السوق اليومي لهشام حراك.
يبدو أن قدر القصة القصيرة كجنس أدبي سيظل مرتبطا بالواقعية، رغم المحاولات الجاهدة التي تهدف السير بها في سبل أخرى، فما يكاد النقاد يطمئنون إلى أن هذا الفن قد شق طريقه إلى غير رجعة في اتجاهات جديدة ،حتى يجدوا أن حنينه إلى جذوره عاد به القهقري إلى الكتابة الواقعية. ولا غرابة في ذلك فقد ترعرت القصة القصيرة في أحضان الاتجاه الواقعي مع تشيخوف ودي موبسان، لذا فمن الصعب أن تنفض بشكل نهائي رداء الواقعية، ففيها تحيا وتستمر ومن فضاءاتها تستمد تيماتها وشخصياتها.. ومهما بلغت من التجريد سيبقى الواقع تلك الخلفية المتينة التي لا يمكن الاستغناء عنها.
من هذا المنطلق لا يمكن قراءة المجموعة "السوق اليومي" إلا ضمن سياق الاتجاه الواقعي، بما يختزله من دلالات أقربها وأدناها الإحالة على اليومي بكل تفاصيله.
تلك التفاصيل التي قد لا ننتبه إليها لكثرة مصادفتنا لها. وهذا ما يضفي نكهة خاصة على كل محاولة لالتقاطها وصياغتها في إطار فني. وربما هذا ما كرست المجموعة نفسها لتقديمه إلينا، فالمتلقي وهو يقرأ قصص المجموعة تنطلي عليه الحيل الفنية فيحس أن الشخوص هي فعلا من لحم ودم، فخالتي حليمة في القصة الأولى التي تحمل المجموعة اسمها "السوق اليومي" هي تلك المرأة التي نصادفها دوما ونحن نذرع أي شاعر من شوارع مدننا التي تتشابه في مظاهر بؤسها إلى مالا نهاية.. هذه المرأة البائسة "مكومة أمام بضاعتها مثل دلاعة: كومة من الباكور وميزان صدئ وطرفاه معوجان" ص9. ولا يمنع أن تكون تلك المرأة التي تبيع بضاعة أخرى، تتنوع وتتعدد بتنوع مظاهر البؤس الذي يكبس على أنفسنا بقذارته وصلفه.
وفي قصة "حب على الشاطئ" قد يجد القارئ نفسه في لحظة من لحظات القراءة يسترجع لحظات حميمية من الزمن الضائع اكتوى خلالها بلفحات العشق الذي تحد من انطلاقته صرامة الواقع بكل إكراهاته، فلا تكتمل اللذة أبدا، ويبقى معها المصير معلقا في انتظار تحقق لا يكتمل .... ليعيش حالة ذلك البطل الذي ينوس بين قدرين ومصيرين: انتزاع اللذة من بين براثن الواقع، والحلم بالهجرة لمطاردة السراب، إنها المفارقة الصارخة المولدة للصراع في دراما الواقع المغربي ف"يقرر أن يقطع البحر، في اتجاه الضفة الأخرى، خوفا من كلام الناس ونظراتهم اللاسعة" ص14.
نفس الهاجس يؤثث باقي القصص وأقصد به رصد شخصيات من الواقع، ففي قصة "كان بالإمكان أن يكون" يسرد علينا القاص حكاية "احميدة" ذلك الشخص النائم في أحضان نشوة الكحول والذي يحيا موقفا دراميا في المقهى الشعبي الذي يمثل مسرحا حيا لكل ما هو شاذ ومرفوض من المجتمع "مقهى الحي كلها فوضى ... وجوه كالحة وعيون احمرت بالهاش" ص48.
إن قصص "السوق اليومي" تبهرنا بحسها الواقعي المفرط لا من خلال أحداثها او التقاط التفاصيل والجزيئات فحسب ولكن كذلك من خلال أسماء الشخوص التي تعمق لدينا الإحساس بانتمائها الاجتماعي "حميدة، فطومة، مي حليمة، عباس..." ثم من خلال الأماكن التي تجري بها الأحداث (السوق، المقهى، الشاطئ، الحي الجامعي، المستشفى، الطريق العمومي...) ولعل هذا يعزز القناعة التي تذهب إلى أن القصة القصيرة هي فن يعبر عن المهمشين بامتياز، على عكس الرواية التي هي صوت البورجوازية.
وختاما أتمنى أن أكون من خلال هذه الوقفة العاجلة عند هذه المجموعة قد استطعت ملامسة أهم المحاور الدلالية التي تنتظم المسار السردي لبعض القصص، تاركا للقارئ مهمة الكشف عن باقي المحاور والتيمات من خلال القراءة المتأنية والعاشقة لكل قصة من قصص المجموعة.
*السوق اليومي هشام حراك – الطبعة I الرباط.
آخر المقالات
- أدوار الأستاذ المرشــــد في التعليم المغربي
- الروائيون العرب «الجدد» ينتهكون النص المحفوظي
- القرار السديد
- وفاة والدة الشاعرة نعيمة الصوري زوجة الكاتب توفيقي بلعيد
- نشيد قريتنا الخالدة
- وفاة والد الأكاديمي المغربي محمد مشبال
- وفاة والدة الكاتب المغربي عبدالاله صحافي المقيم في بريطانيا
- بيت الشعر يهنئ اللعبي
- فوز الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي بجائزة الغونكور
- المسرح المتوسطي والحداثة
الأوصاف
- الأدب و الفن [1]
- تعريف بصاحب المدونة [3]
الأرشيف
- كانون الثاني 2007
- شباط 2007
- اذار 2007
- نيسان 2007
- ايار 2007
- حزيران 2007
- تموز 2007
- اب 2007
- ايلول 2007
- تشرين الأول 2007
- تشرين الثاني 2007
- كانون الأول 2007
- كانون الثاني 2008
- شباط 2008
- اذار 2008
- نيسان 2008
- ايار 2008
- حزيران 2008
- تموز 2008
- اب 2008
- ايلول 2008
- تشرين الأول 2008
- تشرين الثاني 2008
- كانون الأول 2008
- كانون الثاني 2009
- شباط 2009
- اذار 2009
- نيسان 2009
- ايار 2009
- حزيران 2009
- تموز 2009
- اب 2009
- ايلول 2009
- تشرين الأول 2009
- تشرين الثاني 2009
- كانون الأول 2009








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية