بمجموعته القصصية الجديدة "توازيات" يخطو القاص محمد الشايب بثبات نحو تكريس حضوره في خارطة الإبداع القصصي بالمغرب، كأحد الأقلام التي تنتصر لتصور محدد في الكتابة، ميسمه الأساس المزج بين حداثة الإحساس وجمالية التعبير، محاولة الخروج بالقصة القصيرة من شرنقة الركاكة التي ابتليت بها لردح من الزمن، حتى أضحى من مأثور الكلام على لسان المتتبعين أن ليس في "جبة اللغة العربية عند القصاصين المغاربة سوى اللهجة الدارجة".
ولا أدل على هذا التصور في الكتابة عند القاص محمد الشايب من قول السارد في ص 37 "فرأيت أن الحكاية بارعة في الكر والفر، كيف أنها تنط هنا وهناك، وتزاوج بين الماضي والحاضر، وتخلط الحلم باليقين، أريد أن أقول الواقع، فلا يقين في الكتابة" تأسيسا على ما تقدم، ترسخ لدي اعتقاد، قد يلامس اليقين أن "الثيمة" الأساسية لمجموع قصص المجموعة العشرة هي "الحنين" ويمكن أن نجمله في ثلاثة أقانيم دالة، وهي المرأة والمدينة والهجرة.
ولعل ما بث في ثنايا النصوص من عبارات، تشي بهذا التوجه، وأعني به الحنين وذلك من خلال صياغة لفظية صريحة تؤشر على ذلك ومنها:
«أطلق العنان لفرس الذكرى»ص 20
«تسلم نفسها لهيب الذكرى» ص 24
«عادت به رواية العروي إلى سنين خلت» ص 24
«تطوح بها بعيدا إلى جزر نائية في الذاكرة» ص 25
«أصرت الذكرى على الهطول» ص 28
ومن العلامات الدالة في هذا المضمار تكرار كلمة "العودة" بشتى اشتقاقاتها ومرادفاتها على امتداد المتن السردي للمجموعة، هذا ناهيك عن المعجم الدلالي الذي ينهل منه القاص ونذكر منه: الردى- الصهوة- الوصل-أفراس- البيداء –عباب-البين-الكرى البهيم..
ليس هذا فحسب، بل نجد الكاتب يميل إلى الصور الشعرية الجميلة خاصا إذا ما التزمت بوظيفتها الدلالية وكانت نابعة من صلب العمل القصي وغير مقحمة عنوة، ومنها:
«تخضر أشجار الاستفهام والتعجب»
«يعانق الردى كما يعانق الحبيب»
«أيستسلم لقنابل الأشواق والحنين»
«يمتطي حبال الذاكرة»
«داسته أفراس الزمن»
«ابتلعتها عباب الندم»
«العقارب تحصد الزمن الليلي»
وذا كان الحنين إلى المرأة طاغيا في المجموعة تعبر عنه قصص بعينها ومنها قصة "سحنة الخريف" يقول السارد في ص 32 "بعد عشرين عاما، تعود لأجدها أمامي تنتصب كشجرة لا تموت إلا واقفة" فإن الحنين إلى المدينة مبثوث في ثنايا النصوص، مدينة الطفولة والأحلام، يقول السارد "المدينة الأخرى هناك بعيدا/و"سبو" حاميها يعزف على الكمان الغياب/ ودفاتر الصبا/ هيهات هيهات".
كما أن الحنين إلى الطفولة يتماهى مع أنواع أخرى من الحنين، فها هو الرجل السبعيني في قصة الكتاب، يحن إلى ماض يعيد، يقول السارد: "تجعل السنون تتقهقر، تلين جبالها، وتطأطئ رؤوسها، فيتمكن السبعيني الأعزل من استنشاق رائحة الأيام" واللافت للانتباه أن هذا الحنين لا يكتفي بالذات، بل يحاول أن يتزيى برداء العام حين يوقد في النفس حنينا تاريخيا إلى الفردوس المفقود "الأندلس" وذلك من خلال الشخوص التي تعانق حلم الهجرة ومنها اعويشة في القصة التي تحمل نفس الاسم يقول السارد: "عانقت الموج بغية الهروب إلى الضفة الأخرى، الضفة التي استهوت طارقا أولا، ففتحها بعد أن أحرق السفن، وقال خطبته باللغة العربية".
وقد تجلى ذلك بوضوح في قصة "مطر الوصل" حين أورد على لسان إحدى الشخوص "الاعتذار نيابة عن أجدادك لأنهم طردوا أجدادي من الأندلس" ص 91
وفي سبيل تحقيق تواصل أفضل مع القارئ، اعتمد الكاتب محمد الشايب تقنيات شكلية، استطاع من خلالها التعبير عن حنينه المتعدد الأبعاد، ومن هذه التقنيات الفلاش باك يقول السارد في ص 33 "من بعيد، من خلف كل سنوات البين، يحضر الفتى وهو يردد في صمته تارة أغنية عبد الحليم، وتارة أغاني ناس الغيوان".
ومنها كذلك تقنية التوازي، حين يجعل القارئ أمام زمني، الماضي والحاضر في نفس الوقت، وكمثال على ذلك قصة "اعويشة" إذ عمد السارد إلى الانتقال بنا في تعاقبات سردية متشظية بين واقعها الحالي حين عادت من ديار المهجر وماضيها البائس قبل الهجرة.
كما أن الكاتب لجأ إلى بعض التقنيات الأسلوبية التي تجعل القارئ وهو يتتبع مسار الشخوص التي تحيا بين ظهرانينا، يسافر بوجدانه في عوالم الماضي ومنها تقنية التناص، نذكر منها التداخل النصي مع بعض الموشحات تعبر عن بعضه عبارة "خلسة المختلس" أو التناص مع أبي العلاء المعري في العبارة التي قالها السارد "هذا ما جناه صمتي علي".
إن كان الكاتب ينوس بين الماضي والحاضر، كما دلت على ذلك النصوص، فإنه بالقدر ذاته مندفع نحو المستقبل، يشي بذلك توظيفه في مقاطع بعينها للفعل المضارع من خلال سرد يترك للقارئ حرية التأويل بل المشاركة في بناء المعنى، يقول السارد في ص12 "لا يجيب، لا يلتفت إليها، يهرع إلى المرحاض، يغلق الأبواب عليه، تظل جامدة في مكانها، تسمع ماء الصنبور يتدفق داخل المرحاض، تغرق في أسئلة بلا ضفاف...".
وختاما أتمنى أن أكون قد أحطت ببعض مميزات وخصائص الكتاية السردية عند القاص محمد الشايب من خلال مجموعته القصصية "توازيات" متمنيا له مزيدا من الاصرار على الكتابة الجميلة، خاصة حينما توظف ضمن وعي تام ببعدها السردي، بعيدا عن الافتتان بالحذلقة اللغوية التي تجعل القاص ينشغل بها عن عملية البناء القصصي، فينزاح بذلك عن وظيفته الأساسية.
• مصطفى لغتيري
هامش: توازيات-محمد الشايب- منشورات مجموعة البحث –الطبعة الأول-2005.
الاحد, 28 يناير, 2007
أضف تعليقا









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية