عرس الأدب
كما عودتنا دائما ،لم تخلف مراكش موعدها مع الحدث الجميل ، تزيت ذاك المساء بأبهى الحلل ، وفتحت أحضانها المخملية ،لتستقبل بأريحيتها المعهودة ،أدباء ونقاد وصحفيين وعشاق الأدب من كل الربوع ..شعراء من شمال المغرب ،وقصاصون ونقاد من جنوبه ،وعنادل من الشرق تتأبط سحر فاس ، وقصاصون من الدار البيضاء فتنهم سحر الحكاية ،فيمموا وجههم شطر الحمراء ،علها تسعفهم في إكمالها ،تحت وهج أضواء مراكش ،وساحتها الشهيرة "جامع الفنا" ،تلك التي ليست سوى قبس من فتنة الماضي ،حيت يتضوع عبق حكايات ألف ليلة وليلة المضمخة بأنفاس شهرزادها الجميلة.
هو ملتقى حقا مغاير في كل شيء ،أثث تفاصيله على إيقاع شعار "المغايرة "،واستطاع أن يلم شمل القبيلة الأدبية ،تحت فسطاط واحد ،فترى الشعراء متأبطين غواياتهم ،ينتظمون في طابور واحد مع قصاصين ،لاتزال الحكاية طرية بين أيديهم ،توشك أن تجعل من جمال اللحظة وسحرها نهايتها الأثيرة ..وبين هؤلاء وأولئك ،تطالعك سحنات نقاد الصارمة ، يحملون مجاهرهم الأنيقة ،يفتحصون بها ما اجنرح الجمع من قصائد حينا وقصص حينا آخر..
كانت متعتي لا تضاهى ،وأنا ألتقط عبارات نقاد الجيل الجديد ،الذين أبدا لم يكتفوا في تعاطيهم مع النصوص بالأحكام الجاهزة ،والكليشهات المكرورة ،بل أبانوا عن قدرة وجلد في التعامل مع المكتوب ،يكشفون بدأب على المستور ،ذلك الذي تعجز العين غير المجربة على اكتناهه.. لم تستهو نقادنا المضامين ،بل رصدوا في تأن يثير الإعجاب تطور الأشكال والتقنيات والأساليب .. حيث تناول الناقد عبد الفتاح شهيد "أسئلة المغايرة في راهن الشعر المغربي ، من خلال أقانيم محددة ،الإبداع والذات والهوية .. وبما أن المغايرة ألقت بثقلها على الملتقى ،حتى اتخذها شعارا له ، فقد انصبت مداخلة الناقد عبد العاطي الزياني على المغايرة في الخطاب الشعري بالمغرب من خلال المجموعة الشعرية "طعم لأسماك طائرة " للشاعر رشيد منوم .. ولم ينزح الناقد سعيد العوادي قيد أنملة عن هكذا توجه ،فوسم مداخلته ب "هاجس المغايرة و راهن الشعر المغربي من خلال الإغواء البصري و الإدهاش الإيقاعي والإغراب التركيبي والانفساح الرؤيوي ..فيما ركزت ورقة الدكتور عبد الكبير الميناوي على" شعراء الهوتمايل وفرسان آخر الزمان " ..وهي المداخلة التي أثارت كثير من الفضول نظرا لطابعها المغاير شكلا ومضمونا ،وقد سير هذه الجلسة باقتدار الدكتور الناقد حسن المودن ..
ندوة القصة حلقت في نفس الأجواء وطارت على ذات الذبذبات ،أعني ذبذبات المغايرة ،فكان الموعد مع مداخلات عميقة وراقية في تناولها للظاهرة القصصية الجديدة ،وقد سيرها الأستاذ موحى وهبي ،فكان أول المتدخلين القاص والناقد محمد كويندي بورقة مركزة وسمها بأفق القصص الجديد ،لامس من خلالها شجون القصة وهمومها بألمعية المتتبع الذي خبر أغوار هذا الفن الجميل ودهاليزه ،خاصة وأنه أحد المكتوين بهذه اللوعة الجميلة...
بعده مباشرة تدخلت الناقدة سعاد مسكين التي عنونت مداخلتها ب " تقنيات السرد في القصة القصيرة الجديدة من خلال نموذجين .. " هذه ليلتي " لفاطمة بوزيان ،و"البرشمان" لأنيس الرافعي .. وبما أن المغايرة كانت سيد الموقف ، فلقد فاجأ الناقد عبد الرحمن التمارة الحضور بمداخلة غير تلك التي كانت مقررة سلفا ،حاول أن يمزج فيها بين أفكار الورقة التي قدمها سابقا للمنظمين وبين أفكار جديدة محينة ،هي بالتأكيد وليدة إعادة التأمل والتفكير،وقد حملت مداخلته عنوان"جماليات النسق الحلمي في المجموعة القصصية ققنس لأحمد بوزفور"..
و قد تلا الندوتين النقديتين تدخلات الحضور بأسئلة ملتهبة أضافت الكثير ،وعمقت الأسئلة المطروحة من طرف المحاضرين .. وفجرت غير قليل من الطابوهات المحيطة بالممارسة النقدية من قبيل النقد الإخواني ،والنقد تحت الطلب ،وذلك المدفوع الأجر نقدا أوعينا..
وقد تميزت الجلستان الإبداعيتان الشعرية والقصصية، بالتقديم الجميل للشاعر الزجال صاحب الصوت الدافئ منتصر دوما ،الذي أبدع في الاحتفاء بالمبدعين بلمساته الفنية المميزة ، فكانت وحدها كافية لتحريض الشعراء والشواعر والقصاصين والقاصات على تفجير طاقاتهم الإلقائية ،ليجودوا على جمهور المتلقين بأحسن ما لديهم ، فتحقق بذلك الإمتاع في أبهى صوره وأرقاها..وقد تناوب على عريش الشعر الشعراء والشواعر إلهام زويرق و رشيد منسوم ورشيد منيري وسامي دقاقي وسعيد ياسف وفطمة الزهراء بنيس ولبنى المانوزي ومحسن أخريف ومحمد الفخاري ومريم الأزدي ونور الدين بازين ومنتصر دوما.. أما بحيرة القصة فسبح فيها كل من عبد العزيز الراشدي وعبد الرحيم رزقي ومحمد اشويكة ومحمد اكويندي ومحمد تينفو ومحمد الحفيظي ومحمد الفخاري ومصطفى لغتيري و م هشام العلوي ويونس الحيول وموحى وهبي..
ولم يختلف اثنان في أن مفاجأة الملتقى بامتياز ،تمثلت في الكتاب الذي أنجزه المنظمون حول هذا العرس الثقافي ،والذي ضم بين دفتيه كل المداخلات النقدية ،والنصوص الشعرية لجميع الكتاب المدعوين إلى اللقاء.. والكتاب اختير له كعنوان "كتاب الملتقى "،ويتضمن سبعا وستين ومائة صفحة 167 ص من الحجم الكبير ،غلافه مزين بشعار الملتقى وأسماء المشاركين فيه..
وفي الختام أجمع الحضور – قصاصين وشعراء ونقاد وجمهور – على نجاح الملتقى تنظيميا وثقافيا وإشعاعيا ،فكان لزاما أن تشرئب الأعناق لاستشراف الدورة الثانية في السنة القادمة ..
وقبل إنهاء هذه التغطية يطيب لي جدا أن أتوجه بالشكر إلى الفرسان الملتقى الثلاثة الصحفي والشاعر صاحب ديوان "على باب معالي الكلام " نورالدين بازين ،والقاص المتميز المتخصص في حصد الجوائز والتي آخرها جائزة الشارقة للرواية عبد العزيز الراشدي ،والشاعر الأنيق صاحب ديوان "طعم لأسماك طائرة رشيد منسوم،..هؤلاء الشباب الذين قدموا صورة متألقة للشاب المغربي القادر على تجاوز كبوات الزمن المغربي الرديء ،وأن يحققوا بفضل عملهم الدؤوب ما تعجز عن القيام به مؤسسات تتمتع بكل أشكال الدعم المادي والمعنوي..
فتحية إكبار إليكم أيها الفرسان الأشاوس.
هامش نظم هذا العرس في مراكش يومي 20-21 يناير 2007.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية