاوة الصالون الأدبي بضيوفه .. ومن بعيد ، ألمح مصطفى يبتسم بين الأصدقاء ، و أتخيله يقول : (هاذ المصيبة جا . الله يدوز هاذ النهار على خير) . هي مجرد دعابة جوانية لا غير.
****
من الوجوه التي حفرت أخدودا في القلب أثناء جلسة المقهى : "السعدية باحدة " بطيبتها اللا متناهية ، "المهدي لعرج" وقد عاتبته على كسله الدروبي ، "سعيد بوكرامي" الذي قرأت له قبل أعوام مجموعته المائزة (تقشير البطل) ، والتي حظيت بحفاوة مع نصوص أخرى بحفاوة الناقد والمبدع الأستاذ أحمد بوزفور .. "الدكتورة سعاد مسكين " التي لمحت إلى أنها سبق وأرسلت إلي إميل عتاب ردا على ما ورد باسمي في ملف بيان اليوم ، مستاءة من انهزاميتي وسلبيتي ... "مليكة صراري " التي لا حظت أنها تهز ذراع من تصافحه هزا عنيفا .. إنها تحية رجال ، لا تليق بشاعرة ، فمازحتها أني لا أستطيع أن أكتب ....
****
أحسست بحنقي يتفاقم ، وودت أن أصرخ في وجه الضيف وهو يتحدث عن غرامياته .. وتساءلت : " هل جئنا لنسمعه وهو يتباهى بمراهقته ؟" .
كنت الوحيد الذي لا يصفق فور انتهائه من قراءة أي شيء .. وجدتني أتذكر أبناء عمي وهم (يرطنون) باللغة الايطالية .. حتى الابنة الصغرى التي لم تبلغ ربيعها السابع ... تبا لهذه الدنيا التي تجعلنا (نعتنق) لغة أخرى ... من أجل حطامها !!
****
ذلك الصباح البائس ..
عيرتني أمي بمن هم أصغر مني سنا ، العائدين من مطارح الغربة .. بمنجزاتهم وهم الأصغر مني سنا ، بعد الهجرة السرية إلى إيطاليا ... قلت لها: "لا أفكر في الهجرة بأي وسيلة ، لا أفكر فيها ". كل هذا من أجل كتاب الشؤم ... " بيت لا تفتح نوافذه ..." . يا إلهي ، حتى عنوانه بائس ومنحوس !!
كدت أن أنسى تجاهل الشاعر الضيف الإجابة عن سؤالي عن (بعض) الشعراء الفلسطينين الذين خانوا القضية و اعتنقوا قضية النصف السفلي من أجسادهم ... !!
و حتى لا أكون مثل تلميذ في الصف يصغي باهتمام ، انشغلت ببعض المقالب الحلوة .. وأول ضحاياها الشاعرة "مليكة صراري" التي كانت إلى جانبي .. قمت بتركيب رقمها ، ووضعت الهاتف الخلوي في جيب قميصي كاتما ضحكي وهي تسرع بفتح حقيبتها اليدوية لمعرفة المتصل ... خجلت من أن أقول لها أني وصديق آخر كنا نمارس نفس اللعبة مع خو البهايم (أخ البهائم ).. وهو يذوب في الخلاء لقضاء حاجته .. متخلين أنه حائربين فك حزام سرواله ،ومعرفة المتصل على عجل ... ونسأله فور عودته إن وصلت الرنة قبل أم أثناء ... ونغرق في الضحك .
وجدتني أركب رقم "مصطفى لغتيري " ، فيحدجني بنظرة عتاب وأنا أكتم ضحكي ، ومليكة تقول لي :" أخفِ رقمك .. اجعل المتصل مجهولا " .
وألتفت إلى "محمد كويندي" و"سعاد كويندي" التي نهرني قائلة : " تبدو رزينا .. من خلال صورك في المواقع .." ، وراح يحدثني محمد عن لقائي الأول مع " حسن برطال" .. كيف التقينا لأول مرة و بواسطة المكالمات الهاتفية ... القاسم المشترك بين معظم الأصدقاء أنهم كانوا يسألونني عن قبعتي ، فأشير بيدي إلى حزام السروال جانبا ، حيث علقتها بطريقة شبابية ...
لم أكن أهتم بشيء ..
انتقلت إلى جوار "مالكة عسال" ، والتفتت ناحيتنا " ليلى ناسيمي " مقطبة جبينها مشيرة بيدها أن نلتزم الصمت .. تربت مالكة على يدي بدفء أمومي : " بيننا كلام كثير . لنؤجله حتى انتهاء اللقاء " . وركبت مرة أخرى رقم مليكة صراري كاتما ضحكتي وهي تفتح حقيبتها وتلتفت إلي ، وتستطرد عسال :

- لقد كتبت مع مليكة قصيدة عبر المسنجر ...
وعقبت :
- تلك تجربة رائعة ، لم لا تنشرانها ؟
ولمحت ليلى تنزوي بعيدا.. اكتفيت بالتحية من بعيد .. لا أحب أن أكون متطفلا على امرأة حتى لا تظني أني أتحرش بها ، ثم انتقلت لتجلس إلى جانبي ومالكة ، وبعد التحية والسؤال عن الأحوال دار بيننا حديث مختصر عن منتدى إنانا..... لكن حين لمحت "الزهرة رميج" ، غادرت مقعدي ، شيء ما يجذبني ناحيتها ، وأنا ألمح ابتسامتها .. كأني أعرفها من قبل . لا أتحدث عن المعرفة الافتراضية من خلال دروب أو بعض الإميلات .. أحيانا تصادف شخصا تحس أنك تعرفه من قبل .. ترتاح إليه .. وأحيانا ، تقابل أحد- أقاربك - وتتفادى لقاءه أو محادثته ..
لعله بعض سحر "كويزا" ...
تنبهني - وأكثر من مرة - إلى أن مصطفى يشير لها أن تصمت .. لكن ذلك لم يكن يعنيني في شيء .. أخذت منها المروحة وأخذت أتسلى بها معلقا :إنها للنساء الارستقراطيات فقط .. وأهش بها على الصديق "عثماني الميلود " قليلا ...
****

كان لقاء أدبيا رائعا رغم استياء الصديق مصطفى من "تبوريدتي" وكما سجلها تحت نصه "الكرسي" في دروب في رده على الصديق "حسن اعبيدو" ...
لقاء أصدقاء حميمي رفع معنوياتي نوعا ما .. وبدد - ولو إلى حين - هذا السأم الوجودي القاتل الذي يسكنني ...
لكن الاشياء الحلوة لا تدوم .
المرأة الوحيدة التي تساندني وتفرح لفرحي وتحزن لحزني .. كافأتها بكلامي الجارح بعد سهرة حلوة ...
هي الأشياء الحلوة ... تموت بسرعة .
هذا قدر المبدع ...
****
خلدت إلى النوم قليلا لأرتاح من وعثاء كتابة هذه السطور ..
استيقظت على صوت آذان المغرب يستوطنني حزن غريب وخانق ، ألفيتني حانقا على الموضوع ، لا شيء فيه .. وقد عبرت سلفا عن الإحباط الشديد الذي أعانيه مما جعلني أؤجل كتابة الفصل الأخير من (النصف الآخر) ...
إنه حزن الأماسي الخريفية الذي عاهدني على الصداقة الوفية منذ زمن بعيد ...
ولأنني لم أنتبه إلى "ميساج" مصطفى ساعة وصوله .. لأن السيد المحترم هاتفي الخلوي .. يحب الاستئثار بها ساعة وصولها، ولا أراها إلا صدفة ، وبعد ثلاث ساعات من وصولها .. ولولا تلك الرسائل الموغلة في حديقة الأمل لحطمته غير مأسوف عليه ..
تلصصت على الصفحة الأخيرة من تلك الجريدة التي لا تقرأ .. لم أقتن نسخة منها .. فالمبدع أرخص من قملة في هذا البلد الأمين .. (تصرفوا ) في قراءة "مصطفى لغتيري" لمجموعتي القصصية .. بدل أن ينشروها - كما نشرت في مواقع إلكترونية - وحولوها إلى مجرد خبر من بضعة أسطر عجفاء تحت عنوان :إصدار ... و في حيز ضيق جدا ...!! في حين تنشر صور العاهرات حتى تكاد ترى عروق صدورهن . أما صدور مجموعتي القصصية فليس بأسوأ حال من خبر نعي أي بعوضة ... لن يقرأ .
لا تحزن يا قلبي . هذا حال المبدع .. يحب، ويكتب ، يكابد ويموت وحيدا ومغتربا ...
و في صمت ،
ولا عزاء للأدباء ....
الجديدة – أواخر أكتوبر 2007











28 اكتوبر, 2007 01:25 ص